ثقافة إعادة التدوير(Recycling): من أين تبدأ؟!!...

ثقافة إعادة التدوير(Recycling): من أين تبدأ؟!!...
الأربعاء 2 مارس 2022 - 22:47

The culture of recycling: where to start?!!…

يبدو أننا في حاجة إلى الرجوع مرة أخرى إلى الأهداف الإيجابية التي تتوخاها نظرية سكينر (BF Skinner) فيما يتعلق بـــــــــ”التكييف الفعال” (Operant conditioning theory) أو ما يعرف أيضاً بنظرية “تكوين العادة” (Habit-formation) أو “استجابة التحفيز” (Stimulus -response) إذ يرى سكينر أن هذه الأخيرة تلعب دورًا رئيسيًا في مساعدة علماء النفس على فهم كيفية تعلم السلوك، كما أنه ومن خلال تلك النظرية يشرح لماذا يمكن استخدام التعزيزات (Positive reinforcement) بشكل فعال في عملية التعلم، وكيف يمكن أن يؤثر تكرار التعزيز على نتيجة التكييف. وقد استخدم سكينر مصطلح “فعال” للإشارة إلى أي “سلوك نشط يعمل على البيئة لتوليد عواقب”. ومن جهة أخرى فقد أوضحت نظرية سكينر هذه كيف نكتسب مجموعة من السلوكيات المكتسبة التي ننتجها أو تعترض طريقنا كل يوم، وبالتالي فقد تصبح تلك السلوكيات في حد ذاتها مهارة مكتسبة. وللإشارة، فقد سبق للباحث بافلوف (Pavlov) بأن ربط بين قضية التعلم واكتساب المهارة عن طريق السلوك، كما يمكن القول أنه بالفعل قد سبق الباحث سكينر في ذلك المنحى. وقد عرّف بافلوف أن التعلم هو في حقيقة الأمر تكوين عادة. وبناءً على عمل بافلوف، فإن نظرية التعلم تأكد على أن هذا الأخير هو عملية ميكانيكية لتكوين العادة ويستمر عن طريق التعزيزات المتكررة لتسلسل الاستجابة التحفيزية (repeated reinforcements of the stimulus-response sequence). وبما أن الأمر كذلك، فهل يمكن القول بأن مقومات ثقافة إعادة التدوير (Recycling) يمكن اكتسابها وتعزيزها من خلال روافد التعلم؟ هذا يجرنا إلى الحديث عن جوانب أخرى فيما يخص عملية التعلم نفسها وعن دور الأسرة والمدرسة والشارع في غرس وتعزيز تلك الثقافة كمهارة مكتسبة، وبشكل إيجابي يخدم الفرد والمجتمع على حد سواء.

دور الأسرة في تعزيز المهارات المكتسبة:

سبق وأن أشرنا في مقالات عديدة بأن عملية التعلم في حد ذاتها هي عبارة عن حلقات مرتبطة بعضها ببعض، ولا تعمل بمعزل، بل هي إن صح التعبير عبارة عن ثالوث تتكون زواياه أو أركانه من: الأسرة والمدرسة والشارع. ويمكن الجزم بأنه إذا ما تعثرت عملية التعلم في إحدى تلك الحلقات، فإن ذلك ينعكس وبشكل مباشر على الأركان أو الحلقات الأخرى، أي أن عملية التعلم إن فسدت أو تقهقرت في المدرسة، على سبيل المثال، فإن ذلك سيأثر حتما على مخرجات الأسرة والشارع، والعكس صحيح. كما أن الأسرة إذا تقاعست عن دورها كمربي أول للطفل، فإن ذلك يأثر سلباً على الشارع وعلى المدرسة. وحتى وإن صلحت المدرسة وقامت الأسرة بواجبها، وتقاعس الشارع عن دوره كمربي للأجيال ولعامة الناس على اختلاف مشاربهم وشرائحهم، وكثر ت فيه الموبقات والجرائم وتقهقرت فيه الأخلاق وساءت المعاملات بين الناس وفسدت فيه مقومات العقيدة وقلت فيه مظاهر التدين وقل احترام الآخر، فلا شك أن جهود المدرسة والأسرة ستذهب سدى وتتأثر تأثيراً بالغاً لا يفي بالأهداف المنشودة ولا يساعد في بناء مجتمع قوي ومحصن ومتين.

ثقافة إعادة التدوير تبدأ من البيت وتعززها المدرسة ويكرسها الشارع:

بما أن الأسرة هي المربي الأول للطفل، وكونها المجتمع المصغر الأول الذي يصادفه الطفل في حياته، فإن على عاتقها مسؤولية جمة في صقل مواهبه والعمل على غرس المهارات اللازمة ومكارم الأخلاق البناءة التي تساعده على اكتساب مهارات أخرى يتم تعزيزها من خلال البرامج المختلفة في المدرسة ويكرسها الشارع من خلال الممارسة الفعلية والتواصل وردّة الفعل. وبناءً على ما ورد في نظرية سكينر، فإن هناك سلوكيات إيجابية عدة يمكن للطفل أن يكتسبها، وتقوم الأسرة بتعزيزها، كما أنها تقوم بنهيه وجزره (إن دعت الضرورة) عن سلوكيات أخرى سلبية قد تعرض حياته وثقافته للخطر أو يكون لها تأثير سلبي على تكوين شخصيته. ولاشك أن بمقدور الأسرة غرس مقومات بعض الثقافات في نفس الطفل وهو حديث العهد بهذه الحياة، ومنها على سبيل المثال ثقافة إعادة التدوير، وفرز النفايات بدءاً من المطبخ وتربية النشء على احترام تلك الثقافة والمبادئ والعمل بها في سن مبكرة.

هل الشارع يعكس ما تعلمناه في المدرسة والبيت؟:

عندما نتحدث عن الحضارة والرقي والتقدم، يبقى الشارع المرآة الفعلية التي تعكس حقيقة تقدمنا ومدى رقينا من حيث السلوك والتواصل والتفاعل فيما بيننا وبين الآخرين أيضاً. وبعبارة أخرى، فإن سلوكنا في الشارع هو معيار القياس الحقيقي الذي يمكننا أن نجس به نبض تربية الأسرة أو البيت ومدى نجاح المدرسة في غرس الأخلاق الفاضلة في أجيالنا. وثقافة إعادة التدوير ما هي إلا جزء بسيط من مقومات ثقافتنا المتنوعة والذي، مع كامل الأسف، لا يتجلى إلا في فرز الخبز عن باقي النفايات (نظراً لوجود الوازع الديني)، أما غيره، فمن النادر أن تجد أسرة تعير مسألة إعادة التدوير اهتماماً بالغاً، إلا من رحم ربي. وإنه لشيء محزن بالفعل عندما ترى الناس يرمون بكيس القمامة جنب المكان المخصص لها، بل أمام باب البيت أو العمارة، أو رميها من نافذة السيارة أو رمي أعقاب السجائر في الشارع والبصق أمام الملأ أو التبول على الجدران دون خجل! تلكم بعض مما يندى له الجبين، ناهيك عن الكلام الفاحش والكلام النابي الذي أصبح يملأ الشوارع والطرقات، بالإضافة إلى أصوات الدراجات النارية الصاخبة حتى في أوقات متأخرة من الليل وبدون مبرر (وبهذه المناسبة، نحيي رجال الأمن على الحملات التي يقومون بها ضد هذه الظاهرة الدخيلة على مجتمعنا). هذه الأفعال لم يؤلفها بل لم يشهدها العديد منا حتى منذ زمن غير بعيد، بل كلها تتنافى مع مبادئ الاسلام وتربيته.

أما فيما يخص الدولة، فرغم كل الخطوات الجبارة التي أحرزناها في مختلف الميادين وبدون منازع، فيبدو أننا ما زلنا متأخرين عندما يتعلق الأمر بمسألة إعادة التدوير، لأن البلدان الأخرى قد شرعت في تدريس واكتساب عملية إعادة التدوير كمهارة منذ أكثر من عقد من الزمن. ولهذا وحفاظاً على نظافة البيئة والمناخ عامة، فإن بإمكان الدولة تعزيز تلك الثقافة من خلال محاور متعددة، بدءاً بوضع حاويات مختلفة اللون والشكل كل واحدة منها خاصة بشيء معين كبقايا الخبز والخضر والفواكه والورق والزجاج والمعادن ونفايات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية والبلاستيك والملابس والمنسوجات وباقي النفايات، حيث تعد إعادة تدوير تلك المواد أمرًا حيويًا لضمان تقليل التأثير البيئي وتقليل النفايات العامة غير الضرورية. وبالموازاة مع ذلك، يمكنها توفير الأكياس الخاصة بذلك بثمن مدعم ورخيص، وكذلك القيام بحملات تحسيسية من خلال البرامج التلفزية والإذاعية ووسائل الاتصال الاجتماعي والمساجد، بالإضافة إلى الأنشطة المدرسية ومختلف جمعيات المجتمع المدني. ولا شك أن وجود زخم تحسيسي بهذا الحجم، مع وجود وسائل وأدوات مادية ملموسة قابلة للتطبيق على أرض الواقع وبشكل مستدام، سيكون أداة لتعزيز وتكريس ثقافة إعادة التدوير، ويجعل الناس تتسابق في فعل الخير والإحسان، ولما لا التوجه إلى أدواة ووسائل تحفيز وتشجيع متنوعة في مختلف الأحياء تصب في نفس المنحى، وخلق أنشطة وبرامج مختلفة يكون لها الأثر البليغ في نفوس المواطنين والمواطنات وتساهم في الرفع من مستوى سلوكنا في الشارع كي يكون سلوكاً و أسلوباً حضارياً بكل ما في الكلمة من معنى، سلوكاً يساهم في الحفاظ على بيئة إيكولوجية نظيفة ويعكس مستوانا الثقافي والحضاري والأخلاقي، ويعكس مدى اهتمامنا بالمحافظة على الملك العام وأحياء نظيفة، و مدى تشبثنا بمبادئ ديننا الحنيف والعمل بها كإماطة الأذى عن الطريق، على سبيل المثال، ويعكس أيضاً مدى تشبثنا بهويتنا وبمكارم أخلاقنا، ويعكس أيضاً – قولاً وفعلاً- تلك الجوانب المشعة الزاهية من ثقافتنا وموروث أجدادنا.

والله ولي التوفيق،،،

*باحث في مجال التربية والتعليم والثقافة

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • Lamya
    الخميس 3 مارس 2022 - 21:28

    التدوير يحتاج شركات متخصصة تهندس كيفية جمع النفايات و تقسيمها الى (ورق و كرطون) و الزجاج و البلاستيك و بقايا اخرى للعزل في المنزل يوميا و توفير حاويات قريبة للمواطن لهذا الغرض. اما نفايات الالات المنزلية و الالكترونية و اثات البيت و الزرابي و الخشب و السيارات و مواد البناء والمعادن
    فتتعامل معها بشكل اخر يا اما على المواطن نقلها الى مكان خاص بها او يمكن له رفع طلب لنقلها من امام البيت.
    و لكن كل هذا مكلف و لكن هناك تحفيزات لتشجيع المواطنين على فعل ذلك و ايضا عقوبات, لان كل مواطن مجبر على القوانين الجاري بها العمل..
    مثلا التبول العلني ممنوع, و اذا كان على جدار او سور تاريخي فهذا سيضاعف العقوبة و التي تكون غالبا مالية…

  • Lamya
    الجمعة 4 مارس 2022 - 07:45

    هناك حاويات اخرى, كالحاويات البيولوجية و لكنها غير ملزمة و تتضمن فقط نفايات الخضر و الفواكه الطازجة او نفايات الحدائق و الحقول و ليس بقايا الطعام و الخبز, هذه الاخيرة تدخل في خانة “بقايا اخرى”
    بالاضافة ان التوعية من جدوى عزل النفايات و تدويرها مهمة جدا و تربية التلاميذ و الطلبة على ذلك في المدارس في اطار دروس خاصة بالبيئة و اشكالية تراكم النفيات و انتشار المطارح العشوائية و ما لها من اضرار على صحتهم و على البيئة من فرشة مائية بسبب العصارة التي تنتج عن ذلك. و تلوث الجو بالروائح الكريهة و انتشار الحشرات المضرة و القوارض و الكلاب الضالة و القطط و هناك من يترك ماشيته ترعى فيها ما يؤثر على صحة تلك المواشي و جودة لحومها…و تلويث مياه البحار و الشواطئ و الوديان و الغابات برمي النفايات فيها, ما يؤثر على صحتهم و سعادتهم عند الاستجمام…
    و حتى المقاولات عليها احترام البيئة و عدم تلويثها بالنفايات الصناعية..

  • Lamya
    الجمعة 4 مارس 2022 - 08:06

    فهناك ايضا تدوير المياه عن طريق شركات متخصصة في هذا المجال وهي ايضا تعزل او تفرق بين التلوث البيولوجي و التلوث الصناعي, لمعالجة المياه الملوثة عبر مراحل لتصفية المياه قبل استعمالها مباشرة في الري مثلا او صبها في الوديان و البحار لكي لا تتلوث..
    بالنسبة للمغرب تدوير المياه و تصفيتها للري له اهمية مضاعفة و هي عدم تلويث البيئة بالمياه العادمة و نفس الوقت توفير مياه للري..

  • badr
    الجمعة 4 مارس 2022 - 09:46

    ils ont amoureux de leurs trucs l’adorent jusqu’aux bous ils sont d’accords de tous les scénarios proposés par eux mais notre trucs ne leurs plais plus enfin chaque tête raconte ses trucs et il l’aiment jusqu’au bous

  • Lamya
    الجمعة 4 مارس 2022 - 10:52

    الاستثمار في الحفاظ على البيئة هو استثمار ضخم و مكلف جدا و فيه كثير من الجزئيات الدقيقة و يتطور باستمرار و لكنه استثمار ايضا مربح جدا على المدى الطويل, لان تدوير النفايات اصبح قطاعا يذر ارباحا كمنجم للذهب, بالاضافة الى انه يحسن من جودة حياة للمواطنين…
    و لذلك في المانيا مثلا, يدفع المواطنين ثمن النفايات التي تدخل في خانة “بقايا اخرى” التي يتم حرقها و لا يدفعون ثمن النفايات التي يتم تدويرها ,لان لها قيمة كبيرة..
    و يتم توعية المواطنين و تشجيعهم على اقتناء منتجات و معلبات طبيعية و الابتعاد عن استعمال البلاستيك ما امكن…

  • discutions du fitnas
    الجمعة 4 مارس 2022 - 12:54

    et pour terminer cette tourne tempête tasse céramique d’objet de la méchante qui vienne parmi l’ouest avec tous ces facettes a raconter et comment raconter et qui monte ses vagues s’abandonne ou se sauve donc celle ci histoire autour d’elle sont lâchaient leurs doux papiers on face papillon ont croyants au jeux mirage ils ont gagnants le jeux papillon de nouveau le papillon pardon les lions perdants

    bien sur exacte ils ont dis parmi le maghreb non de l’ouest mon va t elle sorties cher ami il y’a un gent bavard de ce sujet sa forme satanique dit tous ses mâles vues comment tourne il aime les brochettes grillés de la viande des gazelles ventre plein vide tête et puis sont perdants ne me dérange de plus

  • redouan
    الجمعة 4 مارس 2022 - 13:12

    maintenant le monsieur après dès qu’il dit qu’il a trouvé ses avances avantgarde on retard d’une période de demi siècle maintenant lui assuré qu’il a lointain d’une distance d’un complet siècle quadrillion d’eux qui comptent bien

  • Lamya
    الثلاثاء 8 مارس 2022 - 12:09

    لا ننسى فوق كل هذا, ان الاستثمار في البيئة اصبح يخلق فرص شغل هائلة للشباب, فهو ضرب عصفرين بحجر, خلق بيئة نظيفة و في نفس الوقت خلق فرص شغل و تحقيق ارباح طائلة

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري