خالد الجامعي .. حكيم في "محراب الصحافة" فضّل النزاهة بدل الموضوعية

خالد الجامعي .. حكيم في "محراب الصحافة" فضّل النزاهة بدل الموضوعية
الخميس 3 يونيو 2021 - 02:00

حينما يرحل شخص عزيز، غالبا ما يَشخص أمامك في شريط لأبرز الأحداث معه أو عاصرتها رفقته، كما هو حال الإعلامي والسياسي البارز السي خالد الجامعي، الذي رحل عنا الثلاثاء.

كان لي شرف معايشة هذا العلم المغربي، حزبيا وهو يمثل بالنسبة لي، رمزا لعلامة “لا”، “الثورة” / المعارضة داخل البيت نفسه، حزب الاستقلال، النظرة نفسها نحو الرجل كان يتقاسمها عدد من الشباب الحزبي الاستقلالي، خاصة ذوي النزعة اليسارية داخل هذا التنظيم المحافظ (وبشكل أبرز نشطاء من الحركة الأمازيغية)، أواخر التسعينيات، وهو الذي كان مسؤولا على قطاع الشباب والطفولة في اللجنة التنفيذية للحزب حينها، وقد كان مساهما في تأسيس فعل الجامعة الصيفية/ الفكرية والسياسية للشبيبة الحزبية، ثم مشرفا رفقة القيادية الاستقلالية نعيمة خلدون على المؤتمر الثامن للشبيبة الاستقلالية في بوزنيقة، نهاية سنة 1998.

كان لي شرف اللقاء بالسي خالد بشكل يومي، في مقر جريدتي “العلم” و”لوبينيون”، لسان حال حزب الاستقلال، في مقر طريق الدار البيضاء سابقا، وهو في آخر أيامه قبل إحالته على “المعاش” (إداريا) سنة 2004. كان، حينها، في أوج خلافه مع قيادة الحزب بسبب مواقفه السياسية.. كنت أراه منتفضا بطريقة لباسه، نظراته، ابتسامته وحديثه “العروبي”، الذي كنت أجده يشبه طريقة نجيب السالمي/ سعيد حجاج، رئيس القسم الرياضي لجريدة “لوبينيون” الفرنسية.. لا أعرف لماذا..؟

دعمني السي خالد في تجربتي المتواضعة حينما كنت أصدر صحيفة العاصمة الجهوية، من مالي الخاص، موازاة مع اشتغالي في جريدة “العلم”، بترخيص من مديرها الصحافي والأديب السي عبد الجبار السحيمي، بداية الألفية الثانية.. كان دعمه الكبير حينما تجده يثق فيك ويمنحك حوارا وأنت شاب نكرة في حقل إعلامي يتربع على عرشه كبار الأدباء ورجال الفكر من المدرسة اليسارية/ الاتحادية والاستقلالية.

غير أن أكثر ما أتذكر في علاقتي بالسي خالد وهو درس مختصر وكبير من الرجل، وما زلت أردده في المجالس والمنتديات المهنية، أن أقنعني ذات يوم سنة 2008 وصحح لي مصطلحين متداولين في قبيلة الصحافة، يتعلق الأمر بمفهومي الموضوعية والذاتية في المادة الصحافية. ثنائية جدلية كثيرا ما كانت موضع نقاش.

كنت بصدد إعداد تحقيق عن رجل دولة، شخصية سياسية عمومية مشهورة جدا، في قالب بورتريه في إحدى المنشورات الصحافية الأسبوعية، ذائعة الصيت حينها، والمتشنحة في علاقتها مع “المخزن”/ الدولة، فطلبت من السي خالد شهادة في حق الشخصية موضوع التحقيق، والتي كان يعرفها جيدا.

طلبت منه الحديث بكل موضوعية، فقاطعني، متحدثا بتواضع، دون استعلاء ولا أستاذية، قائلا بلغة “عروبية”/ بدوية (بتصرف): ليس هناك شيء اسمه موضوعية، وكل ما يلقنونه لكم في معاهد الصحافة حول هذا الأمر فهو مغلوط. الذاتية دائما حاضرة، سواء بشكل واع أم لا، فلا يمكنني الحديث عن شخص أو قضية بمعزل عن تجربتي الذاتية، رصيدي الفكري وحالتي النفسية اتجاه هذا الشخص”..

وزاد مسترسلا: لكن يمكنني أن أقترح عليك مصطلحا آخر يعوض الموضوعية وهو الأنسب في تقديري، أي: النزاهة. سأحاول الحديث بصدق عن هذا السيد الذي تعد تحقيقا بشأنه بما له من إيجابيات وسلبيات معا.. دون زيادة ولا نقصان، وأنت تصرف كذلك بنزاهة في طرح المعطيات التي سأمدك بها…

كان السي خالد معلما، والحق يقال إني لم أكن “نزيها” في كتابة التحقيق/ البورتريه، حصل الأمر بدون سوء نية وبشكل غير مقصود؛ فقد كان همي هو أن أظهر نفسي موضوعيا في معالجتي للمادة الصحافية، مسلطا الضوء على سلبيات شخصية التحقيق، وأن أعمل على إبراء ذمتي من معرفتي بها وصداقتي بمحيطها أمام مدير النشر وهيئة التحرير، فلم أوفق، لأني لم أكن أمتلك مسافة محترمة من تلك الشخصية العمومية، فظلمتها من حيث لا أدري في التركيز فقط على سلبياتها (وإن كانت كلها المعطيات التي أوردتها صحيحة) من حيث لا أدري.. دون الاهتمام بما هو إيجابي أيضا، فغابت عني النزاهة حينها.. (قد يقول قائل إن الصحافة ليست مهمتها إبراز الإيجابيات، لكن أيضا ليست من مهمتها حجبها).

