البشر وكورونا.. الخوف فضيلة أزلية

البشر وكورونا.. الخوف فضيلة أزلية
السبت 20 يونيو 2020 - 23:11

الخوفُ معلم عظيم، وقائد تاريخيّ لكل الحركات البشرية.. على أسس منه قامت الأمم والديانات.. فالدولة والجيش والقانون دروع قديمة ضد الخوف، والكفر والإيمان وجهان للخوف لا توحدهما سوى فكرة إنكاره.. وبسبب الخوف اقتتل الإخوة وذبح الآباء أبناءهم بلا تردد.. الحب خوف، والكراهية خوف، واليقين مَهرب لئيم ضد الخوف.. يقف الخوف بثبات خلف منجزات البشرية من آداب وفنون وعلوم، يخادع المريدين ويغريهم بالخلود وبالمعنى، ويقفز بخبث إلى روح العلماء فيقضون عمرهم يخترعون الأدوية والأسلحة ويحيكون أكفانهم في انتظاره.. يتوغل عميقا في الأذهان، فيصبح ملازما للحواس واللاشعور..

لا يكاد يوجد شيء في الوجود إلا به بعض الخوف أو كل الخوف.. خاف الإنسان القديم، فاخترع الآلهة والأساطير والخوارق، ثم خاف أحفاده فتوصلوا إلى العلوم وأوجدوا التكنولوجيا، وأفنوا قرونا يسعون إلى لحظة راحة وربما صلح مع الخوف.. لكنه ماكر مخادع مثل التاريخ، متلون مثل حرباء يأتي كل مرة في هيئة مختلفة، تارة على شكل حرب وتارة على شكل مجاعة وتارة على شكل وباء..

اليوم، والعالم يتابع بفزع خرائط الوباء وجديد اللقاحات، وهذا الهاجس الأكثر عنفا وتأثيرا يتجلى في شوارعنا ومنازلنا ويسترجع مساحته البدائية في نفوسنا، تستعيد الإنسانية الكثير من الأسئلة: كيف نروض الخوف الكامن فينا؟ وكيف نتغلب في صراع ابدي وغير مجدي؟ ما فائدتنا والخوف سرمدي؟

سيكون على نيتشه أن يقوم من قبره، فهو الوحيد الذي اقترح، منذ زمن، الفلسفة حلا لهذا الخوف.. فهل يستثير وباء كورونا الفلسفة لتُخرج البشرية من رعبها الطارئ أو القديم؟

خلال أهوال الحرب العالمية الأولى، جاهد فرانز روزنزويجي وهو فيلسوف ألماني آخر للجواب معتقدا أن النصر قد ينفع الروح؛ لكنه وأمام ما وحشية ما رأى أعلنها صراحة في مذكراته “إن الفلسفة عاجزة عن تهدئة خوفنا..”

حتى في أكثر اللحظات الفلسفية ثورية وحداثة، حين أخذ نيتشه يحطم “الأصنام” كان جليا أن الخوف يدفعه دفعا خلال مسيرة بحثه عن السوبرمان، فكان يقول مبشرا: “على البشرية جمعاء أن تنتظر الإنسان الأعلى، فالإنسان الحالي ليس إلا مرحلة وسطى، لا غاية لها سوى الوصول إلى الإنسان الأعلى”.. الإنسان الأعلى الذي سيخلصنا من الهلع الأزلي.

إن الخوف يمكننا من إيجاد تفسير لكل ما صار يطالعنا من انتقادات حادة للدول والأنظمة والإيديولوجيات، كل ما يكتب أو يقال في “الميديا” والوسائط من إعلان فشل الرأسمالية والنيوليبرالية، ولوم على الاختيارات التكنولوجية والتسلح المفرط، والنداء بعجز الذكاء الطبيعي والاصطناعي، والبكاء على حال الصحة ومرافقها.. فوبيا جماعية تجتاحنا وكأن البشر يقولون لحكامهم لماذا تهملون السيد الخوف؟ لقد وليناكم لتخافوا بدلا منا..

ومنذ اختراع النار وفي كل منعطف من منعطفات التاريخ، يستمر الخوف صامدا باعتباره المعلن والمسكوت عنه وكأنه شكل من أشكال الأبدية، فيما تتخلخل يقينيات الفكر البشري المرة تلو الأخرى، ويعيد النظر بيأس في قلقه وأسئلته، ويصبح الفزع الجديد إعجازا للفلسفة والآداب والفنون ونقاشا عصيا على الإعلام في عصرنا الحديث، ويتضاءل المنجز الحضاري أمام حرب أو فيروس.

أثناء ذلك وخلال هذه الجائحة وجد المثقفون ونجوم الرأي العام منفذا كبيرا في هذه المقولة: العالم قبل كورونا لن يكون هو العالم بعد كورونا، كيف؟ ومتى كان العالم ثابتا أو متى استمر العالم بدون مأساة؟ فهل كان العالم قبل مقتل جورج فلويد هو نفسه بعد مقتله؟ أو أن العالم قبل سقوط جدار برلين بقي هو نفسه العالم بعدما تحولت حجارة الجدار إلى تحف تباع في المزادات؟ أجد في تلك المقولة إيحاء واهما بأن البشرية كانت قد تخلصت من الخوف واطمأنت، وفي ذلك جحود لا يرضاه الخوف بنفسه وتاريخه المجيد، من أنتم لتقولوا إن الإنسان انتصر يوما.. وهذا الوباء وتلك الحرب وهاذي المجاعة؟ لم يحتج الأمر أكثر من كائن مجهري بل لم يتطلب الأمر سوى نوبة زكام..

بين المؤمنين وغيرهم يرتد الخوف مثل جمرة، وبينهما تُجري السماء والمختبرات امتحانا عسيرا أمام ملايير البشر المتلهفين، ولعل الفرصة مواتية للحشد والندب والسخرية وتحديد المواقع وربما الخنادق والقبور..

فقد البشر بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية بعضا من صلابتهم ووحشيتهم الفطرية، وأغوتهم العلوم والاختراعات واختراق الفضاء والهندسة الوراثية، وبدا وكأن الخوف يتراجع أو يدخل في سبات.. لكنه مع كورونا أثبت أنه وفي لتربصه الأزلي، مخلص لعاداته يستمتع بأنفاس المرتعبين حوله، يأخذ كامل زينته في ارتباك الخائفين، ويزدهر في النحيب.. لكننا ورغم هذه الحرب الدامية بيننا ندرك أنه الفضيلة التي ترعانا ضد المجهول، إنه الخوف الذي لازمنا منذ الخليقة ولم نتعلم بعد كيف نصبح أصدقاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Bouchra
    السبت 20 يونيو 2020 - 23:35

    تحليل موفق جدا لإحساس الخوف، و مدى تاثيره على العلاقات الإنسانية و على تطور الأفراد و المجتمعات.
    اشكرك جزيل الشكر للحديث عن احساس فطري استعمل كآلية مراقبة و تحكم من طرف مختلف الايديولوجيات و الديانات (الله او الرب) لإخضاع الناس الى احكام تكون في اغلب الأحيان غريبة، تعسفية و غير منطقية.
    و شكرًا

  • زينون الرواقي
    الأحد 21 يونيو 2020 - 12:23

    خوف الانسان معقد .. متعدد الأبعاد يلازمه في الأنساق الزمنية الثلات بين ماضي وحاضر ومستقبل .. لولا ماضيه وصباه لما أدرك انه ماض في شيخوخته نحو فنائه الذي هو أيضاً مستقبله القريب .. خوف الحيوان غريزي لا ينسج خيوطه العقل بل هو لحظي عابر امام خطر داهم فالغزالة لا تعيش خوفاً ملازماً لكنه يظهر فجأة متى استشعرت وجود كاسر مفترس ومتى ابتعدت عنه عادت الى طبيعتها غير آبهة بتربصه بها غداً .. الذبابة أشجع من الانسان اذ بمقدورها ان تحط على أنف الأسد الذي يثير رعب الانسان حتى وهو في القفص .. الوعي بالاشياء هو ما يصنع الخوف من تخلخل النمط الذي اعتدنا عليه نخاف الزلازل ونخاف تسلل اللصوص الى بيوتنا فنضاعف الإسمنت والحديد وننصب الكاميرات عند المداخل ونخاف الموت فنسعد عندما يكذب علينا أحدهم وهو يجاملنا tu ne fais pas ton âge رغم ان التجاعيد غزت والمفاصل انهكت والامراض زحفت حتى اننا نتحاشى لقاء اعزاء قدامى لم نلتقيهم منذ عشرون سنة او أكثر خشية ان يرعبهم شكلنا ويرعبنا شكلهم بعد ان عبث الزمن بالملامح .. الحيوان لا يدرك انه كان صغيراً وانه اصبح عجوزاً وأن الموت آت ولا يسكنه هاجس صغاره ومستقبلهم فمن الأسعد هنا ؟
    الخوف مرتبط بالعقل والسكران أو المقرقب أوالمجنون الهائم على وجهه لا يخاف وقد يعرض نفسه للمخاطر تماما كالعجوز المصاب بالالزهايمر في مراحله المتقدمة حيث يوكّل ذويه لا ارادياً ليخافوا عنه بدلاً من ان يخاف على نفسه …

  • زينون الرواقي
    الأحد 21 يونيو 2020 - 15:19

    الانسان نقطة متناهية الصغر بل أقل من مجهرية أمام الكون الشاسع اللامتناهي يخاف دورة الطبيعة العادية .. جفاف وحرّ قائظ في الصيف وبرد وسيول وفيضانات في الشتاء تحيطه الطبيعة بما يؤجج رعبه الدائم يخشى جبروت المحيطات وغضب السماء والرعد والبرق وما في جوف الأرض عندما تقذف البراكين حممها .. عقله يشتغل للتحكم مؤقتاً والاحتياط من كل هذا ضمانات لسلامته ونفس العقل الجبار يجتهد لاختراع الأسلحة منذ تسنين الحجر والرمح الى الأسلحة الذرية والنووية الفتاكة التي أبدعها هذا العقل الذي ابدع أيضاً في صناعة عدوه الأزلي / الانسان وصناعة خوفه المحرك لعقل الإبداع التدميري .. يخشى الانسان العادي الفقر والموت والمرض والأذى الجسدي وكلما ازداد معرفة نما خوفه ليترجم نظريات وانشغال دائم يستثمر الخوف المستقبلي على المال وانقراض العرق او اندحار تفوقه .. بذلك يدخل في دوامة الخوف الأعمق والقلق المرضي ليتموقع خوفه بين كون شاسع مهيب وكائنات مجهرية مثله يقاتلها فوق ارض تكاد لا تظهر وسط رحابة هذا الكون وكلما ازداد معرفة وتطوراً كلما تطورت مصادر خوفه لتنسجم مع ارتقاء العقل .. يخشى الانسان اليوم الكيانات الفضائية ويتهيب للتصدي للغزاة القادمين من كواكب اخرى بينما في مكان آخر من هذا العالم يخشى آخرون فقط غزو الجراد وإتلاف محاصيلهم .. انه نفس الانسان الذي يغزو المريخ ويسحل في ذات الوقت في شوارع موقاديشيو …

  • Brahim
    الأحد 21 يونيو 2020 - 15:56

    "إنه الخوف الذي لازمنا منذ الخليقة ولم نتعلم بعد كيف نصبح أصدقاء."

    الشيء الذي يخلصنا من الخوف هوالتعوُّد
    كل شيء نتعود عليه مرات كثيرة قد يصبح غير مخيف
    فكورونا في بدايته افزع العالم لكن اليوم وقد تعودنا على التعايش معه خف الخوف
    فلنكون اصدقاء يجب ان نتعود على بعضنا البعض ,نتعود على الاختلاف حتى لا يبقى هذا الاخير مصدر خوف

  • زينون
    الإثنين 22 يونيو 2020 - 08:41

    تتمة .. خوف عالم الفلك الذي يرصد اقتراب نيزك من كوكب الارض ويقيس درجة سرعته ومساره نحو الارض لا يعني شيئاً للإنسان العادي فعقله بعيد ان امر كهذا وان كان لن يستثنى من الكارثة وكلما اشتغل العقل في مستويات أعلى كلما كان الخوف أيضاً من ذات المستوى .. كان المرحوم المهدي المنجرة يعبر عن خوف مستقبلي استشرافي لا يدركه العامة من البسطاء تقوده المعادلات الى رؤية ما لا يرى غيره وهو يربط تفاعل الأحداث وسيرورة الأشياء وشح الموارد واستنزافها ونتائج ذلك التي ستترجم حروباً ومجاعات وسقوط دول ودخولها في سديم الخراب والفوضى ما يمكن اعتباره نوعاً من الخوف المتطور الذي تجاوز الحد الغريزي

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف