أسر "الأطفال المعاقين" تواجه السلبية وثقافة العيب والتنمر في المغرب

أسر "الأطفال المعاقين" تواجه السلبية وثقافة العيب والتنمر في المغرب
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 15 يناير 2021 - 02:35

لا يتأتى اندماج الأطفال في وضعية إعاقة داخل المجتمع إلا بتقبل محيطهم لمفهوم الإعاقة والتعايش معها؛ هذا ما عبرت عنه جل التوصيات في المجال، لكن يبدو أن هذا الاندماج يبقى بعيد المنال، والتأكيد يأتي من داخل المنازل حيث لا تتقبل بعض الأسر المغربية تواجد طفل معاق داخل البيت، وحيث ما يزال التعاطي مع الإعاقة يتسم بنوع من عدم الرضا وكثير من التستر وكأن الأمر يتعلق بفضيحة.

“هاجر.. امرأة ونصف”

“ما يحس بالمزيودة غير اللي مضروب بها”؛ هكذا هو واقع حال الأسر التي تضم أفرادا مصابين باضطرابات وإعاقات تحولت معها الحياة إلى عبء كبير، كما غدا النوم والخروج للتنزه أو زيارة الأهل، أو حتى حضور حفل زفاف، أمرا يحسب له ألف حساب قبل الأقدام عليه، وتضطر أسرة الطفل المعاق إلى الحد من تحركاتها وتنقلاتها وزياراتها، مخافة الانتقادات أولا، ولتفادي الإحراج من سوء تصرف الطفل المصاب بالإعاقة، أو هروبا من نظرة اشمئزاز أو شفقة.

قصص عديدة تكشف بعضا من المسكوت عنه، وتفضح كثيرا من المستور داخل شقق تضيق بمشاكل قاطنيها وما يدخل ضمن القاموس الشعبي المرتبط بالعار. لم يكن إقناع هاجر، اسم مستعار، وهي المنحدرة من مدينة وزان، لتقديم شهادتها سهلا؛ إذ تطلب الأمر أسبوعا من التواصل والتشجيع.

الإعاقة بين الطب و”الدجل”

هاجر تبلغ من العمر حوالي 25 سنة وهي أم لطفلتين، إحداهما تعاني من إعاقة عقلية وحركية. لم تدم فرحة هاجر بالمولودة الصغيرة طويلا؛ إذ لاحظت جمود صغيرتها ميساء، وقلة حركتها، خلال الأشهر الأولى من ولادتها، وهو ما دفعها إلى الاستشارة والسؤال.

دارت الأرض بها وخارت قواها ولم تتوان في عرض طفلتها على أطباء الأطفال بكل من القنيطرة والرباط، “ما خليت بها حتى شي طبيب وخسرت عليها أكثر من 10 ملايين كمصاريف تحاليل وفحوصات وسكانر وتخطيط ديال الدماغ، أي حاجة كانوا يقولوها لي كنت كندريها”، تقول الأم الشابة.

وأضافت في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية أنها اضطرت في أحيان كثيرة إلى قصد بيت “الفقيه” والأولياء والأضرحة، موردة: “عارفة هادشي ممزيانش ولكن الكبدة ديالي كتقطع ملي كنشوف بنتي فهاد الحالة، اللي قالي دبحي فروج دبحتو واللي طلب لي حولي جبتو، ولكن الحمد لله رضيت بقدر الله وخا مرة مرة كنقنط وكنبغي نخرج من الدار ومنرجعش ولكن هادشي اللي بغا الله. الله يشوف من حالها وحالي”، تحكي الأم المكلومة قبل أن تغالبها الدموع.

تطرف في الإعلام والكوميديا

عبد المالك أصريح، باحث في السياسات العمومية الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة، حمل وسائل الإعلام و”السكيتشات” مسؤولية تكريس النمطية والصور السلبية، وتبنيها لمقاربة متطرفة بخصوص الشخص المعاق، قائلا: “إما أن تقدمه بطلا خارقا وينسب النجاح إلى الإعاقة، وكأنها سبب النجاح وليس مجهودات وقدرات الشخص، أو تقدمه في وضعية ضعف وفق مقاربة إحسانية يغلب عليها التنمر”، داعيا إلى ضرورة دمج هذه الرؤية ضمن دفاتر التحملات من أجل تحديد الإطار المرجعي لتناول الإعاقة في وسائل الإعلام والسينما.

وأضاف المتحدث، في تصريح لهسبريس، أن “التعاطي مع الإعاقة ما يزال معيبا؛ إذ مازال كثيرون يعتبرونها شيئا غير عادي وحدثا استثنائيا، وهو الرأي السائد لدى المجتمع المغربي بالنظر إلى الموروث الثقافي والتمثلات السلبية والنفسية للإعاقة”.

وضرب الفاعل الحقوقي المثال بالجنين المنتظر، “حيث تسود تلك الصورة المثالية عن الوسيم أو الجميلة الذي أو التي ستلج الدنيا، أما إذا حل الوافد الجديد مشوها أو يعاني من عاهة وإعاقة، تحدث صدمة نفسية، وهنا وجب مواكبة الأبوين والطفل وتجاوز هذه الفكرة السلبية، خاصة أن الإعاقة في المجتمع المغربي تعد مرادفا للقصور والعجز والاتكالية، وأحيانا كثيرة تصنف عقابا إلهيا، وهي أمور غير دقيقة ونظرة غارقة في السلبية”.

لا ينكر الفاعل الجمعوي أصريح أن “الأمور تتغير حتى وإن كان ذلك بوتيرة بطيئة، إلا أن هناك تطورا بفعل بروز الأشخاص ذوي الإعاقة وتبوئهم لمناصب قيادية، خاصة داخل المنظمات والجمعيات، ونحتاج إلى إذكاء الوعي وتغيير الاتجاهات السلبية نحو الأشخاص، وذلك بإعطاء دفعة لمشروع التربية الدامجة”.

من جانبه، قال حمزة الإبراهيمي، أخصائي في العلاج النفسي الحركي: “ليس من السهل أن يكون الشخص مرافقا لطفل أو فرد من ذوي الإعاقة، لا سيما وسط مجتمع تصعب فيه ظروف الإدماج وتتدنى فرص التكفل العلاجي وغلاء حصصه التي تكلف الكثير، ناهيك عن طول مدة العلاج وضرورة الالتزام المستمر بها في كل الظروف والأحوال”.

وأضاف نائب رئيسة الجمعية الوطنية لأخصائيي العلاج النفسي الحركي بالمغرب أن “أكثر ما يثقل كاهل الأسر ويهد حالها، نظرات الإقصاء والمعاملة الرافضة التي يتلقاها الأطفال في بعض المؤسسات التي ترفض إدماجهم أو ترفض ملاءمة المناهج حسب خصوصياتهم وحاجياتهم”.

وشدد المصدر ذاته على أن العديد من الأسر تشتكي إلى اليوم من إيجاد فضاء مدرسي دامج، خصوصا بالقطاع الخاص، يستوعب الطفل المعاق ويعتبر خصوصيته ويفرد له حيزا للتمدرس والاختبار حسب قدراته ومهاراته، وكذا غياب التكوين المناسب للأساتذة في مجال الإعاقة وإعادة التأهيل والإدماج.

وكسف الأخصائي ذاته، في حديثه لهسبريس، أنه وقف على حالات لعائلات مكسورة الخاطر، يتساوى فيها الفقير والغني، وتنعدم حياتهما معا، “أسر مكلومة تقع بين مطرقة واقع مجتمعي لا يعترف بخصوصية الإعاقات وسندان برامج وسياسات عمومية في مجال الإعاقة تظل حبرا على ورق”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • مستغرب
    الجمعة 15 يناير 2021 - 03:19

    من المخجل ان يكون الغرب الذي ننعته بالكفر سباقا في اعطاء الدروس في كيفية ادماج هؤلاء الفئة من المجتمع بينما نحن رغم خلفيتنا الاسلامية فلا زلنا نتنمر ونقصي ونتجاهلهم افيقو من سباتكم فالدنيا الى زوال لدي جار يشتغل سبعة ايام في الاسبوع رغم انه هو رب العمل لكنه لايثق في احد ويضن ان من غيره لن تدور عجلة مشاريعه المسكين اصيب بجلطة رغم صغر سنه ولا زال الامور تسير كما في السابق الان يقول انه لايريد شيء فقط ان يستعيد عافيته

  • للعبرة
    الجمعة 15 يناير 2021 - 08:05

    اعرف اسرة لديها اربع بنات و ذكر مصاب بمتلازمة داوون رغم ان عمره اكثر من 20 سنة لا زالت الام والاب لايريدون تصديق ذلك لا يقولونها لكن يمارسونها الاب يتعامل معه كشخص عادي و يتخد قرارات جنونية تضره بينما الام تعتبر انه يجب ان تبحث له عن زوجة الكارثة الكبرى انه كان لديهم طفل واحد معاق ذهني واصبح لديهم دون ان يشعروا خمسة اطفال اربع منهم مرضى نفسيين بسبب اهمالهم لبناتهم في طفولة وتعرض تلك البنات لصدمات وحوادث بسبب انشغال الام والاب عنهم بمجرد قدوم ذكر المعاق ….انها مأساة …..المعاق يبقى معاق من حقه ان يعيش لكنه لن يقدم في لغالب الشيء الكثير للمجتمع بينما الاستثمار الحقيقي في الطفل سوي سواء كان ذكر او انثى هو العمل الصالح الذي يمكنه ان يفيد المعاق ويفيد لمجتمع …لكن بعض الاباء سامحهم الله يخبطون خبط عشواء

  • Fatima Zahra
    الجمعة 15 يناير 2021 - 08:48

    كلمة معاق لم تعد تستخدم في معظم الدول و الأصح ذوي الإحتياجات الخاصة .

  • جواد
    الجمعة 15 يناير 2021 - 08:54

    ليس التنمر وهاجس العيب عائقا امام اندماج المعاقين بل جهل الاسر بواقع الخلق الذي هو امر رباني .حين تتزين الام وتخرج في ابهى حلة تتنمر على نفسها وتخشى العيب من الناس على ابنها المعاق وتحسس ذلك .ان مجتمعنا المغربي رحيم جدا ومتعاطف مع المعاق بشكل كبير اذن فالاسرة هي التي تتنمر على الطفل وعلى نفسها

  • marjane
    الجمعة 15 يناير 2021 - 09:02

    اغلب المغاربة عندهم افكار سلبية فهاذ الباب حيت الابن المعاق عبء كبير على الاسرة والمجتمع المغربي اصبح مادي بامتياز . كيف لام ان تصرف على ابنتها اكتر من عشرة ملايين سنتيم دون نتيجة اغلب الاطباء مغلوضين عارفين البنت معاقة اهما كلسين كنتفو في امها قوة التحاليل بلا فيدا الله يخد الحق فيهم

  • جواد
    الجمعة 15 يناير 2021 - 10:46

    ان كانو الاسوياء يعانون في العلن فان هذه الفئات واسرهم يعانون في العلن وفي صمت وما يزيد الطين بلة انهم ولدوا في هذا البلد

  • محمد القدوري
    الجمعة 15 يناير 2021 - 10:50

    المجتمع الذي ذهبت قيمه وانساق مع المضهر والماديات ، كون الدولة أرادت هذا التوجه بدعى التقدم والتطور على الرغم من الشطحات بحقوق الإنسان لا أعلم عن أي انسان يتحدثون ، لأن الفئة الفقيرة وذوي الإحتياجات الخاصة كان من المفروض أن يكون لدى هذه المنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان من أولمياتها لأن المعانات والحرمان الذي يعيشه الشخص في وضعية اعاقة أو اسرته لا يمكن تخيلها ، تصوروا معي أن الأشخاص في وضعية اعاقة لا يحصلون عن أي دعم من الدولة ، حتى الحاصلين منهم عن الشواهد لم يتم توظيفم أو مساعدتهم ماديا ، اما المبارة الخاصة للأشخاص في وضعية اعاقة هي مهزلة ، كون هذه المبارة اجتازها أشخاص يقترب سنهم الى 60 عسنة وهل هذا يعقل كان من المفروض أن يتم احصاؤهم ودراسة وضعيتهم ومنحهم مناصب مباشرة قصد انقاذهم من الجفاء الذي يتعرضون له ، أعفو الشركات من الضرائي ولا يعفون المعاق منها حتى عن العرب التي يتنقل بها ، التخلف يرعاه نظام

  • ali tayane
    الجمعة 15 يناير 2021 - 15:06

    هذه النظرة العنصرية المجتمعية لا يعاني منها المغرب فحسب، بل هو توجه عالمي إرهابي متطرف ضد ذوي الإعاقة، لكن في المجتمعات العربية والإسلامية تبدو النظرة أشد تطرفا من غيرها من المجتمعات. ولهذا أسباب كثيرة ومنها: المعاقون أنفسهم الذين يقبلون وسمهم بهذه النعوت، وكذا الإعلام بأنواعه، والتعليم الأعوج، والتنشئة الاجتماعية العرجاء، والساياسات العمومية الفاسدة. فالله المستعان

  • abdeslam
    الجمعة 15 يناير 2021 - 22:20

    كاب له شاب من ذوي الاحتياجات الخاصة إعاقة حركية قوية اعتبرها قدر من الله اعماله معاملة عادية تقربت منه منذ ولادته وأصحابه واتركيه يعيش حياته عادية متصالح مع ذاته ومع اصدقاءه موفقا في دراسته ولله الحمد يتابع دراسته بالجلمعة منفتح على الكل فالطفل المعاق حسب تجربتي يجب معاملته باريحية وجعله يحس بأن الإعاقة ليست عاءقا

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام