إعدام الوحوش القتلة عدالة إلهية وليس وحشية

إعدام الوحوش القتلة عدالة إلهية وليس وحشية
الجمعة 18 شتنبر 2020 - 19:01

بسم الله الرحمان الرحيم،

أثارت الجريمة البشعة والوحشية التي نفذها وحش بشري في حق الطفل عدنان رحمه الله وصبر والديه وأقاربه، جدالا في موضوع العقاب، وبالخصوص عقوبة الإعدام لمرتكبي مثل هذه الفظائع في حق الأطفال، أو في حق الأصول، أو في حق الشيوخ والعجائز… من قبيل ما يسمى في القانون ظروف التشديد، وبرز على سطح النقاش مصطلح الوحشية الذي وصف به المواطنون الجريمة من مختلف المشارب الفكرية والثقافية، بعفوية وتلقائية ومنطق سليم، وطالبوا بإنزال أشد العقوبات، ومنهم من طالب بإعدام الوحش الجاني، ولكن طلع علينا عصيد وقبيلته بوصف هؤلاء المواطنين بأنهم أكثر وحشية من المجرم… مبررين موقفهم بما يقدسونه من حقوق الإنسان… ولو كان هذا الإنسان مجرما يشكل خطورة على المجتمع وأمنه، وقد رد عليه كثير من أهل العلم والفقه والفكر والقانون، مما يؤكد شذوذ فكر الرجل وقبيلته، وحرصه على الخوض في كل نازلة اجتماعية بأسلوب فج مستفز مثير للانتباه والردود، ولعله يستمتع بذلك، وكأنه يقول للناس نحن هنا، ولنا أفكار مضادة لأفكاركم مهما كانت الظروف والأحوال، ولو في أشد فترات الحزن فاستعدوا لاستفزازاتنا، ومهما كانت أفكاركم صائبة ومقنعة فلن نقبلها بل سنصفها بأقبح النعوت نكاية فيكم، وفي المرجعيات التي تنطلقون منها، ولو كانت قرآنا أو سنة أو قوانين وطنية، فلا نعترف بشيء من ذلك، فإذا حصل الإجماع الوطني على تصنيف الجريمة على أنها فعل وحشي، نفذه وحش في صورة البشر، فالمطالبة بعقاب الجاني بأقصى العقوبات بما فيها الإعدام ليس وحشية، بل هو العدالة أو بعض العدالة، وإنما الوحشية في الدفاع عن الوحشية وتبريرها، فمن يدافع عن الوحش وحش، وقبيلة الوحوش تتضامن في ما بينها ظالمة أو مظلومة، لأن من يصف الرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين بالإرهاب، كيف ينتظر منه الورع في وصف غيره بما يحلو له من الألفاظ القبيحة المستفزة بما فيها “الوحشية”؟ فإذا كان حق الحياة مقدسا، فمعناه وجوب احترام الجميع له، ومن لم يقدسه لا ينبغي أن يقدس حقه هو في الحياة، من باب العدل والمعاملة بالمثل، وعدد كبير من القوانين في العالم شرعت عقوبة الإعدام في الجرائم الخطيرة، رغم أنها لم تنطلق في مرجعيتها من خلفية دينية، بل الدول الأكثر بعدا من الدين من أكثرها تطبيقا للإعدام من قبيل الدول الشيوعية… وتشير الإحصاءات إلى قلة الجرائم في هذه الدول بالمقارنة مع غيرها التي لا تطبق الإعدام، مما يؤكد أهمية العقوبة الرادعة في كبح جماح الإجرام، وضمان عيش الناس في أمن وسلام، وبالرجوع إلى شريعتنا الإسلامية، ومصدريها القرآن الكريم والسنة النبوية، نجد التصريح بالإعدام في مجموعة من الجرائم، من أبرزها: القتل العمد في حال عدم رضا أهل المقتول بالدية، قال الله تعالى: “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب” (البقرة 179) فقد يقول قائل: كيف يكون في معاقبة القاتل بالقتل حياة؟ والجواب أن في تخويف المجرمين بعقوبة القتل “الإعدام”، منع لهم من قتل غيرهم، وقتلهم عقابا على جرائمهم، فتصان حياة الضحايا المحتملين، وحياة القتلة المفترضين كذلك، فيقل القتل في المجتمع، فتصان الحياة بصفة عامة، وهذا هو التقديس الحقيقي لحق الحياة، وليس بإطلاق أيدي المجرمين تعيث فسادا، فيعيش الناس في الرعب، وإذا تورط وحش منهم في جريمة ينعق الناعقون بأن حق الحياة مقدس والإعدام ليس حلا…

ومن أقوال المفسرين في هذا المعنى قول الواحدي: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ أَيْ: في إثباته حياة، وذلك أنَّ القاتل إذا قُتل ارتدع عن القتل كلُّ مَنْ يهمُّ بالقتل فكان القصاص سبباً لحياة الذي يُهَمُّ بقتله، ولحياة الهامِّ أيضاً، لأنه إنْ قَتلَ قُتل ﴿يا أولي الألباب﴾ يا ذوي العقول ﴿لعلكم تتقون﴾ إراقة الدِّماء مخافة القصاص.

وقول البغوي: “قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ﴾، أَيْ: بَقَاءٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاصِدَ لِلْقَتْلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَتَلَ يُقْتَلُ، يَمْتَنِعُ عَنِ الْقَتْلِ، فَيَكُونُ فِيهِ بَقَاؤُهُ وَبَقَاءُ مَنْ هَمَّ بِقَتْلِهِ، وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ: الْقَتْلُ أَنْفَى لِلْقَتْلِ.

ومنها ما يسمى في الفقه الإسلامي عقوبة الحرابة، والتي تتحقق بترويع الناس وحمل السلاح عليهم، والاعتداء على أرواحهم وسلب أموالهم بالقوة، قال الله تعالى: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (المائدة 33).

قال ابن كثير في تفسير الآية: ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان (الطرق) على السواء لقوله: “ويسعون في الأرض فسادا” وهذا مذهب مالك والأوزاعي والليث بن سعد والشافعي أحمد بن حنبل حتى قال مالك: “- في الذي يغتال الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله، ويأخذ ما معه- إن هذا محاربة، ودمه إلى السلطان لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل” .

فيلاحظ في أقوال أئمة المذاهب استثناء من يغرر بالضحية حتى يدخله بيته فيغدر به ويقتله من عفو أولياء المقتول، على خلاف جريمة القتل في غير هذه الظروف. وهو وصف أشبه بصنيع قاتل عدنان.

كان ما سبق بخصوص العقوبة، ولكن مما لا بد من التنبيه عليه قبل الوصول إلى العقاب، وما يسمى في شريعتنا بالحدود، ومنها حد القتل وحد الحرابة أمور منها:

1- منهج الإسلام في ضبط سلوك الإنسان وتقويمه يعتمد أساسا على التربية الإيمانية التي تربط المؤمن بالله، فيحرص على ما يقربه من الله ويكسب به أجرا ويدخله الجنة في الآخرة، ومن ذلك نفع الناس ونفع المخلوقات، وأن في كل كبد رطبة أجر، وأن الله غفر لرجل سقى كلبا… وعذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت… كما ورد ذلك في الأحاديث المشهورة. فهذا هو وازع القرآن الذي يخاطب الناس بتقوى الله واستحضار مراقبته واستحضار الجزاء في الآخرة، ويعمل خطاب الأجر والثواب، والحلال والحرام، والترغيب والترهيب … وكلما ضعف الإيمان والوازع الديني كثرت الجرائم باختلاف أنواعها، وهذا الوازع هو سر تفوق الشريعة على القوانين الوضعية، التي لا تخاطب الناس إلا بالعقوبات الدنيوية، وأغلبها عقوبات سجنية لا تحقق عنصر الردع الضروري للتخفيف من الإجرام …

2- الحدود والعقوبات المشددة التي جاءت بها الشريعة، أغلبها شرع في آخر العهد المدني، فأكثرها في سورة المائدة التي يعتبرها أهل العلم من أواخر السور نزولا مما يؤكد سنة التدرج في التشريع، وما سبق من تقديم الإسلام للتربية الإيمانية لتعمل عملها في النفوس تهذيبا وفي السلوك تقويما، وعندما لا يحقق وازع القرآن حماية الحقوق والأرواح يتدخل وازع السلطان لردع المعتدين، ليكونوا عبرة للمبتدئين والمخططين والمفكرين في ارتكاب الجرائم…

3- لا ينكر عاقل ما للجهل والأمية وما يتفرع عنهما من ظواهر في الفكر والتصور للحياة والحقوق… من أثر في تفريخ الإجرام، وقدمت الشريعة علاجا لهذه الآفات بالحث على التعلم والقراءة، وبذل الجهد في طلب العلم وتحصيله وتعلميه… مما يشغل عددا كبيرا من أفراد المجتمع بما ينفع بدل الفراغ والبطالة… التي تفتح المجال لأنواع من الانحرافات التي تكون عادة مقدمة للإجرام، وهنا ينبغي التذكير بالحجم الكارثي للهدر المدرسي والجامعي، إذ تغادر عشرات الآلاف من التلاميذ والطلبة مقاعد الدراسة إلى مسارات مجهولة… وتبقى الجهود المبذولة في علاج الظاهرة ضعيفة الأثر مما يستدعي تعبئة مجتمعية لعلاجها ومنع أسبابها…

4- العقلاء تصدمهم أخبار الفظائع وسلوكات الوحوش، لسبب بسيط أنهم في كامل وعيهم، وموازينهم سليمة، وما صدر من الوحوش لا يقبله عقل سليم، هذه المقدمة ضرورية لإثارة مشكلة سلامة عقول هؤلاء وما هي عوامل فقدانهم لميزان العقل في تصرفاتهم؟ وهذا ينبغي أن يعجل بتعبئة مجتمعية أخرى لا تقل عن سابقتها لمحاربة المخدرات والخمور والأقراص وغيرها مما لا يعرفه العامة من أنواع السموم القاتلة للعقول… والتي تحول بعض الشباب إلى ذئاب، فمنهم من فتك بأمه التي حملته وأرضعته وربت الوحش الذي افترسها عندما كبر.

