النظير الاقتصادي والسياسي
بشارٌ سارق.. وعلاءٌ كاد أن يكون سارقاً.. سيف أيضا سارق وكان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح سارقا “رسميا”.. وقبل هؤلاء كان هناك قُصي وعدي.. لكني لا أعرف لماذا اختار لهم الزمان رغم إسرافهم أن يموتوا ميتة “الأبطال”.. لم تشوه جثتهم.. ولم تطُف صورهم مذمومين مدحورين أرجاء الدنيا.. صدام والتهم.. يمكن القول إنه كان على نفس القدر من الحُمق، الذي تمتع به القذافي إلى آخر لحظة في حياته مع فارق واحد وأوحد.. صدام شنقه الأمريكان ليس إكراما للعرب أو للعراقيين أو للمسلمين! بل فقط للقوة التي توفرت للأمريكان ومن معهم آنذاك ضد صدام.. ليس صدام النظام.. وإنما صدامٌ الشخص!
سرقة الزعامة من أجل الرئاسة، شبيهة بسرقة الزعامة، من أجل القيادة..! قد تكون هذه القيادة قيادة حزب، أو وزارة، أو قبيلة.. أو مؤسسة أو وظيفة برلمانية أو تمثيلية.. ولا تقل هذه السرقة في حجم الأضرار التي يمكن أن تتسبب فيها عن الأثر التي خلفها الرؤساء الزعماء الحمقى! في حالنا مثلا – والاختيار اعتباطيا، هذا النوع متوفر وظاهر للعيان أي نعم.. نظامنا الأسمى غير معني بالمثال فنحن ملكية وراثية أبا عن جد.. تعكر صفوها بعض الممارسات المحيطة بها كشأن كل مراكز السلطة والقرار عبر العالم وعبر التاريخ ولكن في مستوى أدنى، السرقة موجودة وأحيانا مرغوبة.. بل يمكن أن أجزِم “وأن أتحمل مسؤولية هذا الجزِم” أن زعامات “سُرقت” بدون كدِّ ولا تاريخ ولا جهد ولا إقناع.. وإلاَّ ما كان للبصري أن يكون لولا الفقيه البصري.. وما كان للمعطي أن يكون لولا عبد الرحيم وما كان لأمناء زعماء أن يكونوا لولا زعماء من قبيل علال الفاسي وعبد الكريم الخطابي وغيرهم.. لعبة النظير أو النظراء ثابتة في تاريخنا.
“سُرَّاقُ” الرئاسة
ذلك تاريخ قد ولَّى وتلك قصة قد خلت.. وعاودَ الزمان نفسه في ليبيا.. حيث تم التنكيل بالقذافي تنكيلا! ليس بأيدي الأمريكان مباشرة بل بأيدي “شبان” غاضبون، ثائرون، جامحون.. طلقة في الرأس، وانتهى الأمر.. كما سبق ودعى إلى ذلك “زعيم” الرابطة الدولية لعلماء المسلمين “القرضاوي” كادت أن تكون نهاية القذافي وهو ذليل شبيهة بنهاية صدام.. لو اختفى أيام أخرى فقط حيث ذكرى عيد الأضحى التي طلع فيها خبر إعدام صدام شنقا على المسلمين وكيفما كان الحال فقد انتهى صدام نهاية “مشرفة” ولو بعد محاكمة غير مشرفة.. لم يترجَّ أحداً.. ولم يتوسل جريحا.. وَسِخًا باكيا.. مشوها.. منبوذا.. كالقذافي.. إنما انتهى إلى المقصلة وهو يقول “.. إِيهِ المَرْجَلَةْ دي..” يعني آش هَاذْ الرُّجْلَة.. وَفِينَاهي الرُّجْلةْ يا صدامُ.. أمركَ وأمرنا وأمرهم عند خالق لديه “يتخاصمون”.
مفهوم السرقة الذي افتتحنا به موضوعنا، مفهوم ينطبق على من سرقوا “زعامة” ليست من صنعهم وسنصل إلى من يسرقون منا “الزعامة” كل يوم في كل زمان وفي كل أرض وهي ليست من حقهم.. لذلك قلنا إنا بشار سارقاً ليس لأنه ضُبط متلبسا في كوخ أم أحمد يسرق الدجاج.. ولكن لأنه سرق رئاسة الدولة دون إذن من أهلها.. أو يمكن أن أقول إنه طَوَّعَ الدولة من أجل أن يسرق الزعامة فقط لأنه إِبن الرئيس السابق الأسد لم يكن يحصل حوله إجماع.. أو لم تكن له تلك الأغلبية المؤمنة التي قد تحمي ظهره.. والدليل في ذلك أن الغالبية من الأفراد المناهضين لحكمه اليوم لا تمل من العصيان كل يوم وما فتئت تقدم أرواحاً كل جمعة.. نعم للإعلام دور، للأمريكان دور.. نعم للرياح التي تهب على العالم العربي دور.. ولكن لبشار ونظامه نفسه دورٌ كبير وأكبر.. فيما سبق من سياسات واختيارات، وما هو حاصل من آلام وقتل اليوم! وأخاف لهذه الأسباب مهما طال الزمان ومهما قاوَمَ “بشار النظام” أن يؤول إلى ما آل إليه غيرُه وسط الغوغاء.. ليس لأنه “طاغية” وليس لأنه “أحمق” هو بدون شك ليس أحمقاً.. ولا يمكن لأحد أن يُنكر لسان الرجل ولا نباهته ولا القوة التي تحالف معها.. وهي ليست أي قوة.. لكنه مع ذلك سارق فماذا كان سيضره لو لم يبحث عن الرئاسة السَّهلة بفعل السرقة وتدرج لصنع زعامة ومجد حقيقي.. على أن ينال رِضَى من لا يجب إغضابهم وهم بالملايين.. ماذا لو فضل صعود أدراج الزعامة دربا، درباً عبر انتخابات حقيقية، عبر إنصات تام لأفراد الشعب الذين رددوا وقت سماعهم نبأ اعتقال وقتل القذافي شعار “سورية ارتاحي ارتاحي بشار بعد القذافي!”.
نجلي مبارك أيضا أرادا أن يكونا سارقين للزعامة بدون وجه حق.. بعد أن تواطؤوا وسرقوا كل شيء.. عكس قصص مثيرة عن سرقاتهم الاقتصادية والمالية.. ولكن لا يهمني في هذا الكلام إلا السرقة المعنوية التي أحكي حولها.. جمال وعلاء مبارك.. بشر مثل كل البشر.. جمال أراد الرئاسة بدون تاريخ.. أراد الزعامة بدون كد ولا جهد فقط لأن والده كان رئيسا وأمه هانما والزبانية لا يعدمون أينما وليت وجهك.. تجد من يقول لـ “الزعيم” إن “الدولة محتاجة لهؤلاء الرجال” وفي الحقيقة الدولة بريئة من هذه الخرافات! الدولة ليست هي المستشارين والحواريين والوزراء والعسكر وقيادة الجيش والأصدقاء وأصحاب المصالح واللوبيات الحقيقية والمصنوعة، والدولة ليست أيضا هي العلاقات الخارجية بل الدولة هي كل ما ذكر.. آه.. ولكن أساساً هي الشعب وعامة الناس والثكلى العذارى والمظلومين والشباب والعاطلين والحالمين والناقمين ورجال الدين ورجال الصفوة والمفكرين والمياومين والجوعى والعطشى وقليلو الحيلة والمكدين والمجتهدين والفلاحين والعاملين البسطاء وغير البسطاء واللائحة طويلة.. هذه هي الدولة يا بشر فلا تستهينوا بها.. قد يدور الزمان فيستعين هؤلاء بمن استعنتم عليهم.. عليكم! ولن يكون لكم من رحيم إلا هؤلاء والدليل قائم القذافي لم يرحموه.. لكن مبارك رغم كل شيء هناك من ينادي له بالرحمة، لأنه كيفما كان الحال لم يذهب إلى ما ذهب إليه غيرهُ! أو على الأقل “لم يركب دِماغه إلى أبعد حد..” وسجن أبدي أو محاكمة قاتلة وتَتْرِيكٌ عن آخر فِلْسٍ.. أهون من ميتة بين أيدي ثوارٍ أعماهم الظلم وسكنتهم البربرية! بن علي أيضا كان سارقاً للزعامة والرئاسة.. لم يبتل بأبناء “شياطين” ولكن ابتلي بزوجة كانت من الأسباب التي عجلت برحيله مذلولاً أيضا.. ويجب أن يحمد الله لكون مصيره لحد الآن أحسن بكثير من مصائر غيره.
النظير في “الزعامة”
كي لا يكون لمعنى منطقنا.. منطق سياسي فقط سأحكي عن النظير الاقتصادي بما توفر لدي من ملاحظات فقط، بدون شك هناك من صفوا “زعامات” اقتصادية عبر تاريخ من الاجتهاد.. لن أذكر أسماء! فالموضوع أكثر خطورة من ذكر الأسماء أو المؤسسات في عالم السياسة! مقابل هذه “الزعامات” ثم خلق، وتمت صناعة ثروات لأشخاص ومؤسسات معينة لا تبتعد مطلقا عن ما يعرف باقتصاد الريع والقوة التنافسية غير الشريفة المبنية على “سرقة” “المارشيات” والرشوة والمحسوبية والزبونية ولا تعتقدوا أن تراكم هذه الثروات يخص فقط الشركات الصناعية أو التجارية أو الفلاحية..! أبدا فمكتب المحاماة الذي تتركز لديه العقود وقضايا الأبناك وشركات التأمين والذي هو في إسم فلان يعتبر ريعاً أيضا وحلماً لا يمكنه أن يصيب أيا كان لانعدام تكافؤ الفرص والمساواة وتداخل العلاقات، ومكتب الهندسة الذي تتقاطر عليه الطلبات رغم كونه مهنة حرة لا يبتعد صاحبه عن شبكة اللوبيات وشركات توزيع الأدوية أو صناعتها وشركات التموين والتوزيع والإستيراد والتصدير والبلاء المسلط.. تعومُ في جوٍّ غير صَاف أبداً.. وحاله كله من حال ما يجري في العالم الرأسمالي نعم.. ولكن قليل من العفة والانضباط لأحكام الوضوح والشفافية قد يعفينا لا قدر الله من كل الويلات!
ما ينطبق على الزعامة في الميدان الاقتصادي، ينطبق كذلك على “سرقة هذه الزعامة” في الميدان السياسي وليس السياسي وحده.. قد يأتي الوقت الذي نتحدث فيه عن الزعامة في كل شيء من أجل لا شيء.. لا حاجة لي بتذكيركم بزعامات صعدت إلى السماء في يومين على رأس جمعيات للمجتمع المدني وَهَوَتْ بعد حين..
الزعامة المسروقة سياسيا هي تلك التي يتغنى بها البعض اليوم دون وجه حق وسأكرر للمرة الألف لا زعامة بدون استحقاق.. لا زعامة بدون تاريخ.. بدون ماضي.. بدون تراكم.. ولا زعامة بدون أخلاق.. بدون شجاعة بدون عقل.. بدون استقامة.. وكل من تبوء مكاناً في العلياء بدون تعب واجتهاد فهو سارق وبما أنه سارق لشيء أو لمنصب أو لصفة ليست من حقه فسيأتي عليه يوم.. أو سيأتي علينا يوم لا يلوم فيه إلا نفسه، ولا نلوم فيه إلا أنفسنا.. مما قد تؤول إليه الأمور.
ولَنَا في تاريخ المشهد السياسي مختلف القصص عن الذين تقمصوا أدوارا غير أدوارهم الطبيعية التي خلقوا لها في مؤخرة الصف.. فأصبحوا “زعماء” في رمشة عين، سرعان ما طوتهم الأيام أو طواهم الزمان..!
وإلا ما السِّرُّ في اندثار الفديكيين.. وما السرُّ في تراخي ورثة الفديكيين فيما بعدهم.. كيف سطع نجم الحزب الوطني من بين أضلع الأحرار.. ثم هوى بعضهما البعض في لعبة تبادل الأماكن والأدوار وتلى أفولهما (…) والقصة تعرفونها.. إلى أن تفتقت أفكار اليوم تريد أن تبعث من الرماد ما يمكن بعثُه..!
وقد رافق صناعة هذه المؤسسات صناعة زعامات رماها الزمان بمجرد الانتهاء من مدة صلاحيتها ولم تعد مرجعا لا في تاريخ المؤسسة الحزبية ولا المؤسسات الرسمية ببساطة لأنها كانت زعامات “مسروقة”..!
الزعامات المسروقة موجودة اليوم مع الأسف داخل كل المؤسسات والمؤسسات الحزبية على الخصوص.. ومع الأسف بدون استثناء بفعل انصهار المفاهيم مع بعضها البعض حتى أصبح كما حدثني صالح البشير.. “أتفهنا خلقا وأقلنا رجولة أكثرنا شعبية..”.
الآن ونحن على مشارف زمان نريده أن يكون حداً فاصلا مع ما سبق.. لا زالت نفس المظاهر تعشش فينا وتقلق مضاجعنا وأحلامنا وزراء بدون معنى يريدون الترشح للانتخابات، فقط لأنهم كانوا وزراء.. وآخرون داخل أحزابهم يختبئون وراء المنصات.. يقدمون البرامج تحت الأضواء الكاشفة ويعشقون البلاطوهات التلفزيوية، دون القدرة على مواجهة الناس.. عامة الناس في بوجنيبة ودوار طوما.. ولو سئلتَ البعض منهم.. ألن تدخلوا الانتخابات لأجابوك: الانتخابات فيها الصداع.. “أُولُو ريسْكْ”.. ولكن عندما ستظهر النتائج سنكون نحن الزعماء.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.