أصبح المجتمع المغربي يعاني من فوارق طبقية ومجالية كبيرة، ازدادت تفاقما مع جائحة كورونا، تدفع بفئات اجتماعية عريضة نحو الإقصاء والتهميش، في المدن والبوادي على السواء. بحيث أصبح الحقل الاجتماعي المغربي يعرف حيفا واختلالا بين مكونات المجتمع الواحد. فمن جهة هناك طبقة الأغنياء التي تستفيد من جميع أشكال الامتيازات الاقتصادية والإعفاء من الضريبة على الثروة، مع الاستفادة من المناصب السياسية والإدارية. تخدم مصالحها الخاصة من تعويضات وامتيازات وتقاعد خيالي بدون المساهمة المادية في هذا التقاعد. بالإضافة إلى الصفقات المربحة في عالم الأعمال لبورجوازية هشة، تفتقد لقيم المواطنة وتتعامل مع المرفق العام بمنطق إقصائي. فالمال العام أصبح نعيما يستفيد منه السياسيون على جميع المستويات. وذلك يتضح بجلاء في تقارير المجلس الأعلى للحسابات.
إن عقلية التدبير السياسي والاجتماعي والإداري المغربي ينطبق عليها التصنيف الذي قام به المفكر ماكس فيبر، حين تحدث عن نوع من السياسيين الذين يمتهنون العمل السياسي خدمة لمصالحهم الخاصة، بحثا عن الثروة والاغتناء، وليس لخدمة المصلحة العامة. وهذا بالضبط ما نلاحظه حين نقوم بدراسة الطبقة السياسية المغربية منذ الاستقلال، مع استثناء لسياسيين تميزوا بنزاهتهم وتفانيهم في خدمة الصالح العام.
ومن جهة أخرى، عمقت جائحة كورونا واقع التقشف والإقصاء والتهميش على باقي الفئات الاجتماعية التي تشكل عامة الشعب، بحيث لم تسلم حتى الطبقة المتوسطة من جحيم هذه السياسة الطبقية الحارقة لجيوب المواطنين بمختلف أطيافهم، وضرب قدراتهم الشرائية التي انهارت أمام تجميد الأجور لسنوات، وفرض الاقتطاعات المتعلقة بالتقاعد وتمديده إلى ثلاثة وستين سنة، أثبت تحقيق لجنة تقصي الحقائق عدم قانونيته. كما فرض التحالف الحكومي التعاقد في قطاع التعليم، ضاربا عرض الحائط الاستقرار النفسي والمادي لرجل التعليم الذي يعتبر فاعلا أساسيا في المنظومة التعليمية لبناء مستقبل البلاد وتنميتها. فأصبح التعاقد ينتج ويكرس الهشاشة في وقت يحتاج فيه الأستاذ إلى وضعية مستقرة عبر الإدماج والترسيم في الوظيفة العمومية، حتى يتمكن من العمل في ظروف تضمن له الكرامة وتحفظ له مكانته الفعلية والرمزية داخل المجتمع. هذا بالإضافة إلى إنصافه ماديا ومعنويا لمواجهة إكراهات الحياة اليومية أمام الارتفاع الصاروخي في مؤشرات المعيشة.
وبكل موضوعية، وبالرجوع إلى عهد حكومة المرحوم عبد الرحمان اليوسفي، نلاحظ أن العقل الاجتماعي قد اشتغل بشكل مسؤول وبنزاهة، عالج كثيرا من الملفات الاجتماعية، وعلى رأسها ملف الأساتذة بجميع فئاتهم، الذي كان قد عرف جمودا وحيفا في ظل الحكومات المتعاقبة لسنوات الرصاص، وأعطى دينامية جديدة فتحت أملا في مغرب جديد ممكن. لكن سرعان ما سيعرف العقل الاجتماعي نكسة كبيرة مع حكومة العدالة والتنمية الأولى والثانية. أجهزت على جميع المكتسبات السابقة وفرضت التعاقد واقتطاعات جديدة على التقاعد وتمديد مدته وضرب صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات. هذا بالإضافة إلى ضرب الحق النقابي وفرض الاقتطاع على ممارسته.
إن إصلاح العقل الاجتماعي من طرف الفاعل السياسي والاجتماعي من أجل الإنصاف والاعتراف والكرامة هي مسؤولية الدولة والمجتمع بمؤسساتها الدستورية والحزبية والنقابية التي يجب أن تكون في خدمة جميع الفئات الاجتماعية ومطالبها الاجتماعية العادلة وليس فقط طبقة الأغنياء. كما تتحمل الأحزاب السياسية كذلك المسؤولية حيث أصبحت تعاني من عجز شامل لافتقادها لنخب ديمقراطية جديدة تستمد مصداقيتها من قواعدها وقادرة على التأطير وطرح البدائل المناسبة.
وإذا كان الفضاء العمومي قد أصبح فضاء للتعبير عن الإرادة والفعل الاحتجاجي المطلبي، فذلك يفترض وجود محاور حكيم ومسؤول قادر على الإنصات وتفهم المطالب الاجتماعية المشروعة وتحقيقها لإنقاذ المجتمع من الإحباط وانسداد الأفق، وبناء مستقبل أفضل بمقاربة التفاهم والحوار للتوصل إلى الحلول التي تنصف الفئات المتضررة، وليس بلغة القمع المادي والمعنوي. وما دون ذلك، فالواقع الاجتماعي قد يسير نحو احتجاجات اجتماعية غير مسبوقة للمطالبة بالتغيير وانتزاع الحقوق في ظل قرارات وقوانين تكرس الفوارق الطبقية والظلم الاجتماعي، وعلى رأسها التعاقد واقتطاعات التقاعد وتحرير أثمان المحروقات وضرب الحريات النقابية…
إن الوضع الاجتماعي المتوتر يتطلب عقلا اجتماعيا يجيد الحوار الجاد والمسؤول مع جميع الفاعلين الاجتماعيين لتحقيق المطالب وإخراج الفئات الاجتماعية العريضة من الفقر والإقصاء والتهميش، لخلق انفراج اجتماعي وسياسي شامل يعطي دفعة قوية لبناء مؤسسات بثقافة ديمقراطية جديدة وحقيقية ترتكز على الاعتراف والإنصاف والكرامة والعدالة الاجتماعية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.