الكوني: الصحراء الكبرى مسكونة بالحرية .. واغتراب الوطن عزلة وجودية

الكوني: الصحراء الكبرى مسكونة بالحرية .. واغتراب الوطن عزلة وجودية
صورة: هسبريس
الإثنين 2 ماي 2022 - 08:00

يعد الروائي الليبي إبراهيم الكوني أكثر الأدباء العالميين التحاما بالصحراء؛ فهو الرائد في الكتابة عن أسرار الصحراء الغامضة، التي تسكنه ويسكنها في الآن نفسه، لينسجَ في نصوصه الباهرة ملاحم تمتد خيوطها إلى عمق الأساطير، وسط زمن دائري ليس بالماضي ولا بالحاضر.

في هذا الحوار، الذي أجرته هسبريس مع الروائي العالمي، يسلط إبراهيم الكوني الضوء على أسرار النعيم المسمى صحراء، ويتحدث عن الشخصيات الروائية المسكونة بالفضاء الصحراوي، ويرصد أيضا واقع الأدب العربي، والدروس التي ينبغي استيعابها انطلاقا من تجربة الوباء.

إليكم تفاصيل الحوار:

تجمع نصوصكَ الروائية بين الرؤية الواقعية والرؤية الأسطورية التي تكتنف ذلك الواقع نفسه. ما الذي جعل لغتك الحية تجسد الواقعية الأسطورية؟.

هذا قدر لم أختره لنفسي، ولكنه هو الذي اختارني، لأن الصحراء كواقع اللا واقع رهينة مناخ ميثولوجي بالسليقة. فمكان الصحراء هو مكان اللا مكان، ليس بسبب غياب عنصر طبيعي هو الماء وحسب، ولكن بسبب غياب رأسمال أية تجربة وجودية، وهو العلاقة. فالأنام، في فلك الصحراء، لا يدينون بدين الاجتماع، ولكنهم لا يلتقون إلا ليتقاطعوا، عملا بالوصية الخالدة: «باعدوا بين بيوتكم، قاربوا بين قلوبكم». فماذا يعني غياب شروط قيام العلاقة، إن لم يكن قبولا بالحضور في واقع الحرية؟.

الصحراء حرية، ليس بالمدلول الحرفي، ولكن بالمفهوم الكانطي. ولهذا السبب هي في واقع الصحراء معبود، بما هي الاغتراب الذي يعادي الاعتراف بالواقع، ليحيا تجربة البعد المفقود. يحيا تجربة الفردوس في بعده المستعاد، الذي لا يتحقق بدون مغامرة الحدود القصوى، مما يحتم الاعتراف بالصحراء كواقع ميثولوجي، لا في نطاق المكان وحده، ولكن في نطاق قرينه الزمان أيضا.

هنا تكتمل بنود الصفقة في البرهان على حقيقة الصحراء كهوية ذات شخصية، ذات خصوصية، مما سيبرر الاحتكام إلى الأسطورة، لتتولى ترجمة ظاهرة تبدو طبيعية، ولكنها مسكونة بذخيرة ملفقة من طلسم الأحجية، كما هو الحال مع أعجوبة باسم الصحراء، حتى إذا شاء المريد أن يتغنى بها كمسقط رأس، فليس له أن يستجير بالعبارة، ولكنه مجبر على أن يستشير الاستعارة.

ولا ينجده في المحنة سوى الوصي الوحيد، المفوض بالنطق في حق كيانٍ كله روح كالصحراء، وهو: الأسطورة!. ألم يعلمنا أرسطو بأن غاية الإبداع هي صنع الأسطورة؟ ألم يترنم معلمه أفلاطون، على لسان معلم المعلم سقراط، بوجوب الاحتكام إلى حرم الأسطورة، لا في حال الإبداع وحسب، ولكن في شأن الحقيقة أيضا؟.

تجربتك الوجدانية حاضرة في أعمالك الروائية بالنظر إلى الدور الأساسي الذي لعبه الاغتراب في حياتك الشخصية. نبدأ من غربتك اللغوية عندما بدأت الدراسة بالعربية، التي لم تكن لغتك الأم. هل فعلا عزلة اللغة أسوأ من عزلة الصحراء؟.

الراحل «أوليس» لم يتحول في تجربة الأجيال رمزا عالميا، بل ووجوديا، لأنه اغترب عن لسان الأمومة، ولكن لأنه أضاع إيثاكا، لأنه اغترب عن وطن. ليس مصادفة أن يستوعب درس إله البحر «بوسيدون»، عندما آثر أن يموت على أن يحيا بلا وطن، قائلا: «قبض روحك لم يكن رهاني، ولكني شئت أن ألقنك معنى أن يحيا الإنسان بلا وطن”.

لقد استصدرت في حقي إمبراطورية استعمارية غاشمة كفرنسا حكم إعدام عندما سممت وطن الرؤى السماوية، الصحراء الكبرى، بقنابلها النووية، لتجبر أمثالي على الاغتراب عن فردوس الواقع، لتحوله حلما بعيد المنال، لتحوله فردوسا مفقودا، وأحسب أن رحلتي عبر العالم لم تكن لتكون سوى استماتة فجيعة لاستعادة هذا الفردوس الضائع، لتبدو مسألة الاغتراب عن اللغة مصابا أهون فيما إذا قورن بوجود مسقط رأس تستطيع أن تراه، ولكنك لا تستطيع أن تحياه.

التجربة برهنت على أني أستطيع أن أروض عضلة لساني لألقنه رطانات أخرى، ولكن هيهات أن أفلح في تلقين وجداني الاعتراف باغتراب الوطن، الذي لن يعني سوى اغترابي عن وجودي الروحي. وقد استطعت بالفعل أن أحقق حضورا في لغات الأمم، كجنس تعويض عن الكنز الأمومي المفقود، ولكني لم أفلح في استعادة وطني الضائع، بالرغم من كل ما نلت في رحيلي من أوطان.

اللغة بالطبع أيضا وطن: اللغة وطن قبل أن تكون وعاء هوية. هوية ثقافية، قبل أن تكون هوية عرقية، ولكن المبدع يستطيع دوما أن يحتال على وضعٍ تضيع فيه اللغة، حرف اللغة تحديدا، وذلك بالحرص على الاحتفاظ بروح اللغة، لأن اللغة التي نتكلمها هي حصيلة مركبة من لغات، من مستويات، هي معراج في منطق الخطاب.
وروح اللغة هي المنزلة الحاسمة في هذا المعراج الكينوني المقدس. وليس عصيا أن يكتشف القارئ الحكيم نبض هذا المستوى الروحي، الذي يسكن لغتي العربية، المستخدمة في سرديتي الروائية، الناطقة باسم اللغة الأم، محتجبة في عمق اللغة المكتسبة!. إنها اللغة المستترة، التي يروقها أن تتحجب بالقناع الميثولوجي، ولا أعلم عما إذا كنت أملك الحق في أن أسميها «لغة الروح» كبديل لعبارة «روح اللغة”.

نصحك صديقك الراحل صادق النيهوم بالكتابة باللغة الروسية من أجل تحقيق انتشار أوسع، ولكنك رفضت، وفضلت الكتابة بالعربية. ما الذي تشكله العربية بالنسبة إليك بعيدا عن عالم الرواية؟.

ما يشغلني لم يكن الانتشار، ولكن أن أعبر عما يسكنني. وكنت سأوافق صديقي صادقا لو كانت مغامرة الإبداع مجرد تقنية، لا سيما أننا نعلم جميعا أن اللغة كخطاب شيء، واللغة كمغامرة إبداع مبارزة أخرى تماما. فلا يكفي أن نتعلم اللغة لكي نبدع بهذه اللغة؛ ذلك أننا، لكي نبدع بلغةٍ ما، لا يكفي أن نحقق فروسية في علم اللغة، ولا يكفي أن نتفوق في التعامل مع اللغة، بل لا يكفي أن نعتنق دين اللغة (الدين هنا ليس بمفهوم الدين كحرف).

ولكن لا مفر من أن نحقق التماهي مع اللغة، إلى ذلك المستوى الذي يضمن لنا تحقيق ميلادٍ في اللغة. تحقيق بعثٍ روحي في اللغة، بل تحقيق بعثٍ وجودي لا نعود بموجبه نقنع بأن نتكلم اللغة، أو نفكر في اللغة، ولكن نتبادل الأدوار مع ملحمة اللغة، بحيث تثق في نوايانا اللغة، فتتكلمنا اللغة، بعد أن كنا نتكلم اللغة، تفكرنا اللغة، بعد أن كنا نفكر باللغة وفي اللغة.

وأذكر أن أخيارا كثيرين أحسنوا الظن بلغتي العربية ليثنوا على قدرتي على «تطويع» اللغة، كما راقهم أن يعبروا، ولا يدري هؤلاء أي نزيف دفعته قربانا في سبيل ترويض جنون هذا الجواد الأهوج؛ ولكن نبله وجرأته وبراءته هي الإغواء الذي شفعت له القرابين المدفوعة من أجله.

وكنت سأستجيب لوصية النيهوم لو كان العمر، الأقصر من قصير، يمهل لتحقيق هذه الأمنية، لا سيما إذا علمنا أن النصيب الأوفر من هذه الهبة كنت قد بددته في المسافة الواقعة بين صحرائي الكبرى والواحة التي نزلتها بعد بلوغي سن الثانية عشرة، لأحل ضيفا على مقعد الدراسة، لا متأخرا جدا وحسب، ولكن أيضا بلا مبادئ سابقة في التعامل مع العربية. وكان من الطبيعي أن أسلخ من العمر نصيبا أوفر قبل أن أفلح في أن أميت في نفسي إنسانا، كي أحيي فيها إنسانا آخر، كي أحقق وجودا في النزيف الفجيع الذي نسميه إبداع نص!.

يروي صمويل بيكيت كيف اختار التعبير بلغة أجنبية كالفرنسية، لأن اللغة تسرق الفكرة في لغته الإنجليزية. والواقع أن هذا مأزق اعترضني في العربية أيضا، ربما بسبب إغواء لجوجٍ هو طبيعة في كل لغة، وربما بسبب شعرية العربية، التي تستهوي للشطح على حساب الفحوى، والله وحده يعلم ما كلفني ترويضها لكي أحقق بها انضباطا.

وكم سيستهويني أن أعيد هذه التجربة الدموية بلغة عبقرية أخرى هي الروسية، لولا يقيني بأننا ملة فانية، ثلاثة أرباع المهلة الممنوحة لنا في وجودنا تغتصب منا بالقوة رغما عنا، وما تبقى لا يكفي لاستيعاب المعارف، باستنطاق الذاكرة، فكيف بترف الإبداع بلغتين أو ثلاث؟.

الصحراء الأبدية تغذي نصوصك الروائية، إلى درجة أنك غيرت الاعتقاد السائد بكون الرواية هي ابنة المدينة، وأعدت خَلق عوالم الصحراء في جل أعمالك. ما الذي يشدك إلى هذا النعيم المسمى صحراء؟.

الصحراء هي أنسب ظاهرة طبيعية، لتبوء منزلة أن تكون استعارة لظاهرة جوهرية أخرى، نسميها وجودا. أوَ ليس وجودنا في الوجود جنسا من رحيل؟ ألسنا أهل رحيل بطبيعتنا كطينة فانية؟ أليست الصحراء طينة معجونة من معدن رحيل؟ فالصحراء لم تكن لتكون مسقط رأس النبوة، لو لم تكن مسقط رأس التكوين، أي مسقط رأس الجنس البشري، لأنها فازت بقصب السبق في التحرر من بطن الغمر، لتكون لنا أرجوحة وجود بفضل اليبوسة.

وما هي اليابسة إن لم تكن تلك الفسحة الأرضية، التي تحولت، بالقِدمة، إلى صحراء، لأن ما سبق إلى الميلاد هو ما يهرم أولا، واليابسة عندما تشيخ تتحول صحراء. ولذا، أطلق عليها قدماء المصريين اسم «دشر»، التي استعارتها اللغات الأوروبية في desert، وفي الليبية القديمة «وشر»، كإبدال بين الدال والواو، التي تعني في لسان ورثتهم الطوارق معنى الشيخوخة. من هنا، حق للصحراء أن تتباهى بهويتها كحرية، لأن ما هي الشيخوخة فلسفيا إن لم تكن تلك المنزلة التي نتحرر فيها من وزر ٍأليمٍ هو الوجود، قبل أن تحط بنا الرحال في بعد الغيوب؟.

الموقف من الصحراء كفسحة حرية هو ما حفز فلاسفة مطلع القرن العشرين على أن ينصبوا الرواية كسليلة شرعية للعالم الحضري، ليقينهم بأن القياس في الإبداع الروائي هو العلاقة، أي المجتمع، وليس الصحراء بوصفها واقع يغيب فيه رأسمال الرواية وهو العلاقة، لأن الصحراء ديدنها الحرية، والحرية معنية بالحقيقة، وليس بالأسباب التي أنتجت هذه الحقيقة، لأن السبب، وليس النتيجة، هو حجة الرواية، بل دين الرواية.

ومن الطبيعي أن تكون الصحراء نعيمي الخالد، لأنها حرية، ولكن إيماني بها كحرية لم يخذلني، لأنها ما لبثت أن كشفت لي حقيقة الخطيئة التي اقترفها فلاسفة الغرب، أمثال جورج لوكاتش، في حق الرواية، عندما نصبوا الواقع العمراني في شأنها وصيا، لأني اكتشفت، بعد نزالٍ مميت، أن المقياس في الرواية ليس الواقع الحرفي، كالمديني، ولكنه الواقع الروحي، أي أن الإنسان هو مستودع الرواية، ونفس هذا الإنسان هي خشبة المسرح التي تستوعب التجربة البشرية، لتتيح لبهلوانات هذا الوجود فرصة لعب أدوار في مسرحية، هي في كل الأحوال مهزلة الظلال التي تثقل كاهل هذه الأرض!.

تقول إن الصحراء هي التي أنقذت حياتك، ما جعلك تستخدم بلاغة وسحر قلمك، لتكريس الفلسفة العميقة لعالم الصحراء وطقوسه الغامضة؟ هل وطأة الإحساس بفقدان عالم يتهدده الزوال هي التي جعلت الصحراء ملاذك في الكتابة؟.

هناك دوما صحارٍ، وليس صحراء واحدة. هناك صحراء الحرف، وهناك صحراء الاستعارة. هناك الصحراء التي نسكنها، وهناك الصحراء التي تسكننا. وعندما نحاول أن نخضعها للفحص، نكتشف أن الأنبل من الصحراء التي نسكنها هي الصحراء التي تسكننا، تماما كما نكتشف أن الأنبل من الأوطان التي نسكنها هي الأوطان التي تسكننا؛ لأن ما يسكننا هو حجتنا، هو غنيمتنا، هو فردوسنا. أما ما نسكنه فهو شبح يسبح في فلكٍ يقع خارجنا، لا فضل لنا فيه، ولا نستطيع أن نعول عليه، بسببٍ بسيط وهو طبيعته الفانية.

ولذا، فصحرائي الكبرى، التي اغتربت عنها واغتربت عني، استعدتها من براثن أعدائي، عندما أسكنتها قلبي، لترافقني في ترحالي عبر صحراء هذا العالم، وصحراء وجودي في هذا العالم، ولا وجود لقوة في المسكونة تستطيع أن تنتزعها مني، لأنها القيمة التي تسري في دمي، وتغذي وجداني، وسوف تكون عزائي في رحلة اغترابي عندما يحين ميعاد فراق هذا العالم، تماما كما كانت تميمتي في احتمال جور هذا العالم، طوال حضوري في صحراء هذا العالم!.

تشكل مجموعات القصص القصيرة نصا متكاملا في جوهرها، حيث تشترك الشخصيات المسكونة بالفضاء الصحراوي في المصير المفجع. لماذا الرحيل هو قدر تلك لشخصيات؟ وأي مدلول تمنحه لذلك الرحيل؟.

القصة القصيرة نص روائي مضغوط. بوسع تحويل القصة القصيرة رواية، وبوسع تحويل الرواية قصة قصيرة. مثال على ذلك «التبر» و«نزيف الحجر»، كانتا في الأرومة قصتان قصيرتان، ولكن واقع الرؤية حول هذين العملين إلى روايتين، بالرغم من شح الواقع الصحراوي. وبالعكس إذا تعلق الأمر بعمل ملحمي كالمجوس، فالبذرة فيها ترجمة لقصة قصيرة، تعالج في الحرف الوصية الإنجيلية: «ما نفع أن يكسب الإنسان العالم إذا كان سيخسر نفسه؟» الواردة كاستشهاد في أحد الفصول.
والرهان في الحالتين يكمن في النفَس الذي نريد أن ننفخه في هذه الفكرة كي تتحول أمثولة. وهو نفَس مشفوع بروح الأسطورة بالضرورة، لأنها هي المارد المخول بالبوح الذي يقلب السر بلاغا. ولما كان الواقع الصحراوي مجالا مفتوحا، مجبولا بسيماء اللا محدود، فإن كل الأفكار فيه لها سلطة التناسل، بحيث تتواصل القصة القصيرة في رواية، أو يولد جنين الملحمة من رحم الرواية.

وقد تنكمش الرواية لتتقمص روح الحكاية، دون أن تفقد حجتها كنموذج، أو درسها كأمثولة، لأن ثراء الروح الميثولوجية يجود دوما بما لا يخطر على بال. الرهان يبقى على العنصر الرسالي. والمصير بالطبع دوما فجيع، لأن الحضور قيد الوجود فجيع، والصحراء هي مسرح هذا الوجود، كما أسلفنا، مما يطرح السؤال القائل عما إذا لم يكن وجودنا في هذا المنفى شرا!.

تلتقي أعمالك في تصوير ردة فعل الفكر البدوي الأسطوري المتوجس من صدمة التكنولوجيا الحديثة التي تقتحم كل الفضاءات المغلقة، ضمنها الفضاء الصحراوي. هل كان هجوم المدينة بعوالمها الرقمية على الصحراء، بعوالمها الإنسانية، مدمرا؟ وهل نعيش فعلا قيامة الأفيون الافتراضي؟.

بالطبع، نحيا اليوم قيامة الأفيون الافتراضي. وأن نقبل بالحياة في واقع قيامة الأفيون الافتراضي، فسوف يعني قبولنا بالمقام في جحيم الواقع الاغترابي. وأشدد بقوة على تعبير الاغتراب هنا. فلم تكتفِ نزعة الهوَس بالتقنية، تقنية المعلومة تحديدا، بتغريبنا عن حقيقتنا الروحية؛ ولكنها أبت إلا أن تلقي بنا في مزبلة الافتراض، دون أن تتيح لنا فرصة طرح السؤال عما إذا لم يكن القبول بالحضور في واقع افتراضي، قبولا ضمنيا بالحضور في بعد الوجود الافتراضي، ما دام تسويق العلاقة الإنسانية نفسها يخضع للناموس الافتراضي، وطرح المشاعر الإنسانية الأنبل، كالحب، قربانا أيضا على مذبح هذا المعبود الوثني المدعو في رطانتنا افتراضا.

من الطبيعي، في واقع كهذا، أن تغترب القيم الصحراوية خجلا، بل فزعا، لا سيما عندما يبلغ الجنون بإنسان المدنية الحداثي إلى حد التجديف في حق أبسط القوانين الطبيعية، المترجمة في حرف بدعة تبيح تذكير المؤنث، وتأنيث المذكر، المستهجن حتى في قوانين اللغة، فكيف به إذا اجترأ على قوانين الطبيعة البشرية؟.

مازال الأدب العربي الحداثي يعاني من أعطاب فكرية كثيرة؛ أبرزها الهوس بالبعد الأيديولوجي، حيث ينشغل الرأي العام بالكاتب بصفته شخصا وليس نَصا. ما الذي جعل المجتمع العربي «منغلقا» بينما ثقافته منفتحة؟.

في هذا السؤال يكمن الجواب؛ فالمجتمع العربي أفلس في اليوم الذي تخلى فيه عن تراثه الإنساني، وأدبه الكلاسيكي، لينصب في حياته الأيديولوجية معبودا بديلا للمعبود، ظنا منه أن هذه السعلاة يمكن أن تحقق له خلاصا من أمراضه الوجودية، في حين أجهضت الإيديولوجيا فيه روح الشغف بالمثال، بالجمال، بالحب، بالشعر، بالحرية، بكل القيم التي تمت بصلة إلى ما كان في عرف كل الأمم قدس أقداس، وهو: الحقيقة!.

ذلك أنه استبدل الحقيقة الحية المبدعة بنزيف الروح، الأنبل من نزيف الدم، بالحقيقة المزيفة، التي نتلقاها من خارجٍ هبة مجان. الحقيقة المحتكرة بمشيئة الأيديولوجيا مزورة مرتين: مرة لأنها جاهزة مسبقا، ومرة أخرى لأنها آثمة. آثمة لأنها مجرد حجة للاستيلاء على السلطة، وليست برهانا للاعتراف بوجود الله، فكيف بسلطان الله؟.
الإيديولوجيا كانت أفيونا آخر، استطاع أن يحقق اغتراب الإنسان العربي، لا عن ذخائر الزمن الضائع (الزمن الذي لم يكن ليضيع، فيما لم تغترب في تجربته الذخائر)، ولكنه اغترب عن واقع وجوده، ليغترب بالتالي عن مستقبله، لأن مبدأ احتكار الحقيقة كفيل بإماتة الإبداع في روح الجيل.

وإماتة الإبداع تعني إماتة روح مبدعٍ، لا يعود فيه النص رهانا، ولكن يغدو فيه الشخص معبودا، مكبلا بأصفاد ميفستوفلس الحداثة الإيديولوجية، في حلفها الآثم مع تقنية معلومة، تدمن الأكذوبة أفيونا، فكيف لا يغدو فاوست ضحية الزمان؟.

هناك من يحاول خلق أن يخلق علاقة متوترة بين الدين والإبداع في المجتمع العربي خلال اللحظة الراهنة، علما أنهما يتقاسمان الأسئلة الوجودية الكبيرة نفسها. ما علاقة الأدب بالدين؟.

أي أدبٍ هذا الأدب الذي لا يتنفس برئة الدين، لا سيما إذا آمنا مع مَن آمن أن حميمية علاقتهما من الأصالة، بحيث لا نستطيع أن نجزم عما إذا لم يكن الإبداع هو الأب الروحي الذي أنجب الحس الديني، أم أن الحس الديني هو الذي أبدع الحدس الإبداعي؟ فالعلاقة تتجاوز حدود الاشتراك في استنطاق الأسئلة الوجودية الكبرى، وإلا لما كان البعد الديني في الإبداع عَصَب، قيمة، رهان. وإلا أضاع الأدب حجته الرسالة.

نشأة الأدب مفعمة بنَفَس الدين في الأرومة، والتمائم مهد المعزوفة الشعرية، كما كان الطقس السحري ترجمانا للشطحة الوجدانية، التي وضعت حجر الأساس لكيان مسرحٍ، يلعب فيه الابتهال دور البطولة، في مناخٍ مشفوعٍ بروح أجواء قدسية، والدليل تترجمه لنا كلمة: teatro المستخدمة في اللغات الأوروبية في معنى «مسرح»، التي تعني في مفهومها البدئي، المستعمل في لغتين دينيتين قديمتين هما الليبية والمصرية: «الابتهال»، أو «التهليل”.

يكفي أن نشير إلى حقيقة «الإلياذة»، التي لم تكن لتنجو من قدر الضياع لولا حرص أمة اليونان على معاملتها كمتنٍ ديني مقدس، لا يختلف عن كتب التنزيل، تماما كما نالت متون أفلاطون ذات العناية، بوصفها متنا دينيا، أجارها من مصير الضياع، كما ضاعت متون أدبية قيمة، ليبرهن القديس أوغسطين على هذه المنزلة لأفلاطون عندما نزهه، وحده، من دون كل فلاسفة ما قبل المسيحية من تهمة منكرة كالوثنية، في عمله المرجعي «ملكوت الرب»، الذي شيد حجر الزاوية للديانة المسيحية برمتها، إلى جانب تعاليم سلفه القديس بولس.

ذلك يعني أن قيمة أي نص أدبي إنما تقاس بمدى دينية هذا النص. وأولئك الذين أنكروا على نجيب محفوظ عملا في مقام «أولاد حارتنا»، بوصفه معالجة استعارية لسيرة الخلق، لا يدرون أن هذا البعد الديني بالذات هو ما لعب دورا في انتزاع الاعتراف به من قبضة محفل الأكاديمية السويدية، ليتوج بجائزة نوبل!.

في سياق حديثنا عن الأدب أثرت جائحة كورونا على تصورات الأدب العربي بفضل تداعياتها الفجائية. كيف تتصور أدب ما بعد الجائحة؟.

لا أعتقد أن الكوارث هي ما يمكن أن يؤثر على مصير ظاهرة روحية كالأدب، سواء أكانت الكوارث طبيعية أم عملا من صنع مختبرات كيميائية؛ لأن الكوارث ليست ما يمكن أن يزلزل النفس البشرية، إلى الحد الذي يدعوها إلى أن تتنازل عن كبريائها، فتتنصل من طينتها، فتقبل بتغيير ما بنفسها، وهي التي آلت على نفسها ألا تعترف بتجربة سلف، ولا تتعلم درسا من نزيف تاريخ، بحيث تتنكر لطبيعتها، فتستسلم لمشيئة منعطف.

الأدب، كترجمان أمين وحكيم لهذا اللغز المدعو إنسانا معني بما متّ بصلة إلى الروح، لا إلى الظاهرة التي تنتمي إليها الكوارث، ما لم يستحدث حجم الكوارث انقلابا حقيقيا يمس في الإنسان الواقع الروحي، لا الواقع الحرفي، فلا يكتفي أن تلقننا ظاهرة كالوباء الدرس الذي يقول بهشاشة عالمنا المكابر، لأن الأدب استطاع أن يمارس دورا نبويا عندما عبر عن هذه الهشاشة منذ أقدم الأزمنة.

ولا يكفي أيضا أن يعلمنا الوباء أن الطبيعة خليفة الله في الأرض، ويستطيع الرب أن يسخرها لكي يقتص منا جزاء آثامنا في حقها، وفي حقه، وفي حق أنفسنا، لأن الأدب كان الوصي منذ الأزل على حقيقة الطبيعة، عندما سوّقها في أعمال العظماء بوصفها أمًّا، تستطيع أن تستنزل القصاص في حق كل مَن مارس التجديف في حقها يوما، لأنها الكاهنة التي لا تغفو، والقلب النابض بالحياة دوما.

وأعتقد أن الدرس الوحيد الجدير بأن نستوعبه في تجربة الوباء هو ضرورة تغيير ما بأنفسنا، لأنه الخيار الوحيد القادر على تحريرنا من خطايانا ومن ضعفنا ومن استهتارنا بوجودنا، فنتوهم بوجود خلاصٍ يأتينا من خارجٍ هبة مجان!.

ولو تأملنا ثالوث الوصايا الإلهية، المزبورة على مدخل معبد دلفى منذ القدم، لاكتشفنا أن في المفتتح: «اعرف نفسك»، التي لا تعني هنا سوى «حرر نفسك»، الذي لن يتحقق بدون مفهوم «تغيير ما بالنفس»، وليس تغيير ما بالعالم؛ وهو ما نرثه في وصية التنزيل العزيز، التي آلينا على أنفسنا أن نرددها، دون أن نستنطقها، بدل أن نراهن على الوديعة التي تستوطننا، لأن ما يسكننا وحده القيمة، أما ما يسكن الواقع، الذي يقع خارجنا، فهو الغنيمة التي لا نغتنمها، ولكن هي التي تغتنمنا!.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Nek
    الإثنين 2 ماي 2022 - 08:35

    ابراهيم الكوني أعظم كاتب امازيغي معاصر في وقتنا الحاضر. هسبريس قدمته على أنه عربي لمجرد انه يكتب بالعربية و ذكرت كلمة عربي أربعين مرة في هذا الحوار !!

  • متابعات
    الإثنين 2 ماي 2022 - 09:15

    و اي لفظ أجدر بأن يكون حديثاً من قول ٱمرىء القيس « وليل كموج البحر أرخى سدوله على . . » إن الشاعر الحديث لو تهيأ له مثل هذا الابداع لكان مثالاً في البراعة ، فاللفظ مهما تقادم عليه الزمن لا يكون قديماً إلا إذا أميت ، ومع هذا فإنه من الممكن أن يعاد اللفظ الممات إلى اللغة في كثير من الأحيان .

    وهناك سر نرجّح أنه العامل الأساسي في إماتة اللفظ،وذلك إذا كان اللفظ يُمثّل صورة ميتة وموقفاً ميتا لم يصبح له وجود في حياتنا، فعندما يقول امرؤ القيس عن الليل أنه : «تمطّى بصلبه» — أو : «أردف أعجازاً، وناء بكلكل» يأتي الينا بصورة لا نألفها ، ولا نعرفها ، لأننا لا نعيش مع الإبل كما كان يعيش البدوي في الصحراء ، ونحسّ أنها ثقيلة الوطأة عندما تتمطى ، وعندما تردف أعجازها ، وتنوء بكلكلها : فالتمطي ، والارداف ، والاعجاز ، والكلكل كلها ألفاظ ما تزال حية ، ويمكن للشاعر الحديث أن يستخدمها إذا شاء ، على أن يرسم لنا منها صوراً حية نعرفها

    — ٢٠٤ —

  • اللازوردية
    الإثنين 2 ماي 2022 - 09:39

    و من ثم فالشعر الهادف الملتزم المعبر عن واقع الحياة بخيرها وشرها ، حلوها ومرها ، ومصور النفس البشرية بفضائلها ورذائلها ، وقبحها وجمالها ، واللغة هي القالب الذي تسكب فيه هذه الخواطر والأفكار ، لذلك ينبغي أن يكون حكمنا على اللغة الشعرية مبنيا على الاتجاهين اللذين أوضحناهما : اتجاه الكلمة المفردة المستقلة بشخصها وطاقتها ، والكلمة غير المستقلة والتي تستمد حياتها من ملاءمتها للسياق وتفاعلها مع غيرها من الألفاظ

    — ٢٠٦ —

  • عمر
    الإثنين 2 ماي 2022 - 12:03

    قرأت جل رواياته حين كنت الصحراء الليببة له سرد فريد يحكي التاريخ الابدي لصمت الصحراء وحرية الافق البعيد القريب انه احد اعمدة الرواية في الوطن العربي.

  • مفاهيم خاطئة
    الثلاثاء 3 ماي 2022 - 12:15

    كلام فارغ ومفاهيم خاطئة فكورونا هي حرب بين اقتصاد العالم اخذت كثير من الابرياء والصحراوي بعيد كل البعد عن ثقافة المغربي لان من حكموا المغرب لم يهتموا بهم وانما اهتموا بالضرائب وسجن وتعذيب كل من لم يدفع اقرؤوا التاريخ الحقيقي فاسبانيا لمادخلت لاستعمار الصحراء فتح الصحراويون كل شيء للاسبان لانهم كانوا منسيين عند الدولة المغربية آنذاك وقولوا حقيقة ولو مرة في حياتكم فالمغربي اصبح شرحها منافقي وكذال

صوت وصورة
جلسة عمل | جمال العسري
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:45

جلسة عمل | جمال العسري

صوت وصورة
خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 23:36

خريجو أوكرانيا ينتظرون الحل

صوت وصورة
أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أكتوبر الوردي.. بين الإعلانات والمعاناة

صوت وصورة
تعقيبات على البرنامج الحكومي
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 21:30 1

تعقيبات على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 19:09 8

المنصوري: إجراءات واقعية وأرقام محددة

صوت وصورة
تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية
الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 18:00 1

تحيين الرسوم العقارية لحماية الملكية