اعتبرت الكاتبة والإعلامية غادة الصنهاجي أن كتاب “إضاءات لفهم الواقع” يكشف تأمّلات واهتمامات المنظّرة والفيلسوفة حنّة أرندت في ما يتعلق بأسس الأخلاق ومعنى الشر والحرية الإنسانية والفلسفة والسياسة.
وأوردت الصنهاجي أن الكتاب الصادر حديثاً باللغة العربية، عن دار الساقي بترجمة إبراهيم العريس، عصارة تقدم تفاعل أرندت مع الوقائع التاريخية والاجتماعية والثقافية التي طبعت القرن الماضي.
وأضافت المتحدثة ذاتها: “تمارس أرندت مهنة النظرية السياسية، ولا تجد نفسها تنتمي إلى حلقة الفلاسفة، هكذا نظرت إلى دورها حين أجابت عن سؤال الصحافي غونتر غاوس، في حوار أذاعه التلفزيون الألماني في الستينيات، وأورده كتاب ‘إضاءات لفهم الواقع’ محمّلا بالرؤية المتبصّرة التي تتميز بها حنّة أرندت، وهي تتحدث عن الفلسفة والسياسة وتحرّر المرأة والكتابة والعائلة، بطريقة أكاديمية وبغيرها”.
إليكم مقال غادة الصنهاجي كما توصلت به هسبريس:
تكمن أهمية كتاب “إضاءات لفهم الواقع”، الذي وصفته الصحيفة الأمريكية نيويورك تايمز باللؤلؤة، في القيمة الفكرية لما يطويه من دراسات ومحاضرات وكتابات تلخّص تجربة القرن العشرين السياسية العالمية، كاشفاً تأمّلات واهتمامات المنظّرة والفيلسوفة حنّة أرندت في ما يتعلق بأسس الأخلاق ومعنى الشر والحرية الإنسانية والفلسفة والسياسة.. لقد عكف فريق من الباحثين والمترجمين على إعداد أوراقه وترتيبها وتفحّصها والعمل على الموجود منها في قسم المخطوطات بمكتبة الكونغرس، وهو ما جعل الكتاب إنجازاً ثميناً يضيء ما أثمره فكر أرندت خلال مرحلة الأربعينيات والخمسينيات.
يقدّم هذا الكتاب الصادر حديثاً باللغة العربية، عن دار الساقي بترجمة إبراهيم العريس، عصارة تفاعل أرندت مع الوقائع التاريخية والاجتماعية والثقافية التي طبعت القرن الماضي، مانحاً لقارئه فرص الفهم والتفهّم وتجاوز صعوبة هذه الطريق التي تعدّها حنّة بلا نهاية، فالفرد يحتاج إلى التصالح مع عالم ولد فيه غريبا ويبقى غريبا بالنسبة إليه بمقدار ما تبقى فرادته فيه، لأنّ التفهّم يبدأ مع الولادة ولا ينتهي إلا بالموت.
“يبدأ العنف حين ينتهي الكلام”، ترد هذه العبارة لأرندت في كتاب “إضاءات لفهم الواقع” طيّ الدراسة المعنونة بـ”التفهّم والسياسات”، وفيها توضّح صاحبة كتاب “في العنف” كيف أن ظهور الحكم التوتاليتاري يبقى الحدث المركزي في عالمنا، وأن تفهّم التوتاليتارية لن يعني التغاضي عن أي شيء، بل مصالحة أنفسنا مع عالم تبدو فيه هذه الأمور ممكنة إطلاقاً. تقول أرندت إنّ كثرا من الناس الحاذقين يريدون إيقاف هذه السيرورة بهدف تعليم الآخرين ورفع مستوى الرأي العام، وهم يعتقدون أنه يمكن للكتب أن تكون أسلحة وأنه في مقدور المرء أن يحارب بالكلمات. لكن الأسلحة والحروب تنتمي إلى ملكوت العنف، والعنف في تميّزه عن القوّة أخرس.
هذا ما يؤكد حسب رأي الكاتبة الاستعداد للجوء إلى وسائل عنف أكثر فعالية من الكتب، ما نتيجته في نهاية الأمر سوى التعبئة الأيديولوجية كمحاولة للتفهّم تتجاوز عالم الوقائع والمعطيات. إن تفهّم المسائل السياسية والتاريخية يبدو منذ باتت تلك المسائل في عمقها وبصورة أساسية إنسانية على علاقة ما بتفهّم الناس. على الغايات السياسية العملية تجاوز حدود الوقائع والمعلومات وتطوير تفهّم ما للعناصر التي يؤدي تبلورها إلى ولادة التوتاليتارية. وفي ضرورة عمليّة التفهّم هذه أدرجت أرندت في دراستها مقولة للشاعر الإنجليزي سي داي لويس يقول فيها: “نحن الذين عشنا حلما سيئا إنما دافعنا عن السيئ ضد الأسوأ”؛ وفي ختام كلامها عن صعوبات التفهّم تقول: “نحن متعاصرون حصراً بمقدار ما يمكن لتفهّمنا أن يصل، فإذا أردنا أن نكون في ديارنا في هذا العالم، حتى لو كان الثمن أن نكون في ديارنا في هذا القرن، يتوجّب علينا أن نشارك في ذلك الحوار المتواصل إلى ما لا نهاية مع جوهر التوتاليتارية”.
تمارس أرندت مهنة النظرية السياسية، ولا تجد نفسها تنتمي إلى حلقة الفلاسفة، هكذا نظرت إلى دورها حين أجابت عن سؤال الصحافي غونتر غاوس، في حوار أذاعه التلفزيون الألماني في الستينيات، وأورده كتاب “إضاءات لفهم الواقع” محمّلا بالرؤية المتبصّرة التي تتميز بها حنّة وهي تتحدث عن الفلسفة والسياسة وتحرّر المرأة والكتابة والعائلة، بطريقة أكاديمية وبغيرها، مشيرة إلى مختلف التوترات بين الفلسفة والسياسات، وبين الإنسان ككائن مفكر والإنسان ككائن فاعل، وإلى رمي النفس وسط الملكوت العام في مغامرة تكون ممكنة حين تكون ثمة ثقة في الناس.
أثر الفيلسوف مارتين هيدغر في المسار الفكري لأرندت، وإن غاب عنها معلّم التفكير حين تفرّقت بينهما سبل الأفكار، إلاّ أن الرسائل التي امتدت بينهما طيلة نصف قرن أكدت أنها لم تخرج من حياته وكذلك لم يفعل، فما جمعهما كان عاطفيا وفلسفيا وصوفيا أحيانا، فعمق الحب كان يعني في عمق جوهره وجود الحرية وعودة إلى الكينونة الأصلية والالتقاء عند الحقيقة. كتبت أرندت في مقتطف من إحدى رسائلها لهيدغر في كتاب “رسائل حنّة أرندت ومارتين هيدغر (1952-1975)” الذي عرّبه المترجم حميد لشهب، ما يلي: “في بعض الأحيان النادرة يقوم بين شخصين عالم؛ وهذا هو الموطن إذن، وعلى كل حال فقد كان الموطن الوحيد، الذي كان بإمكاننا الاعتراف به. وهذا الميكرو-عالم صغير حيث يمكن للمرء أن ينجو فيه من العالم، ينهار، عندما يذهب واحد من الاثنين. إنني ذاهبة وأنا مرتاحة جدا وأفكر في الغائب”.
وفي كتاب “إضاءات لفهم الواقع” نقرأ لأرندت من إحدى يوميات فكرها عن “هايدغر الثعلب”: “كل الثعالب سينتهي بها الأمر رغم حكمتها إلى أن تقع يوما في الفخ…هكذا خطر لثعلبنا أن يزين فخه زينة جميلة وأن يعلق في كل مكان يافطة تقول: تعالوا هنا أيها القوم.. هنا ثمة فخّ هو أجمل فخّ في العالم…وثمة شيء صحيح في هذا: ما من أحد يفهم في طبيعة الفخاخ فهم واحد يقيم طوال حياته داخل فخّ”.
“إذا كان مؤلفو ‘الكتاب الأسود’ يرون أن حكاية هذا العقد الأخير حكاية تسهل روايتها، فإنهم مخطئون على نحو محزن”، هذا ما كتبته أرندت في مراجعتها المعنونة بـ”صورة الجحيم” الواردة في كتاب الإضاءات، حين تكلمت عن منهج الإرهاب المتراكم وعن الإهمال المحسوب والمساواة الوحشية في جرّ الناس إلى الموت في مصانع للموت بلا أخوّة أو إنسانية. عن بُعد قدرات الإدراك البشري للشر المشوّه الذي تجلى لدى أولئك الذين أقاموا تلك المساواة؛ فالبراءة والذنب لم يعودا جزءا من نتاج السلوك الإنساني في جحيم ينحطّ فيه القديس والخاطئ سواسية إلى مستوى الجثث الممكنة.
التساوي الوحشي في البراءة يدمّر الأسس التي يبني التاريخ على قاعدتها، وبالتحديد قدرتنا على تفهّم حدث ما بصرف النظر عن المسافة التي تفصلنا عنه. تؤكد أرندت على كون واحدة من السمات الأكثر فظاعة للإرهاب المعاصر تكمن بصرف النظر عن أهدافه النهائية ودوافعه في كونه يظهر بصورة حتمية تحت ثياب استنتاج منطقي ثابت وقائم على أسس أيديولوجية أو نظرية ما. لا العلم ولا حتى العلمية، ولا الباحثون الجامعيون ولا النصّابون المؤمنون بأن إرادة الطبيعة هي إرادة الله، تمكنوا من توفير الأفكار والتقنيات التي شغّلت مصانع الموت؛ فالأفكار جاءت في الحقيقة من السياسيين الذين أمسكوا مقاليد السلطة السياسية جدّيا، والتقنيين الذين أتوا من صفوف الرعاع المحدثين وما كانوا ممن يخشون التماسك. وهكذا أنهت أرندت ما كتبته عن الجحيم الذي نحتاج إلى حكايته بشدّة من أجل المستقبل.
حنة أرندت فيلسوقة المانية يهودبة لها بعد سياسي بعيد عن عنف السلطة و تطالب بتحرر المرأة من المجتمع المحافظ .
الكتاب الوحيد الذي يضيء حياتنا هو القرآن الكريم كلام الله سبحانه و تعالى
يبدو أن ارندت سقطت في حب هايدغر نكاية في نيتشه الذي اكرم وفادة المرأة بذكاء نادر.
تغيير الكلام بالكلام قد يدخل صاحبه في حلقة مفرغة. فمقولة “يبدأ العنف حين ينتهي الكلام,” تعاكسها حقيقة نسبية مفادها أن ” الله ظهر اول مرة مع ظهور اللغة”؛ و من المعلوم أن الاساس المادي للعنف هو فكرة الله؛ مادام كل يفسر الاهه على هواه. اعتقد ان هذه كانت احدى الفخاخ التي سقطت فيها الفيلسوفة العظيمة دون ان تعي ذلك أو ربما وقفت عند خط العداء لعدو -فلسفة- حبيبها (هايدغر) الا و هو نيتشه الذي حلق لحيته و اعفى شاربه دون ان يخجل من قلب جميع “الحقائق” رأسا على عقب.
لا اظن ان المؤلفة جاءت بشيء جديد .فقد تحدلقت لانها محاطة بعالمها الامريكي الدي لا يسمح لها ان تمسه في الجوهر واستطاعت كغيرها من الغربيين الدين يعمدون عادة الى اعتبار الكل مرتهن بسمة واحدة في حين يبقى الاساس الدي جعل العالم يتحول الى هدا المسار وهي الحقيقة التي جاء بها الغرب وعلى راسه امريكا والتي لازال يدافع عنها وعوض ان تقول المؤلفة تبا لهده البلاد التي حملت لواء الراسمالية الملوثة من انجلترا وفرنسا لتدهب بها الى غياهب الجحيم نجدها تلوك في كلام اخر وكان الامر لم يكن سببه لا الغرب الراسمالي ولا اديولوجيته التي يعمل على تلوينها بعدة شكليات بل البشرية جمعاء حين وصلت لهدا المستنقع.