صدرت مؤخرًا رواية “المرضية” للكاتب أحمد الشهبي عن دار عبودة للنشر والتوزيع، في عمل سردي يمتد على 265 صفحة موزعة على عشرة فصول. هذه الرواية ليست مجرد سرد تقليدي، بل لوحة أدبية مكثفة، تنسج من خيوط النفس البشرية نسيجًا معقدًا يتشابك فيه الواقع بالرمز، والصراع الداخلي بالتساؤلات الوجودية العميقة.
تحكي الرواية قصة “خديجة” التي تحمل لقب “المرضية”، ليس كاسم فقط، بل كعبء وجودي ثقيل يختزل ثقل التوقعات الاجتماعية والأسرية المفروضة عليها. منذ الصفحات الأولى يأخذنا الشهبي في رحلة إلى عالم خديجة المألوف ظاهريًا، حيث الأسرة والواجبات، لكنه يكشف بمهارة عن هاوية التناقضات التي تختبئ تحت السطح. خديجة ليست بطلة خارقة، ولا ضحية نمطية، بل إنسانة واقعية تعكس صراعاتنا جميعًا، محاصرة بين الرغبة في التحرر والالتزام بالواجب.
يبرع الشهبي في تحويل التفاصيل اليومية إلى رموز كونية، فالأب يمثل سلطة المجتمع الصارمة التي تفرض على الفرد الانصياع، والأم الغائبة ترمز إلى فقدان الحنان والأمان، في حين يعكس الإخوة عالمًا خارجيًا لا يولي اهتمامًا بمعاناة خديجة. هذه العلاقات المعقدة، المصاغة بلغة شعرية دقيقة، تكشف هشاشة الروابط الإنسانية حين تُبنى على التوقعات بدلاً من المحبة الحقيقية.
الرواية تتجاوز السرد التقليدي لتطرح تساؤلات جوهرية عن البر والتضحية: هل هما تعبير عن حب نقي أم طاعة ميكانيكية؟ رحلة خديجة، التي تفقد تدريجيًا أجزاء من ذاتها في سبيل إرضاء الآخرين، تصبح مرآة لكل من عاش تحت وطأة التوقعات، وتدعونا للتأمل في العلاقة بين الذات والمجتمع. الرواية لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تترك القارئ مع إحساس مُرّ بالتحرر من قيود الاضطرار.
بأسلوب سردي يجمع بين الحساسية العاطفية والعمق الفلسفي ينجح أحمد الشهبي في تقديم عمل يتجاوز حدود الزمان والمكان، ليصبح صوتًا لكل من يكافح لإيجاد ذاته وسط دوامة التوقعات الاجتماعية. “المرضية” هي دعوة لكل قارئ ينشد رحلة تأملية في عالم تتشابك فيه المعاناة مع الأمل، والتضحية مع الذات.
كل التوفيق للمبدع التازي الاستاذ الشهبي أحمد مزيدا من العطاء
كل التقدير والامتنان لك، السي أحمد.
لكل كلمة كتبتها بإخلاص، لكل فكرة نابعة من عمق التجربة، لكل موقف وقفت فيه شامخًا مدافعًا عن القيم والوعي.
أمثالك لا يُشكرون فقط على ما يكتبون، بل على ما يزرعونه من أثر، وما يخلّفونه من صدى في العقول والقلوب.
مزيدًا من العطاء، لأننا في حاجة إلى أصوات نزيهة، تنبض بالصدق، وتشبهنا.
مزيدًا من الكتابة، لأن الكلمات حين تمرّ عبرك، تكتسب حرارة الإنسان وصدق الموقف وعمق المعاناة.
ومزيدًا من الحضور، لأن هذا الزمن بات يُفرز الكثير من الضجيج، ولا يحتفظ إلا بالقليل من النبلاء.
دمت منارة تُضيء ولو وسط العتمة.
نهنئ بكل فخر واعتزاز الكاتب والأستاذ أحمد الشهبي على صدور عمله الروائي الجديد “المرضية”، الذي يواصل به مشروعه الإبداعي الناضج والملتزم، ويمنح فيه الكلمة للوجع الإنساني الصامت، وللأصوات التي كثيرًا ما تُقصى من واجهة الحكي.
رواية “المرضية” ليست فقط تتويجًا لمسار كتابي متأمل، بل هي شهادة أدبية تنصت بحس مرهف إلى نبض المعاناة اليومية، وإلى هشاشة الذات حين تُختبر بين نداء الواجب وثقل الصمت، بين الحب والصبر، وبين الإهمال والأسى.
هنيئًا للكاتب على هذا الإنجاز الذي يفتح نافذة جديدة في أدب العائلة، وأدب البرّ، وأدب الحزن المغربي الأصيل.
ومزيدًا من التألق والإصدارات القادمة التي نترقّبها بشغف.