لم يعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يُفهم ضمن القوالب الكلاسيكية للصراع: لا هو حرب معلنة، ولا هو سلام مستقر، ولا حتى أزمة عابرة قابلة للاحتواء. نحن أمام شكل جديد من المواجهة، حالة رمادية ممتدة، تُدار فيها القوة بقدر من التردد بقدر ما تُدار بالحسابات. إنها حرب بلا قرار حرب، أو بتعبير أدق: صراع يتغذى من غياب الحسم.
في الظاهر، يبدو المشهد وكأنه تعثر في القرار الأمريكي: تردد، رسائل متناقضة، ضربات محدودة لا تغيّر ميزان القوى، وغياب رؤية واضحة لما يجب فعله. لكن هذا “العجز” ليس مجرد خلل تقني في السياسة، بل يعكس أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي الغربي. لقد فقدت القوة الأمريكية قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية حاسمة، وأصبحت القوة نفسها عبئًا حين لا تُترجم إلى نهاية واضحة للصراع.
الولايات المتحدة لا تريد حربًا شاملة مع إيران، لأنها تدرك كلفتها: انفجار إقليمي، اضطراب في أسواق الطاقة، وتورط طويل في جغرافيا معقدة. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الانسحاب من منطق المواجهة، لأن ذلك سيُفسَّر كضعف، ويقوّض مكانتها في نظام دولي يتآكل فيه الردع تدريجيًا. وهكذا تجد نفسها محاصرة بين خيارين كلاهما مكلف: حرب لا تُحتمل، ولا حرب لا تُدار.
في الجهة المقابلة، لا تتحرك إيران بمنطق الاندفاع نحو المواجهة، بل بمنطق إدارة التوتر. فهي لا تسعى إلى حرب مفتوحة، لكنها تدرك أن بقاء التوتر في مستوى معيّن يخدم مصالحها: يفرض حضورها الإقليمي، يمنحها أوراق تفاوض، ويُبقي خصومها في حالة استنزاف دائم. إنها تمارس ما يمكن تسميته استراتيجية “اللا حسم”: دفع الصراع إلى الحافة دون السقوط فيها.
هذا التواطؤ غير المعلن بين الطرفين—حيث لا أحد يريد الحرب، لكن لا أحد يستطيع إنهاء أسبابها—يخلق نموذجًا جديدًا من الصراعات. لم يعد الهدف هو الانتصار، بل إدارة الزمن: إطالة أمد الأزمة، استنزاف الخصم تدريجيًا، والحفاظ على توازن هش يسمح بالضغط دون الانفجار. إنها حرب تُخاض بالانتظار، بالرسائل، بالضربات المحدودة، وبإبقاء الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات دون الذهاب إلى أي منها.
في هذا السياق، تفقد مفاهيم مثل “النصر” و“الهزيمة” معناها التقليدي. ما يهم ليس من يغلب، بل من يستطيع الصمود أطول، ومن ينجح في جعل خصمه أكثر قلقًا وأقل قدرة على الحسم. وهنا يتحول العجز ذاته إلى أداة: عدم اتخاذ القرار يصبح استراتيجية، والتردد يصبح شكلاً من أشكال القوة السلبية.
غير أن هذا النموذج يحمل في طياته خطورة كبرى. فالصراعات المؤجلة ليست أقل خطرًا من الحروب، بل قد تكون أكثر قابلية للانفجار. كل ضربة “محدودة” تحمل احتمال الانزلاق، وكل حساب دقيق قد ينهار أمام خطأ صغير أو تقدير خاطئ. العالم هنا لا يعيش استقرارًا، بل يعيش على حافة اختلال دائم، حيث يكفي حدث واحد غير محسوب لتحويل “اللا حرب” إلى حرب فعلية.
الأهم من ذلك أن هذا النمط من الصراع يعكس تحولًا أوسع في طبيعة النظام الدولي. لم تعد القوى الكبرى قادرة على فرض نهايات واضحة للصراعات، ولم تعد الأطراف الإقليمية مجرد أدوات، بل أصبحت فاعلة في إعادة تعريف قواعد اللعبة. نحن أمام عالم تتراجع فيه القدرة على الحسم، وتتصاعد فيه القدرة على التعطيل، حيث يصبح إطالة الأزمة أسهل من حلها.
في النهاية، لا يمكن فهم التوتر الأمريكي– الإيراني كأزمة ثنائية فقط، بل كنموذج مكثف لعالم جديد. عالم لا تُحسم فيه الصراعات، بل تُدار؛ لا تُنهى فيه الأزمات، بل تُعاد صياغتها باستمرار. عالم يتحول فيه العجز من علامة ضعف إلى آلية اشتغال داخل منطق القوة نفسه.
وهنا يطرح السؤال الأعمق:
إذا كانت القوى الكبرى لم تعد قادرة على الحسم، فهل نحن أمام نهاية فكرة “الحسم” ذاتها في السياسة الدولية؟ أم أننا فقط نعيش مرحلة انتقالية، يتعلم فيها العالم كيف يخوض حروبه دون أن يعلنها؟
“Neither war, nor peace: that is our slogan”
“لا حرب ولا سلم: هذا هو شعارنا.”
Leon Trotsky (Strategic Concept)
(1879-1940)
“Paix impossible, guerre improbable”
“سلامٌ مستحيل، وحربٌ غير مرجحة.”
Raymond Aron
(1905-1983)
(لخص أرون الحرب الباردة بهذه الجملة، وهي تصف المأزق الأمريكي الإيراني المعاصر)
عزيزي محمد بوفتاس،
ما تصفه بـ”إدارة العجز” يبدو لي أقرب إلى نضوجٍ اضطراري لدى القوى الكبرى، التي أدركت أن الانتصار الكامل لم يعد خيارًا واقعيًا بسبب كلفته العالية وتشابك نتائجه. لذلك لم تختفِ فكرة الحسم، بل تغيّرت أدواتها، إذ نشهد اليوم ما يمكن تسميته بـ”حسم بارد”، يقوم على الضغط الاقتصادي والتكنولوجي وتآكل الخصم تدريجيًا بدل مواجهته عسكريًا بشكل مباشر. في هذا السياق، لا تصبح “اللا حرب” غيابًا للصراع، بل شكلاً أكثر هدوءًا وعمقًا منه. وبناءً على سؤالك، لا أعتقد أننا أمام نهاية الحسم، بل أمام إعادة تعريفه: حسمٌ بطيء، متدرّج، وأقل وضوحًا. نحن نعيش فعلًا مرحلة تعلّم التعايش مع الأزمات، لكن هذا التعايش ليس استسلامًا، بل إدارة مستمرة لها دون السماح لها بالتحول إلى انفجار شامل.
ALHOCEIMA
صراحة أعتقد أن القضاء على طموح ايران النووي يخدم اسرائيل ودول الشرق الاوسط وبالتالي ان لم تهزم امريكا واسرائيل الناظام الايراني وجرده من الطموح النووي فان الخاسر الاكبر هي امريكا واسرائيل وما على دول الشرق الاوسط الا الانحياز الى دولة ايران لانها هي التي تهدد مصالح دول الجيران وتهدد استقرارها وبالتالي فاسرائيل وصناع القرار الامريكي يعرفون ذلك جيدا وبالتالي لا يتركون حكام ايران اقوياء وانما لا بد من قص اجنحتهم ووضعهم تحت المراقبة الدائمة والا فدول الخليج فترمي نفسها في احضان ايران وبالتالي مرغم اخاك لا بطل.