وهكذا، أتذكر جيدا هذا الدرس المهني الذي لن أنساه في حياتي؛ بل أصبحت كلما سمعت كلمة موضوعية أحاول أن أصوبها مع مخاطبي بنظيرتها النزاهة، كما تبنيتها مقتنعا من السي خالد..

اليوم، تودعنا السي خالد الجامعي، رحمة الله عليك. شكرا لك على كل ما قدمته للمغرب وشبابه، سياسيا وإعلاميا. لم تبخل قط في الرد وتقديم المشورة والمساعدة في فهم كثير من التاريخ السياسي المعاصر والآني، كلما طرقت بابك.

كانت أمنيتي أن ألتقيك من جديد في أول زيارة تتاح لي بالمغرب؛ لأنني بصدق توحشت نزور بيتك في ديور الجامع بالرباط، الذي كان مثل الزاوية، لا ترد طالب معرفة أو أصدقاءك من أبناء الشبيبة.. اشتقت إلى نصائحك وكلامك الخاتر الحكيم، في محراب الصحافة، لأستمتع باستنتاجاتك وقراءاتك للأحداث بنزاهة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Noureddine
    الخميس 3 يونيو 2021 - 02:36

    Je ne suis pas d accord avec le titre pour pour moi l’ethique de Mr jamai decoule de sa rationalité

  • االعظماء الخالدون
    الخميس 3 يونيو 2021 - 02:42

    سيروا على بركة الله يا طاقم تحرير هسبريس، بالنزاهة و الجرأة تصبحون من العظماء، فقط قولوا لا و ألف لا للفساد الذي يهدد استقرار الوطن، و بلغوا عن الفساد لدى الملك الساهر على استقرار الوطن و حسن سير المؤسسات و الضامن لاستقلالية السلطة القضائية و رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية بقوة الدستور و هو الساهر على تطبيق الوثيقة الدستورية، و هو رمز الاستقرار و الإجماع الوطني و الوحدة الوطنية إن صح التعبير، كي لا تتبخر الثقة بين الشعب و المؤسسة الملكية و هي أساس الإستقرار و الاستمرارية و الولاء و الحكم و التوافق الوطني، و بالتالي إن ضاعت الثقة ضاع الاستقرار و ضاع الوطن أمام الأعداء الخارجيين و الداخليين/فرنسا و إسبانيا و عملائهما المزيفين بثوب الوطنية و الحاصلين على حنسيتيهما تحسباً للطوارئ.

  • حسين عمري
    الخميس 3 يونيو 2021 - 05:01

    رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه..وألهم ذويه ومحبيه و زملائه الصبر والسلوان

  • المناضــــــل الحر
    الخميس 3 يونيو 2021 - 09:34

    لا يوجد هناك موضوعية ولا نزاهة في اي خطاب سواءا كان سياسي أو صحفي مهما حاول الإنسان أن يتظاهر بالنزاهة والموضوعية
    كل الخطب والمقالات التي تستهدف الغير يأخذ فيها معيار (هضر وقيّس) فهل كلنا لنا نفس المقاييس؟

    حينما نريد أن نتحدث أو نكتب للآخرين نعد وتنقح ونصحح ونختار مسبقا وبعناية فائقة كلمات الحطاب أو المقال الذي نريد أن نوصلهم اليهم واختيار الكلمات هو لغرض ما في نفس من يكتب للناس أو يخطب فيهم، وخطابه يكون مفعم بقناعاته الشخصية التي يكيفها مع ثقافة المجتمع
    نجد ذالك كمثال في الصحافة، حيث هي أداة لترويج أخبار وأحداث ووقائع وقعت في مكان ما في الوطن أو في العالم
    ونعرف جيدا بان عناوين الصحف مهما كانت كثيرة لا يمكن أن تشمل لا أن تتسع لكل أخبار الدنيا، مما يجبرها على اختيار المواضيع والأحداث التي تريد التطرق إليها، وابتداءا من هذه النطقة تنتفي الموضوعية لان هناك انتقاء للأخبار وفق مقاييس تحددها غرفة التحرير وهذه الغرفة هي أيضا تتلقى أوامر وتوجيهات من المستثمر في الجريدة أو القناة التلفزية، من هنا تنفي النزاهة حيث يتخلى الصحفي عن قناعاته الشخصية لكي يطبل لقناعات مول الشكارة.

  • مواطن2
    الخميس 3 يونيو 2021 - 09:51

    رحمة الله على الراحل الصحفي المقتدر خالد الجامعي.للاسف الشديد كما اوردت سابقا لا تتحرك المنابر الاعلامية والاقلام الا بعد الرحيل. والاولى ان تتحرك للتعريف بكل من يستحق التعريف به وهو على قيد الحياة ليستفيد من تقدير المواطنين ويستفيدون من معرفته وتجربته….لا انتقد تلك الاقلام بل هي ملاحظة بسيطة اتمنى ان تتحقق. شخصيا قرات عن الكثير من هؤلاء وكنت اجهل عنهم كل شيء.بل لم اسمع عن الكثير منهم الا بعد رحيلهم…وهذا شيء مؤسف.

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول

صوت وصورة
أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 12:12 2

أشغال تهيئة مشروع المحج الملكي