5- معالجة المبررات الاجتماعية من فقر وبطالة وهشاشة… بتشجيع الشباب على العمل والإنتاج… وتيسير الاستثمار وتشجيعه… وفي هذا الباب مشاريع وطنية كبيرة منها المفعل، ومنها ما هو قيد الدراسة… ينبغي السهر على إنجاحها ومحاسبة من يعرقل نجاحها، لأن تعثرها يكلف الوطن كثيرا…

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • ياسين
    السبت 19 شتنبر 2020 - 13:00

    نشرت مجلة The Atlantic مقالا سنة 2011 يروي قصة شاب أربعيني ظهرت لديه ميولات جنسية تجاه الأطفال، فبدأ يجمع القصاصات البرنوغرافية، كما لوحظت عليه سلوكات تحرشية نحو إحدى بنات أقاربه، فتم إخطار السلطات، فأودع بمؤسسة تأهيلية ملحقة بالسجن، فبدأ يتحرش بالعاملات هناك أيضا، وقد سبق له أن عبر عن رغبته الشديدة في التوقف عن هذه السلوكات لكن أقر بأن الأمر خارج سيطرته، وبعدها بدأ يراوده صداع في الرأس ما استدعي إجراء تصویر دماغي، وهذا ما كشف وجود ورم في القشرة الجبهية الحجاجي، فأرسل على الفور إلى للجراحة لإزالة الورم، بعدها عادت سلوكاته الجنسية إلى طبيعتها، لكن بعد سنة عادت تلك السلوكات السابقة لتراوده مرة أخرى فتم إجراء فحص دماغي جديد أظهر جزءا من الورم لم يتم استئصاله، فخضع للجراحة مجددا لاستئصال ما تبقی من الورم، فعادت حياته بعدها إلى طبيعتها هذه الواقعة (وغيرها كثير) تؤكد بشكل جلي أن التغيرات المفاجئة في مورفولوجيا الدماغ وتركيبته الكيميائية
    قد تؤدي إلى تحفيز سلوكات خارجة عن السيطرة وإلى فقدان شبه كلي لحرية الإختيار، والأكيد أنه لا زال لدى الطب والعلوم العصبية الكثير لاكتشافه في هذا المجال

  • محمد بن عبدالسلام
    السبت 19 شتنبر 2020 - 17:28

    لا يعلم تفسير و تأويل القران الكريم سوى الله عز و جل دون سواه, وغير ذلك لا يكون سوى رأي خاص بصاحبه . وكذلك العدالة الإلاهية : لا يعلمها سوى الله جل جلاله . قد ما يراه زيد عدالة الخالق , يراه عمرو ظلم البشر….خير مثال هي الحروب الحالية بين المسلمين …..لكن المسلم المومن يقول دائما : ما تشاؤون إلا أم يشاء الله…

  • Lamya
    الأحد 20 شتنبر 2020 - 07:24

    السلام عليكم

    بما ان الكاتب ذكر في المقال الاية الكريمة "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (المائدة 33)

    التي تتعرض لنقذ لادع و استنكار من طرف الحقوقيين الغير المسلمين, او من هم ضد التعذيب و القصاص او المعاملة بالمثل او ضد عقوبة الاعدام…فسيكون النقاش ساخنا. بالنسبة للمغرب ليست من مصلحته سياسيا استعمال هذه الاية. ليس القران طبعا في تناقض بدعوته الى الدخول في السلم كافة و هذه الاية, و لكن في هذا العصر النظرة الحقوقية للامور تغيرت, و هذا موضوع طويل جدا.

  • Lamya
    الأحد 20 شتنبر 2020 - 08:20

    كما يقول الله تعالى عما يصفون "الفتنة اشد من القتل". الاعدام يكون احيانا ارحم. بالنسبة مثلا لمغتصب و قاتل الطفل عدنان, الموت قد يكون ارحم له من الفضيحة الاعلامية و الحقد عليه في السجن…الى اخره. لكن حقوقيا ليس من الحكمة استعمال النصوص القرانية جزافا, بدون نقاش عميق جدا. خصوصا ان الاسلام متهم بالارهاب حاليا و الدول الاسلامية متهمة بعدم احترام حقوق الانسان.

  • Zoro
    الأحد 20 شتنبر 2020 - 11:25

    Halte au mensonge et à la rancune! A vouloir dénigrer et propager des divagations contre le professeur Assid, le scribouillard révèle son niveau patauge, en public, dans sa diarhée,

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء