"جيل Z" .. والآن ما العمل؟

"جيل Z" .. والآن ما العمل؟
الإثنين 6 أكتوبر 2025 - 18:39

من خارج الصندوق:

في مقالي “جيل Z نعمة في حضن الدولة“، أثنيت على هذا الجيل، باعتباره من مخرجات الرهانات التنموية الاستراتيجية للمملكة المغربية؛ ومن مفرداتها الانفتاح على العالم الديمقراطي، الحر، وهو يعيد بناء قيمه الكونية على ضوء ثورة معرفية رقمية، وتواصلية، آخذة في تحشيد البشرية جمعاء، حول مائدة واحدة، يستطيبها الجميع.

ألاَّ يكون لنا هذا الجيلُ – مهما كان السبب – لا يعني شيئاً آخر غير فشل الرهان، وشغل الدولة لكرسي الغياب عن حضارة إنسانية رائعة، آخذة في التشكل والتطور، رغم كل الجراح والآلام.

هذا الغياب أشد مضاضة على الدولة، مما يمكن أن يأتي في ركاب جيل “مراهق”؛ وهو يفضي إليها، وإلينا جميعاً – كأسر وسياسيين ومسؤولين – بخيباته وانتظاراته، مستنداً إلى معرفة تأتت له من خارج الصندوق؛ من خارج المناهج والبرامج التعليمية، المنتهية الصلاحية؛ من خارج العقم الحزبي الذي تكرس آلة لتدوير العطالة السياسية؛ من خارج قيم الأسر والمجتمع الواقعي، الذي يلازم أغلالاً سبكتها معلقات التجهيل عبر القرون.
يسائلنا هذا الجيل، جميعاً، ويُحرجنا وهو منا؛ وإن كان نما في غرف الدردشة، والألعاب، وسائر مشمولات الحدائق الرقمية السرية.

يُقبل على مطبخ الأسرة طاعماً ليس إلا؛ ويجلس أمام أساتذته، وهو لا يراهم، ولا يستمع إلى ما يقولون؛ وحتى إن استمع فلينال الشهادة فقط، وهي منتهى برامج غير دائمة الصلاحية للحياة.

ومن داخل القمقم:

بما هو محبس خرافي للجن، خرجت النسخة السوداء للجيل Z؛ أي تلك التي تلطخت مداداً، وألقاها عمال المطبعة في المهملات.

حسب إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط، يقارب عددهم المليون ونصف؛ ويوجدون خارج تغطية المدرسة، التكوين، والشغل.

طبعاً ليس خارج هذا المثلث غير النفير؛ يتربصون في زوايا الظل، الحضرية والقروية؛ ينتظرون فرصتهم لإثبات الذات أمام مجتمع لاه عنهم.

ذات ضاربة في الحرمان؛ تزرعه حقداً على كل من يتحرك آمناً مطمئناً لماله وسربه.

ذاتٌ تَودُّ وهي تغرق، في محيط النسيان، أن تغرق معها الجميع: علي وعلى أعدائي.

تنضاف إلى هؤلاء الذين شملهم الإحصاء، أعداد أخرى من الشباب فاض بهم الهدر المدرسي، نهراً دائماً الجريان لا ينتشلهم منه أحد؛ ولا يَجِدُّ أحد في تجفيف منابعه.

لوحة مرعبة بخلفية خريفية تحيل على الذبول والتلاشي؛ حتى قبل الأوان.

جموع القمقم هذه لا تطالب بإصلاح التعليم، لأن الأمر بالنسبة لها انتهى.

ولا تطالب بخدمات صحية، في المستوى، لأنها تراها – في بطالتها – ترفاً؛ إذِ الذات التي تَشبَع هي التي تَمرَض.

ولا تطالب بمحاربة الفساد، لأنها بعطالتها الاجتماعية والاقتصادية، تقع خارج المؤسسات؛ لا تنفعها صَلُحت أم فسدت.

كمن يُحاجَجُ ب”التيجيفي”، طنجة ميد، الملاعب والطرق السيارة، وهو بدون حذاء.

في خرائط هذه الجموع، المطردة العدد، ابْحثْ عن مواقع لما وقع من تخريب وحرق ومداهمة؛ ومواكب الشباب المتعلم والمندمج تصدح بالإصلاح.

وكأنها في تخريبها الهمجي تسخر من شباب الإصلاح، وهي راكبة على شعاراته ليس إلا.

وما العمل الآن؟

لم يكن للحكومة إلا أن تقول: لقد فهمتكم؛ هيا نتحاور.

تقول هذا وهي تعلم ألا مُحاور لها من الجموع الغاضبة؛ لأنهم بأنفسهم – وإن وقفوا على القصور، في الصحة والتعليم – لا يعرفون من أين يبدأ الإصلاح.

وإن شعروا بكلكل الفساد، وهو يُنيخ بالوطن؛ لا يعرفون من أين يبدأ الإصلاح.

حاجتهم إلى التأطير السياسي الحزبي، كحاجة الأحزاب، إياها، إلى شباب طلقته، بانتهازيتها وعقمها طلاقاً بائناً.

وأقولها بكل صراحة، والمناسبة شرط:

هل تقوى حكومة واحدة على كل هذا الإصلاح؛ حتى إن كانت جادة وصادقة وطاهرة المنبع؛ فكيف بها حكومة رجال أعمال، يفهمون في الأرصدة، وليس أرصاد المجتمع وهو يغرق بين الأمواج؟

كيف لها ذلك وأغلبها من بنات انتخابات، يعرف أهل الوبر قبل أهل المدر كيف تجري خيولها وذئابها وثعالبها وضباعها؟

كيف تُصلح تعليماً اخترقته دودة التفاح باكراً، وهو يبرعم ويزهر ويثمر؛ إلى أن ذبلت تفاحته وسقطت، وهي آخذة في التعفن؟

كيف تُشفي الصحةَ؛ وقد طال أمد تمددها فوق سريرها، إلى أن اهترأ جلدها وأنبت عللاً على علل، أتت على أغلب أعضائها؟

انتنت حتى هرب منها الطبيب، ولحق به الممرض.

كيف تُجهز على كل الفساد، ولو كان لها مددٌ من عصا موسى؟

إطفاء الحرائق أولاً:

لا يكفي أن تظهر اليوم – بقدرة قادر – الأدوية والابتسامات في المستشفيات.

ولا يكفي أن تُوزع الورود والحلوى بالمؤسسات التعليمية؛ في انتظار ثمار ما زرعه الوزير من إصلاح.

فكما حرائق آبار البترول، تطفأ بتنفيس النار عبر آثقاب بعيدة عن عصفور النار؛ كذلك يجب أن تُنفّس حرائق الحقد الاجتماعي على الحكومة الحالية، بحلول راجَّةٍ، تنفذ إلى أعماق الغضب، وتقطع عَصَب عنفوانه:

أولى الرَّجَّات:

إقالة حكومة عزيز أخنوش، باعتبارها اليوم طرفاً في المشكل وليس الحل؛ ولا يعني هذا نكران فضلها في تنفيذ جوانب من برنامجها.

إعمال صلاحية الإعفاء يَجُبُّ – شكلاً – غضب الشارع؛ ليصبح منتظراً آملاً، وليس يائساً كما هو الآن.

وباعتبارها حكومة سياسية، لا يمكن استبدالها إلا بانتخابات؛ فإن تعويضها – مؤقتاً – بحكومة تكنوقراط، ذات كفاءة عالية، من شأنها تأطير الأمل والانتظارات..

ثاني الرجات:

اشتغال حكومة التكنوقراط هذه على إعداد ترسانة انتخابات، يصبح عليها المواطنون، عيداً جديداً في مسار ممارستهم لحقوقهم السياسية؛ يقطع مع كل التخريجات المغرضة التي ألفوها:

تحقيق شروط: النزاهة، المستوى الثقافي للمترشحين، المحاسبة.

القطع مع نظام اللوائح الريعية للأحزاب.

القطع مع توالي الولايات بالنسبة للشخص الواحد.

ثالثها:

الارتقاء بتنظيم السوق – بمفهومه الشامل والواسع، وقطع أذرع الأخطبوط التي باتت تتحكم فيه، على هواها؛ أخطبوط لا يسمع ولا يرى غير مصالحه المنفلتة من كل رقابة.

على سبيل الختم:

إذا أعيد وضع القطار على السكة، بهذه الكيفية المقترحة وهي مقتضبة؛ ورُوجع محركه باستبدال ما تعطل من قطع غياره، فإنه سيعاود مساره عابراً – آمناً – وطناً حباه الله من كل نعمه؛ وليس لنا إلا أن نكون في مستواه؛ فهو لنا ولن يصلحه غيرنا.

وطن ضارب في القدم، على كل من يكيد له، أو يخربه، أن يخجل أولاً من أبنائه، وثانياً من القرون التي بنى فيها أجدادنا أمجادهم.
لا تجعلونا نفخر فقط بالماضي، اصنعوا لنا حاضراُ ومستقبلاً، بين الأمم.

حققوا العدالة الاجتماعية الحقيقية التي تغلق أبواب المعمل الذي ما انفك يصنع الثروة المحتكرة من القلة، والحرمان الموزع على الأغلبية؛ خصوصاً الشباب.

وتبقى ملكيتنا – حاضراُ ومستقبلاً – الضامن لتحقيق وحدتنا وهويتنا:

يزول المسؤولون الفاسدون، وتستمر الملكية، متجددة العنفوان باستحقاق.

كانت حينما لم نكن، وستستمر ما تعاقبت الأجيال.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد