أكاديمية المملكة تستعيد "الدينامية المتوسطية" في "المغَارب والأندلس"

أكاديمية المملكة تستعيد "الدينامية المتوسطية" في "المغَارب والأندلس"
صورة: أرشيف
الجمعة 9 أبريل 2021 - 04:32

استعادة لـ”الدينامية المتوسطية” في إطار سلسلة المحاضرات التمهيدية للدورة السابعة والأربعين لأكاديمية المملكة المغربية التي ستوضع فيها منطقة البحر الأبيض المتوسط أفقا للتفكير، استقبل مقر الأكاديمية محاضرة معنونة بـ”القنطرة الثقافية عبر البحر الأبيض المتوسط: المغرب العربي والأندلس”.

ألقى هذه المحاضرة باللغة الإنجليزية الأكاديمي المغربي المتخصص في تاريخ الغرب الإسلامي والأندلس امحمد بن عبود، وهي محاضرة تمهيدية تلت أولى المحاضرات المبرمجة بمقر أكاديمية المملكة بالعاصمة الرباط التي ألقاها تييري فابر، مدير برنامج المتوسط بمعهد الدراسات المتقدمة بمارسيليا، بعنوان “البحر الأبيض المتوسط سعي لسياسة فكرية جديدة”.

“إحياء الروح المتوسطية”

نبّه عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، إلى أهمية استرجاع “الدينامية المتوسطية” والعمل على إغنائها “من خلال تلاقح الشباب والفاعلين الجمعويين والمثقفين والمبدعين لإضفاء معنى جديد ومستجد على الفضاء المتوسطي”.

وقال لحجمري إن السعي إلى “بناء وعي حضاري يرى في الحضارة ثمرة لعبقريات مختلفة، ومصدرا لتفاهمات وحوارات لا مصدرا للجهالات والصراعات”، ينطلق من “قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)”، ويستحضر ما أنتجته “هذه الحضارة المتوسطية (…) المتعايِشة بمختلف هوياتها” مِن “أصوات متوسطية داعية للقيم الكونية وللحكمة والمحبة والتسامح”.

وفي كلمته الافتتاحية لمحاضرة الأكاديمي امحمد بن عبود، وضح أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة أن هذا الموضوع يندرج فـي سياق “الانشغال الاستراتيجي الذي يحتل الأولـوية فــي خطـط العهد الـجديد من تاريخ الإشعاع الفكري للأكاديمية، خاصة بعد إقرار الهيكلة الجديدة المنفتحة على القضايا والتساؤلات الحضارية الكبرى”، المسترشدة بالتوجهات الملكية لراعي الأكاديمية الملك محمد السادس.

وذكّر لحجمري بتنظيم الأكاديمية، منذ انطلاقتها الـجديدة، دورات حول أفريقيا وأمريكا وآسيا، “تعزيزا للمشترك الإنساني، وتعميقا للحوار الـمحترِم للتنوع والاختلاف بين الثقافات والحضارات والديانات”.

ثم أضاف: “في هذا المنحى الاستشرافي ستعقد أكاديمية المملكة المغربية دورتها السابعة والأربعين حول موضوع: البحر الأبيض المتوسط أفقا للتفكير، وعيا منا بأن هذا الفضاء (…) ليس مجرد مساحات مائية شاسعة تسكن على ضفافها مجتمعات إفريقية وأوروبية وعربية، بل هو إلى جانب ذلك مهد للديانات السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية واليهوديـة، ومنبت لحضارات إنسانية كالحضارة البابلية والآشورية والمصرية والإغريقية والفارسية والرومانية والإسلامية والغربية”.

هذا الغنى الحضاري، يزيد لحجمري، جعل البعض يعتبر المنطقة المتوسطية “مركز العالم”، فـ”هذه الحضارات التي أنتجت عبقريات فلسفية وعلمية وفنية، وبنت عمارات ومكتبات وجامعات، نبغت فيها ألوان الصنائع والفنون والعمارة والفلاحة ونمط العيش، بعقلها الذي رأى فيه بعض الباحثين عقلا متميزا غدّى النظريات والمذاهب والتيارات بعمق استقصائه، وجماليات فنونه، وشمولية رؤاه.”

وقال أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة: “من المعلوم أن للمغرب علاقة حيوية ببعده المتوسطي، في الماضي وفي الحاضر”، وأنه قد شكل “دائما منطقة عبور ولقاء للعديد من الجماعات والأجناس المتطلعة إلى فضاءات للاستقرار والعيش”، وأضاف أن المغرب “لعب عبر تاريخه الطويل أدوارا فاعلة واستراتيجية في سياق العلاقات الدولية، وبخاصة في الحوض الغربي منذ مطلع الألفية الثانية، ولا سيما في عهد الموحدين والسعديين”، ثم “مع بزوغ إشراقة الدولة العلوية، باتت الرؤية المتوسطية المغربية ثلاثية الأبعاد والاختيارات، تضم أوروبا والمجال المتوسطي وأفريقيا، هدفه من ذلك تعميق التفاعل الحضاري والثقافي معها.”

واستحضر المتحدث “حضارة البحر الأبيض المتوسط التي يعود تاريخها إلى أزيد من 9000 عام قبل الميلاد، والتي تتميز بتنوعها العرقي والبيئي واللغوي والديني والثقافي”، وتشكل “كتابا مسطورا وعمرانا منظورا” يستحق من المُنَظِّرِين الاستراتيجيين وبناة الـحضارات “أن يقفوا متأملين فـي ما حملته معابرها للخبرات والتجارب، وممراتها للثقافة والحضارات، وما نقلته قنطرتها من غنى فـي الثقافة والخبرات الإنسانية أسهمت بها فـي تكوين الحضارة التي تسكننا ونسكن فيها.”

ولا جدال، بالنسبة للحجمري، في أن الفضاء المتوسطي “ما يزال يعرف صعود تيارات انعزالية وتراجعا أوروبيا في الترتيبات الجيو-استراتيجية الجديدة، وتصدّعا في بعض بلدان الضفتين الجنوبية والشرقية”، لكن هذا يدعو إلى “التماس الفكر، والإعلاء من الشأن الثقافي وإحياء الروح المتوسطية”.

جسر ثقافي

امحمد بن عبود، أستاذ باحث متخصص في تاريخ الغرب الإسلامي والأندلسي، حاول استكشاف منطقة البحر الأبيض المتوسط بوصفها “جسرا ثقافيا”، وتوقف عند الروابط الثقافية بين الأندلس وبلاد المغرب، وما جمعهما من “عوامل موحِّدَة”، دينية ومذهبية ولغوية واجتماعية واقتصادية وتعليمية.

وتحدث المحاضر عند “فكرة المتوسط كمنطقة متجانسة”، ورؤية المؤرخين لها، منتصرا للأطروحة التي ترسخ “تجانس المنطقة”، نظرا لـ”الحقيقة التاريخية، والآثار التاريخية التي تركتها”، ونظرا لأنه رغم “تفرق المتوسط بين الأندلس والمغرب، لكن بكثير من الطرق كانا مرتبطين”.

ورغم “المفارقات المتعددة” بين الضفتين التي يجب “تقبُّلُها من طرف المؤرخ”، يقول الأكاديمي بن عبود، فإن الحرب والسلام “لا يستمران دائما”، واستحضر التعايش الذي عرفته منطقة المتوسط، وعدم وجود “تناقضات بين الأندلس وبلاد المغرب” تاريخيا.

واستعرض المؤرخ ذاته أهمية المتوسط الذي كان “مجالا مشتركا”، معددا بعض مناطقه التي لعبت دورا اقتصاديا مهما في المنطقة، مثل جبل طارق، وطنجة وتطوان وسبتة، والجزيرة الخضراء (الخزيرات)، والإسكندرية، ومناطق أخرى في تركيا وإيطاليا.

وقال بن عبود إن المذهل في علاقة الأندلس بالمغارب هو “تبادل الأفكار”، في وقت كانت فيه “العربية لغة الثقافة”، وهو ما ساهم فيه “سياق روحي”؛ فـ”الحج جعل المنطقة معبرا”، والمذهب المالكي، والتجارة التي جعلت التجار يلتقون بعضهم بعضا من أجل التبادل.

وذكّر الأكاديمي بما عرفته الأندلس من تطور بدرجة كبيرة في “مناهج العلوم والأدب”، وما شهدته من “توليد كبير للأفكار”، قبل أن يجدد التأكيد أن “العامل التاريخي الموحِّد كان حاسما”، وعلى رأسه دين “الإسلام”.

ولتأكيد أن منطقتي المغرب والأندلس كانتا “واحدا”، استحضر امحمد بن عبود مثال صاحب “المقدمة” ابن خلدون الذي يعود أصل عائلته إلى إشبيلية الأندلسية، ووُلد في تونس، وكتب جزءا من المقدمة في الجزائر، ليعود بعد ذلك إلى الأندلس، حيث “كانت منطقة واحدة ولا وجود لجوازات السفر”.

وزاد المحاضر قائلا: “كل المصادر الأولية في الأندلس بالعربية، والإسبان لا يفهمون هذا، ففي القرن الحادي عشر كانت العربية متطورة جدا وتعرف وفرة في الكلمات، في وقت لم تكن فيه الإسبانية مكتوبة”.

وأبرز بن عبود أن “الأندلس بالنسبة لنا مثل الفلسفة الإغريقية بالنسبة لأوروبا؛ بمعنى أنها استمرت في الازدهار رغم سقوط غرناطة وطرد المسلمين واليهود”. ومن بين أوجه هذا الاستمرار في التطور، “الطرق الجديدة في بناء المنازل الأندلسية، في مدن مثل تطوان”.

وعاد الأكاديمي إلى تاريخ المتوسط الذي عرف “تواصلا مستمرا بين مناطق متباعدة”، لعوامل موحِّدَة عديدة، “دينية مثل الحج، وعوامل لها علاقة بالمجتمع والسياسة والثقافة”. ووقف عند المذهب المالكي بوصفه “عاملا موحدا مهما”، “ليس فقط في المرحلة المرابطية، بل العلوية أيضا”، قبل أن يذكّر بكون “فقه النوازل المرتبط به، مصدرا مهما للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي لبلاد المغرب والأندلس”.

وزاد المتحدث قائلا: “جعل قرب الأندلس من بلاد المغرب والمغرب، هذا المجال، منطقة واحدة، وبلدا واحدا، بنظام تعليمي واجتماعي واحد، فيه نفس الأقليات”، وبالتالي “لدينا قرون عديدة من التاريخ المشترك (…) ورغم الحروب كان هناك أيضا سلام”.

وخلص المحاضر إلى أن المغرب إذا كان قد غزا الأندلس عسكريا، فإن الأندلس قد غزته ثقافيا، ووُلِدَ “جسر ثقافي”.

وعبّر الأكاديمي المغربي عن أمنيته أن تصير منطقة المتوسط “مجال سلام”، قائلا إن “أول خطوة لتحقيق أهدافنا، البدء بالحلم”، موردا أن “لنا منطلقات تاريخية قوية لبناء هذا (الحلم)، لن نحتاج معه أن يقول لنا باحث أجنبي مستقبلا إن هذا جزء من إرثنا الثقافي”.

وجوابا عن سؤال للأكاديمي ووزير الثقافة سابقا بنسالم حميش، طرحه بأكاديمية المملكة، حول نوع التسمية التي يفضلها المحاضر: “أَمغربٌ عربي” أم غيرها؟ قال الأكاديمي امحمد بن عبود: “ندافع عن بلدان مغربٍ موحدة، ولْنُسَمّ ذاك الاتحاد كما شئنا، فلا معنى لأن تبقى هذه البلدان متفرقة، لا تاريخيا ولا اقتصاديا، ولنسمها ما شئنا بشرط واحد فقط هو ألا نُفَرّق المنطقة”.

وأضاف بن عبود: “لنا لغات متعددة ودوارج (…) ولكن لا أحد يمكنه أن ينكر دور العربية، وتطليق العربية تطليق لأنفسنا من جزء كبير من هويتنا الثقافية، وكُتِبَ التاريخ وغير التاريخِ في الأندلس بالعربية قبل أن يبدأ كتابة الإسطوغرافيا الإسبانية بالإسبانية”، وبلاد المغرب “بلد بصيغة الجمع، فيه لغات متعددة وأعراق متعددة، وتَنَوُّعُنا قوتنا، ومن العبث تعريف نفسك بعرقك في سنة 2021”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • Me
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 08:30

    ها هما غادي بداو اصحاب الحركات اللي على بالكم .انطلاقة

  • amin
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 09:26

    تاريخيا لا يوجد شيء اسمه المغارب هناك المغرب فقط، لا تقحموا السياسة في التاريخ و شكرا

  • معلومات مغربية أندلسية
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 09:33

    هناك قناة ثقافية مغربية رائدة على يوتيوب تهتم بالشأن الأندلسي المغربي و اسم القناة “معلومات مغربية أندلسية”. أنصح الجميع بالاشتراك فيها.

  • ناصر
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 11:54

    تسمية منطقتنا بالمغرب العربي عنصرية قذرة و تزوير واقصاء للساكنة الاصلية للمنطقة اما العرب فالبحر الاحمر هو حدودهم الغربية – بركا من تقلاز الهضرة

  • المصطلحات غير بريئة 1
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 12:35

    مرة اخرى يخرج تقرير يتحدث عن ندوة منزوية انتقائية بين اناس يذكرون على رؤوس ألسنتهم التنوع ولا نرى منه الا الراي الواحد المتعصب الذي تعودنا عليه حتى القرف، راي ينظر الى العالم كله من ثقب العروبة المتطرفة، في عهد عفى الزمن على مثل هذا التوجه المريض، وفي مؤسسة يفترض فيها المقاربة الوطنية اولا ثم الموضوعية ثانيا ثم الادماج وليس التهميش ثالثا، تمشيا مع توجهات دستور المملكة روحا ونصا.

    وكانما صارت اكاديمية المملكة المغربية سوق عكاظ لمدرسة شكيب ارسلان تقيم طقوسها على حساب اموال المملكة المغربية ممعنة في تهميش جزء عظيم من شعبها وحالمة بما يجول بخاطر الباحث والوزير السابق المعروف بتطرفه بنسالم حميش عندما يطرح سؤاله حول “المغرب العربي”.

  • الهاشمي
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 12:43

    وحتى لا تنسى الجارة الشمالية أن التاريخ يوم لك ويوم عليك وتلك الأيام نداولها بين الناس، والحضارة المغربية العربية الأمازيغية الإسلامية راسخة ولا يمكن طمس معالمها.

  • المصطلحات غير بريئة 2
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 13:04

    اهل العلم يعرفون ان شمال افريقيا ما زالت تبحث لها عن تسمية موضوعية غير مهمشة لاحد ودامجة للجميع، لا يقتصر على اثنبة دون غيرها او للغة دون غيرها او ثقافة دون غيرها او حقبة تاريخية دون غيرها، بمقاربة وصفية بحثة جامعة تميز جغرافيا هذه المنطقة من العالم. وهو موضوع يستحق تركيز وتمويل اكاديمية المملكة المغربية، وذلك لان تسمية “المغرب العربي” واضحة العيوب بما لا يحتاج الى تفسير، وقد ماتت حتى سياسيا، لم تعد تستخدم الا اضطرارا مع حسن النية او كيدا مع سوئها.

    كما ان اهل العلم يدركون الاشكالية التي يطرحها الامازيغ في مجالهم التاريخي والجغرافي، من سهولة اندماجهم وهضمهم للثقافات الواردة على بلادهم والتماهي مع غيرهم، حتى ان البعض يفسر ذلك بالخنوع او انعدام الشخصية، الى ان يتشكل لديهم قناعة ان الوارد يبيت لهم نوايا الابادة بانواعها، او الاستهتار او الاستهزاء، فيفاجئون المعتدي بصلابة المقاومة واستجثاث المعتدي.

    لذلك وجب تنبيه الغافل عن هذه الامور لعل الذكرى توقض ذوي الالباب.

    B

  • موريسكوس
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 16:33

    لم تقدم الاكاديمية بعد محاضرة السيد عبد الرحمن طه اي ش قد تاتي عليه الذكرى ربما الجائزة التي احرزها الحجمري ربما نوعية في مقامها لكن للحقيقة الاكاديمية اخفقت قبل قدوم الوباء و قد كان الحضور ضئيلا و بعد الجائحة بالتباعد بالتعامل بالبحوث بالاكاديمية و الدكتور طه كانت له تلك الخرجة في الائتمانية تلت خرجته في الناسوتية فما خبر الرجلين

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل