ياسين عدنان يكتب من العاصمة اللبنانية: "كـأنّي لستُ في بيروت"

ياسين عدنان يكتب من العاصمة اللبنانية: "كـأنّي لستُ في بيروت"
الخميس 14 أبريل 2022 - 01:00

شارعٌ يختصر المدينة. مدينةٌ تختزل البلد. بيروت أكبرُ من مدينة والحمرا ليس شارعًا فقط، إنّه نهرٌ عظيم يخترق تاريخ الشرق وجغرافيا الشرق والوجدان العربي. بيروتُ الكتابُ والحمرا عنوانُهُ، وعلى الغلاف ظِلُّ عازفٍ يحمل قيثارة؛ هكذا قدّمتُ الفنان خالد الهبر يوم زارني في “بيت ياسين” قبل ثلاث سنوات. كنت أقرأ هذه الديباجة خلال التقديم، فيما صوت خالد يصدح في الخلفية بأغنيته الشهيرة: “خذني معك وَدّيني ع شارع الحمرا”.

لكن ما بال الشارع يبدو منطفئًا اليوم؟

الشارع الذي وسمَهُ خالد في الأغنية ذاتها بـ”شارع الألوان” يبدو رماديًّا هذه الأيام. لا أعرف ما إذا كان الهبر يشير إلى حياة الشارع الضّاجّة بالألوان؟ أم يقصد ألوان الطيف اللبناني التي كانت تمارس التعايُش يوميًّا على أرصفة مقاهي وحانات ومطاعم ومسارح “الحمرا” شارعًا ومنطقةً؟.

لكن، ما بال محيط فندقنا في الحمرا منطفئٌ تمامًا؟

كأنّه ليس الشارع الذي في الأغنية والقصيدة والرواية.

كأنّه طيفٌ شاحبٌ للزَّاروب الضيّق الذي كانه هذا الشارع في زمان قديم.

وإلّا، ما بال المقاهي خالية والمحلات مغلقة والإعتام يحتلُّ الشارع ليلا؟.

كـأنّي لستُ في بيروت.

كنتُ هنا أيام احتجاجات القمامة عام 2015، وكتبتُ تدوينة متضامنة حينئذ مع بيروت وأهلها؛ لكن الوضع اليوم أكثر تردِّيًّا، فالبلد يعيش أخطر أزمة عرفها منذ استقلاله عام 1943، أزمة خانقة لم يُشهَدْ لها مثيلٌ حتى إبّان الحرب الأهلية التي رهنت لبنان طوال 15 سنة. لقد توالت المحن على البلد منذ الأزمة السياسية والاقتصادية، والمظاهرات المطالبة بإسقاط النظام: “كلّن يعني كلّن”، كما كان يردّد الشعار الأشهر للشارع اللبناني تلك الأيام. ثم باغتت كورونا الجميع: شارعًا وحكومةً، معارضةً ومُوالاة، فأوهنتهم جميعًا ونالت من البلد أكثر فأكثر. ثم عربدت شياطين الانهيار في شوارع المدينة بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت في غشت 2020. ومن يومها والجرح اللبناني مفتوح على المزيد من التعفّن، وها هو البلد اليوم يكابد انهيارا مُريعا لعملته الوطنية، فيما الأوضاع المعيشية تردّت تمامًا.
لبنان لم يعد لبنان.

وبيروت كأنّها ليست…

كلّما زرْتُ بيروت كتبتُ عنها. لكنّني قرّرتُ هذه المرّة أن لا أفعل. قلت في نفسي: “لن أنكأ جراح مدينة أعشقها”، سأمرُّ بها مرور الصُّم البُكم. ثم إنّ كتاب “مدائن معلّقة” الذي كنتُ أدوّن فيه مشاهداتي عن المدن عند الناشر الآن. ولا مجال للإضافة أو الاستطراد.

لا أريد أن أكتب عن بيروت.

ثمّ ماذا ستكتب وأنت لم تشرب قهوة مع بول شاوول في مقهى “الكاريبو”؟ ماذا ستكتب وأنت لم تحضر فعالية واحدة في مسرح المدينة؟ حتى المكتبات التي تهمّك وجدتَها مغلقةً يومَ طُفتَ عليها.

لم ألتق الأصدقاء بمحض الصدفة الجميلة الذين تعوَّدتُ أن ألتقيهم بها في مقاهي شارع الحمرا، وألزمتُ نفسي بعدم الاتّصال بهم. (لكم أخشى أن أرى الأحبّة منكسرين).

التقيت فقط جواد الأسدي، المسرحي العراقي الفلسطيني البيروتي المراكشي؛ فكانت جلستُنا جلسة عاشِقَيْن غريبَيْن يبكيان معشوقة طريحة الفراش، لكننا ما فتئنا نُمنّي النفس مع ذلك بانبعاث بيروت. يجب أن تعود بيروت إلى بيروت لنعود إليها نحن أيضًا فنستعيد الأسطورة. بيروت مدينة ليست كباقي المدن، إنها أشبه بعنقاء الرّماد، وستقوم.. ستعود.. غدًا.. بعد غد.. بعد عامين وجيل؛ لكنّها ستعود بلا شكّ، وسيعود إليها العشاق من كلّ الآفاق.

قال لي مراد القادري ونحن نخطو بسأم في الشارع المنطفئ: هناك نقطة ضوء فيها بصيص حياة. كانت مقهى شيشة. فعلًا بدا المكان مكتظًّا بالزبائن. على خلاف مقاهي الجوار الكئيبة الفارغة. لا شك أن له محرّكًا كهربائيًّا خاصًّا يؤمّن له هذه الإنارة القوية في ليالي بيروت الظّلماء التي اعتاد الجميع فيها على انقطاع الكهرباء.

اقتعدنا مكانا على الرصيف وطلبنا أرجيلتَيْن. لا أحد منا يدخّن في الواقع، لكنّنا طلبنا شاي كُشري وأرجيلتَيْن فقط لنحس أننا في بيروت.

في اليوم الموالي تلقّينا، مراد وأنا، دعوة السفير المغربي امحمّد كَرين لنفطر ونتعشى في ضيافته. لم نتردَّد في قبول الدعوة، فالرجل مثقف جميل وصديق قديم، مذ أيام مسؤوليته كإطار كبير في صندوق الإيداع والتدبير راكم الأيادي البيضاء على الأدب والثقافة في بلادنا. أخذَنا السفير في جولة بالمدينة عمّقت جراحنا؛ اصطحبَنا إلى موقع الانفجار، حيث وقفنا على حجم التصدُّع الذي طال المرفأ ومحيطه، ثم إلى الموقع الذي أقام فيه المغرب مستشفاه الميداني متعدّد التخصّصات الذي قدّم خدمات طبية وجراحية جليلة للبنانيين في لحظة صعبة ذات أهوال.

مائدة الإفطار عادت بنا إلى المغرب؛ حريرة وتمر وشبّاكية ورغايف وسلّو وبريوات.. كانت مائدة مغربية أصيلة. المنصب لم يُفقِد السفير قلقه الفكري الذي اعتدناه منه، والسّمر كان هادئا جميلًا، والنقاش مفيدا أضاء لنا الكثير من الأشياء بخصوص الوضع اللبناني. لكن حديث الفكر والشعر هو الذي هيمن على السهرة.

في الصباح، اتصل بي مراد القادري يُبلغني أن خالد المعالي يسأل عنّي، كنتُ في مطار إسطنبول حينها عائدا إلى مراكش. تذكّرتُ أنّ خالد انتقل إلى بيروت؛ آخر مرة زرته في بيته كان في كولونيا، لكنه نقل “الجمل بما حمل” إلى بيروت. حتى خالد الآخر، خالد سليمان الناصري، رغم إقامته في إيطاليا، يطبع كتب دار المتوسط في بيروت، والأنطولوجيا الفلسطينية التي نشرناها عنده هنا طُبِعت. هي بيروت هكذا. مازالت رغم كل ظروف الانهيار تصرُّ على أن تقوم بدورها المركزي في الثقافة العربية، على الأقل على مستوى النشر وصناعة الكتاب.

ياه، كتابي عن الأسفار والمدائن تمَّ تصفيفه الآن ولا سبيل إلى إضافة هذه التدوينة. لكن، لا بأس، ربما يكون هناك كتاب جديد، أكتب فيه عن بيروت الأخرى، بيروت التي أحبّ، بيروت التي ستعود؛ لأنّ بيروت مدينة لا تموت.

(*) شاعر وإعلامي

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • عزيز
    الخميس 14 أبريل 2022 - 01:28

    جعلتنا يا ياسين نحس بنوع من النوستالجيا لمكان لم نزره قط. انه مفعول الكلمة المنتقاة والاسلوب الشعري الجميل. دمت متألقا

  • * إلى 2
    الخميس 14 أبريل 2022 - 02:22

    * إلى 2

    * شكراً على المعلومة وتصحيح الخطأ الراسخ في ذهني : كنت أتصور أن لبنان مباع إلى

    السعودية مركز العروبة و مهد الإسلام . فإيران هي من تطبع مع إسرائيل .

    * و منذ تعهد السعودية بأمور لبنان حيث لم يصبح بمقدور إسرائيل مهاجمته . شوف يا أخي

    الإعلام العفن يصور لنا أن إيران المجوسية هي صديقة للعرب ، و ما حدث في كل الدول

    العربية صنع في طهران . شكراً لك ، أحسست الآن خلقت من جديد . و إن بعض الظن إثم .

  • * عمى الألوان
    الخميس 14 أبريل 2022 - 02:49

    * عمى الألوان

    * هناك منا من يرى لونين فقط إما أبيض و إما أسود . فكل منا له قناعاته و إختياراته ،

    و هو حر فيها ، قد نحب أحداً أو نكرهه لسبب من الأسباب قد يكون منطقياً أو معقولاً ،

    كأن يكون عدواً ضد الوحدة الترابية أو….

    * تلك قناعة و إختيار شخصي ، لكن جوهر المشكل هو كيف أقنع الآخر بجدية ما أقول .

    أما تناول عدوي من نقطة قوته ، فذلك يفسد ما أقول و ما أكتب .

    * نعم إيران عدوة للمغرب و نكرهها، لكن يستحسن ألا نتناولها من نقطة قوتها .

  • كمال
    الخميس 14 أبريل 2022 - 02:59

    ليست عمى الوان ،فرق كبير جدا بين لبنان قبل تحالفه مع ايران ولبنان اليوم وهذا بشهادة اهله وساكنته….

  • * إلى 5
    الخميس 14 أبريل 2022 - 03:32

    * إلى 5

    * أولاً ، أعرف جيداً أن إيران تكن عداء مبينا للمغرب . و لكل واحد منهما مبرراته ، إن

    شئنا أن نكون منطقيين ، و لكن ، مهما يكن لا نفرط فيه لأن ليس مكانا آخر غيره ،

    ظالمين أو مظلومين لا نفرط فيه .

    * حزب الله دراع إيران في لبنان (أنشئ في 1982)، منذ ذلك الحين إلى كم مرة هوجم

    لبنان من طرف إسرائيل ؟ و هل تجرؤ الآن بعد توازن الرعب ؟ و هذا لن يتأتى من

    السماء ، فإمكانياته جد محدودة ، و محاصر من طرف العرب و الغرب . فأنا مثلاً إن

    وددت أن أحقق حاجة واحدة ( سيارة ـ سكن ـ سفر ـ ….) على أن أضحي بعدة حوائج .

    فالله لم يخلقني بمفردي حتى أحقق الكل دفعة واحدة . و ها نحن في بلد آمن ، إسأل مغاربة

    مهما كان عددهم ، هل سيكون لهم نفس الإنطباع ؟ ها أنا مدمن على هسبريس ، و لا أرى

    ذلك من خلال التعليقات . فهناك من مؤيد و هناك من معارض وهناك من مرتاح و هناك

    من متذمر . و هذا في جميع بقاع العالم و كل الدول بكبيرها و بصغيرها .

  • محمد الريفي
    الخميس 14 أبريل 2022 - 04:06

    لبنان الأبية قابت هويتها قوسين أو أدنى من الإندثار.مزقت قطعت فرقت إلى ما ليس لها مثيل في العالم بأسره.بحيث أظهرت الأعداد أنّ 27.65% سنّة، 27.35% شيعة، 21.71 موارنة، 7.34 روم أرثوذكس، 5.74 دروز، 4.76 ملكيين، 2.64% أرمن أرثوذكس، 1.28% أقليّات مسيحيّة أخرى، 0.88 علويّون، 0.88% أرمن كاثوليك، 0.53% إنجليّون، و0.18% آخرون…بعدما كانت بيروت جنة وجهة لكل الأنوار والألوان.

  • الله يرحمنا ويرحمهم
    الخميس 14 أبريل 2022 - 04:47

    أحيانا تمر احداث خطيرة وهي مصرة كل الإصرار على إعادة تشكيل المعيش الناس ونحن لاتقدر مفعولها الاتي بما يلزم و يستحق وفي هذه الحالة الهدف الذي كان من وراء حرب الحوتيين البشعة على الكون وانفجار مرفأ بيروت والسجان كورونا هو إطفاء جذوة الحياة وتحويل العالم المتعدد إلى دنيا بنغم أخروي وقد كان هذا تحصيل حاصل.

  • samir
    الخميس 14 أبريل 2022 - 05:31

    بيروت مدينة لا تموت هههه منذ مدة طل علينا اخر من باريس بانشاءه يقول باريس مدينة الانوار وبدا يحكي على زنقة زنفة في بارس واين يشرب القهوة واين يحتسي البيرة ومع من ووو وهذا من بيروت يفعل نفس الشيء يحكي وكان الناس متعطسة لاخباره وحركاته و سكناته…. اظن ان مثل هذا الانشاء لا مجال له في الجراءد ولاسيما بعد تكنلوجيا الدرون التي من خلالها يوتوبر بسيط ان ينقل لك ثور ومشاهد مدينة باكملها… ناس مثل هذا لايبحثون الاعلى الشهرة… بيروث مدينة لاتموت… كل شيء يموت الباقي هو الله… والشعراء يتبعهم الغاوون.

  • التمسماني
    الخميس 14 أبريل 2022 - 05:34

    رائع، كما عودتنا أستاذ ياسين. شكرا على هذه الجولة في شوارع لبنان الجريحة.

  • ميلود
    الخميس 14 أبريل 2022 - 11:02

    كتبت شهادة موت بيروت مند ارتماء جزء من سكانها ومثقفيها في أحضان ايران

  • balli_mohamedالمملكة المغربية
    الخميس 14 أبريل 2022 - 11:50

    tفقط كلمة أشبهها بظل الهدهد أدا سمح لنا المنبر وكدالك القراء على اختلاف مستوياتهم ان لكل شاعر متميز الدي يعتمد على جهده أساليبه الفنية في وصف لاشياء المتميزة كيف ماكانت مدينة اوقرية اوأقيلما او حصنا او قلعة عيون الشاعر تختلف عن عيون الناس وكدالك خياله بين قوسين وليس خروجا عن الموضوع الفني العاصمة رسمت بداخلها السينما صورا عدة قديمة وحديثة كدالك .شكرا وتحية لشاعر

  • أبرون
    الخميس 14 أبريل 2022 - 18:05

    من أجمل ما قرأت في التدوينات … من عادتي أن أمر على العناوين فقط … لكني لما رأيت اسم ياسين عدنان سارعت دون تردد ، والتركيز تام لملامسة تعابيره الجميلة … مما يدل على اننا عطشى حقا للكلام الراقي …نحن نحب ياسين عدنان ونقدره .
    بيروت مدينة اليسا القديمة التي من رحمها ولدت قرطاج … بيروت عبق كنعان … وفيروز … نتمنى بعد عامين وجيل ان تكون قد توهجت ، وأن يكون كتابك القادم عنها مفعما بالفخر … فبيروت ، وان مرضت ، لا ، ولن تنكسر .

  • علي الخبراني
    الجمعة 15 أبريل 2022 - 19:04

    زرت بيروت وسكنت في شارع الحمرا في صيف 98 كانت بيروت وقبل هذا التاريخ بسنوات قليلة خارجة من حرب أهلية أتت على كل شيء إلا أنها تعافت وبسرعة مازلت أذكر كم كانت مقبلة على الحياة وتستعد لمستقبل جميل من كثر ما أحببت بيروت و حب أهلها للحياة ما زلت أذكر الكثير من تفاصيل تلك الزيارة.
    ولكن للأسف ما إن بدأت هذه المدينة تلتقط أنفاسها حتى جاء2005 ومن يومها وبيروت تحتضر ، دعواتي لها بالنجاة

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