أفاية ينعى الفيلسوف محمد سبيلا: هذا المُفكر الذي أعادني إلى الجامعة

أفاية ينعى الفيلسوف محمد سبيلا: هذا المُفكر الذي أعادني إلى الجامعة
صورة: أرشيف
الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 00:30

بوفاة محمد سبيلا فَقَدَ المغرب أحد المثقفين البارزين والأساتذة الكبار الذين تركوا وسيتركون أكثر من أثر على مسارات الفكر في البلاد؛ كما فَقدت، شخصيا، أحد الرجال الذين ساهموا في تغيير مجرى اتجاهي الجامعي والفكري. فكيف بالوسع استحضار ملامح شخصية سبيلا المتنوعة؟

وهل من الممكن، في سياق لحظة الإحساس بالفقدان، استدعاء قاموس بارد لعرض صورة مثقف مغربي جاهد، بإصرار، من أجل انتزاع بعض الاعتراف بجدارة المثقف في بلد ليس لهذا المفهوم العصري فيه أكثر من ستة عقود؟ وكيف يمكن استذكار أدوار هذا الفاعل التربوي الذي آمن بحمل «رسالة»، وبمسؤوليات حددها له الزمن السياسي الوطني الذي كان يبشر بعالم مغاير يسوده العدل والحرية والعقل والجمال؟.

إزاء لحظات الفُقدان أعترف بأنني غالبا، إن لم أكن دائما، ما أتجنب لحظات الكتابة عن موت شخص عزيز؛ ليس تهربًا من عملية استذكار خصال وفضائل وعطاءات الإنسان الذي افتقدته، وإنما لأن عجزًا ما ينتابني وأنا أبحث عن الكلمات المناسبة لتسمية هذه الفضائل، إذ يفيض منسوب الانفعال على مقاييس التعقل، حتى وإن استنهضتُ كل مقومات التيقظ والانتباه.

كثيرة هي أفضال محمد سبيلا على الفكر المغربي المعاصر وعلى الدرس الفلسفي في بلادنا، ولا مجال لاستعراض بعضها في هذا المقام المشروط بوَقْع الفقدان؛ لقد سعى في كل كتاباته وتدخلاته إلى فهم إشكاليات زمن العالم، والحث على استنبات قيمه في الثقافة، والسياسة، والتعليم.

وفي المجال العام؛ لقد كان قارئا محترفا، وكاتبا أصيلا، ومفكرا وسائطيا استثنائيًا، ونصوصه شاهدة على هذا القول؛ فهي تكثف جموحه الدائم إلى الفكر الجديد والمُجدِّد، ينحت قاموسه بأسلوب مميز في الرشاقة، ساعيا إلى إدماج منسوب كبير من الوضوح في الأفكار في التداول الفكري المغربي.

ولأن محمد سبيلا عانى من إحباطات السياسة، ودبر صدماتها وتناقضاتها بكثير من العناد، فإنه استثمر جل قواه في مجال البحث والتدريس والترجمة، وحوَّل هذا المعترك إلى مَشْتل كوَّن فيه «مناضلين فلسفيين»، بحيث لا أظن أن أستاذا للفلسفة في المغرب وصل إلى الرقم القياسي في الإشراف والتأطير والتوجيه الذي بلغه الأستاذ سبيلا؛ إذ لن تعدم أي جهة من جهات المغرب وجود بذور هذا المشتل الخاص الذي قدم له كل ما يملك من رعاية واحتضان ومواكبة؛ وهو قام بذلك باقتدار كبير يجمع فيه ما بين واجبات الأستاذ والحس العالي للصداقة، بحيث إن أغلب من أشرف عليهم أصبحوا أصدقاء أوفياء له.

ومن واجبي الإقرار بأن هذا الرجل كان له الفضل الكبير في عودتي إلى متابعة دراستي الجامعية بكلية الآداب بالرباط؛ ذلك أنني سنة 1982 كنت مازلت أتهجى عملية البحث والكتابة والنقد؛ وفي سياق تراجيدي، أو على الأقل هذا ما شعرت به وعشته في تلك السنة بسبب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وما عاناه اللبنانيون والفلسطينيون من حصار ودمار جراء آلة الحرب الهمجية الصهيونية، نشرت مقالا مطولا في المجلة البيروتية «دراسات عربية»، أناقش فيه موضوعات عدة، وكتبت في هامش من هوامشه ما يفيد نقدًا لأساتذة الفلسفة في شعبة الرباط؛ لاسيما أنني، مع أصدقاء لا ينقصهم التكوين والكفاءة، وجدت حائطا معرقلا منعني من الحصول على شهادة الدروس المعمقة مرتين، عِلما أن الأستاذ الجابري كان يمنحني، في كل مرة، نقطة موجبة للنجاح. اختلط الإحباط، حينها، بالرغبة في تأكيد الذات، بالمناخ المأساوي، وقررت الابتعاد، تماما، عن كلية الآداب بالرباط؛ إلى أن التحقت بمجلة «الوحدة» سنة 1985 بصفتي محررا متفرغا في هيئة تحريرها، وهكذا تحولت من طالب مُنع من متابعة دراسته الجامعية لأسباب ليست بيداغوجية البتة إلى مُحرر قد يقبل أو يرفض مقالات أساتذته بالمجلة.

كان معنا في هيئة التحرير المرحومان أحمد المجاطي ومحي الدين صبحي، والأستاذ أحمد اليبوري، وآخرون، إلى أن التحق بنا الأستاذ محمد سبيلا. وفي نهاية أحد اجتماعاتنا استفرد بي محمد سبيلا وسألني، بطريقة لا تخلو من دهاء، هل كنت أنتمي إلى حزب سياسي، أجبته بما يفيد بأنني تعلمت قسطا من السياسة في العمل الجمعوي، وفي تجربة تنظيمية محدودة في أواسط السبعينيات؛ أما ما عدا ذلك فإنني لا أجد في دواخلي ما يكفي من شروط الانضباط للاستجابة لكلمات الأمر التنظيمية؛ ثم انتقل بي مباشرة إلى الحديث عن الدراسة الجامعية وابتعادي عن كلية الرباط. شرحت له الأسباب، وأخبرته بأنني أنوي متابعة دراستي بالسوربون، فضلا عن أنني عبرت له عن بعض الحرج الذي كان ينتابني تجاه بعض الأساتذة الذين كنت قاسيًا معهم في مقالي المشار إليه أعلاه.

منذ هذا الحديث شعرت أن محمد سبيلا جعل من موضوع عودتي إلى متابعة الدراسة بكلية الرباط قضيته الشخصية، وقد نجح في ذلك، ومهد لي كل شروط المصالحة مع هذه الكلية..

اجتزت شهادة الدروس المعمقة، وأشرف على بحث دبلوم الدراسات العليا في موضوع «الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة؛ نموذج هابرماس»؛ وبفضل ذلك التحقت بكلية الآداب ابن امسيك في زمن العميد المُؤسس الصديق حسن الصميلي، إلى أن انتقلت سنة 1995 إلى شعبة الفلسفة بالرباط، أستاذا مُدرسًا وزميلا لأساتذة تعلمت من بعضهم الكثير.

من جهة أخرى فإن محمد سبيلا يمثل نخبة من المجتهدين الذين لم ينساقوا، بسرعة، وراء نزوعات اختراق شعب الفلسفة وتحريفها، قليلا أو كثيرا، عن الانشغالات الكبرى لهذا الحقل الفكري.

ابتعد عن حُمى تاريخ العلوم وفلسفتها على الرغم من أهمية الدرس الإبستيمولوجي في نشأة وتطور المفاهيم؛ وتبرم، نسبيا، من الانخراط الجماعي في الدراسات التراثية، مع إدراكه العميق لرهاناتها الإيديولوجية والسياسية في الصراع الفكري؛ فهو أصر، دوما، على تقديم مساهمات نظرية في الفلسفة والعلوم الإنسانية بهدف تقعيد النظر المغربي والعربي إلى الذات والمجتمع والسياسة والعالم، وضخِّه بما هو مناسب من انفتاحات فكرية ونظرية للكشف عن أعطاب هذا النظر وتفهم آليات اشتغاله المعلنة واللاواعية؛ ومن أجل ذلك عمل بتفان لا محدود على تعريب الأسس الفلسفية للحداثة لمحاربة الفهم الاختزالي لمقوماتها، وقدم تشريحا لتناقضاتها في سياقنا المغربي، ومساءلة لثنائياتها المتأرجحة بين الاستلاب والتحرر، الوحدانية والتعدد.

هكذا لم يكن محمد سبيلا شخصا عاديًا أو مجرد كاتب ومثقف عصري يبشر بالعقل والحرية والتنوير، أو كان يمثل أحد الخصوم الطبيعيين لكل أشكال الأصولية التي تشوش على التفكير، والإبداع، وعشق الحياة؛ وإنما كان أستاذا كبيرا وصديقا يستحق الكثير من التقدير والعرفان والاعتبار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

16
  • معلق
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 00:36

    و في المحافظة العقارية التنقلات تسجل الكثير من الخرقات لن تنتقل الا اذا كنت تعرف احد او تدفع المدفوع، انتقلات بالجملة لباك صاحبي و ولد الشعب لن ينتقل حتى يموت

  • وداعا دكتور
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 01:01

    أولا تعازينا الحارة لعائلة الدكتور محمد سبيلا الصغيرة والكبيرة.. رحيل مثل هذه القامات أمر مؤلم.. لكن الأكثر ايلاما أن الدولة المغربية غير واعية بحجم هذا الفقد.. في العشر سنوات الأخيرة فقدت المملكة المغربية عشرات القامات الفكرية في العلوم الانسانية و ميادين البحث الاجتماعي والدراسات الفلسفية.. أي قمم من أفضل ما أنتجت الجامعة المغربية منذ السبعينات.. ولذلك على الجامعة المغربية اليوم أن تستعيد قوتها الفلسفية التي عرفت بها في الستينات والسبعينات و الثمانينات و التسعينات.. وأمثال الدكتور سبيلا ساعدوا نخبة المجتمع من جميع الاتجاهات الفكرية على فهم أحسن لدولتهم ولنظامهم و لتاريخهم و لحضارتهم و لجوارهم وللعالم.. مما جعل رؤية المستقبل تكون أوضح.. نتمنى أن يطلق اسم الراحل على أكبر المدرجات و أن تجمع مؤلفاته و تطبع و تنشر فهي جزء من ذاكرة رجال هذه الأرض الولادة.. ونتمنى من الدولة أن تفهم أن جزءا كبيرا من مناعة المجتمع المغربي اليوم هو نتيجة للفكر الفلسفي و مناهج العلوم الانسانية.. أي جزء من حصانة بناء الدولة القوية.. رحم الله واحدا من رجال المغرب الأبرار ومفكريه الأخيار..

  • عيسى بن تعيمة الرحالي
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 01:26

    شرح الواضحات من المفضحات كما يقال حيث يختلط الذاتي الصرف بالموضوعي مثلا : “وأخبرته بأنني أنوي متابعة دراستي بالسوربون،” الخ الخ…و قال اخر في مكان اخر عن اخر ” و كان له الفضل الكبير اني ولجت الى جامعة نيويورك” الخ…و اخر عن اخر “و كان له الفضل في انني تسجلت في جامعة طوكيو” الخ…. اختلاط الحابل بالنابل، المرض بالواقع… استحالة التجرد من الاوهام…بدل استذكار مجرد انساني و فقط و كلنا كانت لنا مع الفقيد ذكريات…لكن…ينبغي عدم استعمال الاحداث لامور اخرى و البقاء صافيا انسانيا نقيا بعيدا عن اطماع بسيطة و اوهام بئيسة لا تصمد امام الواقع العنيد و واقع النفس البشرية المتقلبة…

  • عفريت سليمان
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 01:32

    رحم الله الفقيد و رزق أهله الصبر و السلوان، هذا من جهة.
    من جهة أخرى يحز في النفس ألا نرى تغطية إعلامية جيدة و مشرفة للعديد من المفكرين و الكتاب و العلماء المغاربة خلال حياتهم، فالجرائد تتسابق لذكر أسماءهم عندما توافيهم المنيه فقط.

  • Hassan
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 01:38

    هذا المقال خير تأبين للفقيد . ترك علم ينتفع به و ترك طلاب يدعون له بالرحمة و المغفرة . اللهم ارحم من علمنا .

  • حسين عمري
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 01:44

    رحم الله الفقيد وأحسن أليه تعازينا لأسرته ومعارفه ومحبيه

  • رحم الله الفقيد
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 06:24

    الأستاذ المقتدر المتواضع محمد سبيلا و اسكنه فسيح جنانه ويلهم ذويه الصبر والسلوان .

  • رأي
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 08:04

    رحمه الله رغم أني لم أسمع عنه و عن أي إنجاز تركه ، المقال كله يتحدث عن كان له الفضل في سفري و في دراستي و …………

  • عبد السلام طويل
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 09:02

    شكرا جزيلا للأستاذ محمد نور الدين افاية على هذا العرفان الجميل و المستحق لرمز من رموز ثقافتنا المغربية والعربية والإنسانية المعاصرة المتميزين المرحوم السي محمد سبيلا رحمة الله تعالى عليه رحمة واسعة..
    لقد كان رحمه الله ممن نجحوا في المزج الرفيع والجمع بين مقامين؛ مقام المعرفة في أنضج وأرقى صورها، ومقام الانسانية في أبهى وأعمق معانيها..

  • منصف
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 09:58

    عجبت لصاحب التعليق رقم 3 عيسى الرحالي الفهامة، وهو بحهل جهلا سريعا اننا حينما نتذكر من نحب في مقام العرفان فلا يمكن ان نتذكرههم الا في صلتنا بهم، وهذه الصلة الإنسانية هي ما يعطي للعرفان معناه…خاصة افصالهم واياديهم البيضاء علينا..

  • دفاعا عن العقل والحداثة
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 10:19

    نعي يؤصل لثقافة الاعتراف، والوفاء للذكرى الطيبية لفقيد الفكر المغربي محمد سبيلا…عزاؤنا واحد، عل وعسى تخرج إلى الوجود مشاريع تراكم لما بدأه سبيلا من افكار دفاعا عن العقل والحداثة

  • wind city
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 12:54

    الأقلية هي من تعرف حجم خسارة الرائد محمد سبيلا الذي يعتبر من المفكرين العظام رحمه الله

  • باسم الله
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 15:59

    رحمة الله عليه رحمة واسعة
    جلست امامه بداية تسعينيات القرن الماضي لمناقشة بحث لنيل الاجازة في الفلسفة تحت عنوان ” الحداثة السياسية في الفكر العربي المعاصر’
    مفكر هادئ تشربت نفسه الحداثة حتى صار يقترن اسمه بها
    ولقد افضى الى ما قدم – اللهم ارحمه رحمة واسعة – امين

  • عبد الكبير ساوي
    الأربعاء 21 يوليوز 2021 - 20:02

    عزاؤنا اولا لعائلة المرحوم انا لله وانا اليه راجعون كان فيلسوفا حداثيا ايقونة الفكر والايديولوجيا يشتغل في صمت ترك فينا كطلبة بصمة التغيير وغربال التفكيرلم نشعر بقيمة قيمه وفكره الى جانب هامات وقامات بنفس الجامعة الابعد ولوجنا مضامير الممارسة الميدانية صدقات جارية يجزى عليها رحمة الله عليه

  • بالاك
    الخميس 22 يوليوز 2021 - 01:37

    لا اجد الا الكلمات المختزلة لاعبر بدوري على تعازي الحارة لدوي الفقيد وعائلته الكبيرة والصغيرة .

  • احمد علي
    الجمعة 23 يوليوز 2021 - 21:07

    ثقافة الاعتراف في ابهي تجلياتها،في زمن الجحود والنكران مطابقا للمثل المغربي الشهير:
    “اللي قطع الواد كينشفو رجله”

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح