"التأمل" سبيل السعادة والتسامح

"التأمل" سبيل السعادة والتسامح
الأربعاء 6 يوليوز 2016 - 22:03

من الطبيعي و الفطري أن كل إنسان يسعى إلى بلوغ توازنه وتحقيق استقراره النفساني وتطوير مستواه الروحاني حتى ينعم بطعم السعادة.

وكطبيب نفساني أفكر دائما في الطرق المُثلى التي يمكنني الاستعانة بها في سبيل بلوغ هذا التوازن وتحقيق الطمأنينة الداخلية. كما أنني أبذل كل جهودي في سبيل استكشاف مكونات الإنسان وبطبيعة الحال هذه الأبحاث تبقى في غاية الصعوبة لأن كل ما هو نفسي وروحاني غير ملموس ومحجوب عن إدراك العين المجردة وحواس الدهن المحدودة.

لقد اكتشفنا الكثير من الطرق لتقوية صحة الأبدان ، فما السبيل الذي يا تُرى بإمكانه أن يساهم في تقويتنا نفسانياً وروحانياً بحيث يساعدنا على ضبط توازننا الروحاني وبالتالي الإنساني؟ لأن حقيقة الإنسان هي روحانية قبل كل شيء، فكل ما هو مادي سوف يتحلل ويزول أما حقيقتنا الإنسانية الروحانية تدوم إلى الأبد.

وفي المجتمع الإنساني أرى أن هناك العديد مِن الناس منهم مَن يؤمن بهذا الدين أو ذاك الدين ، ومنهم من يُؤمن بـوجود الخالق ومنهم من يؤمن فقط بقوة الطبيعة ومنهم من يؤمن بـ ” لا شيء”. المهم أن الكل” يُؤمن” وهم جميعاً “مؤمنون”! إما مؤمنون بدين أو بـعقيدة فلسفية أو قوى الطبيعة وقد يكونون مؤمنين بوجود الخالق أو مؤمنين بعدم وجوده . فإذاً الكل ” يُؤمن” وكلناً “مؤمنون”!

ومن الطبيعي والبديهي أن “كل إنسان هو مؤمن” لأنه خُلقَ على فِطرة الإيمان ومن تم فإنه من السذاجة وسطحية التفكير أن نصف إنساناً ما بأنه “عديم الإيمان”. فهل يجوز أن أعتبر كل إنسان لا يشاركني نفس الاعتقاد كافراً وعديم الإيمان؟ ومن أعطانا هذه السلطة و القدرة لكي نخترق فؤاد الإنسان ونتحقق من إيمانه؟

فما هو إذاً الأهم، هل هو ” الإيمان” أم “الدين” أم “الشيء” الذي نؤمن به؟

لنتأمل أيهما الأهم، هل “فِطرة الإيمان وقوتها” أم “الاعتقاد” ؟

إن الشيء الذي نؤمن بوجوده أو بعدمه، والدين الذي نؤمن أنه هو الأصح، في الأصل هو مجرد “معتقد”! وفي جميع الحالات لا احد منا له دلائل ملموسة أو يملك حججاً قاطعة على ما يزعم قوله أو ما يعتقد به، وما يتم الاستدلال به يبقى مجرد استدلالات يُبنى عليها الاعتقاد الشخصي، وهي قائمة على مجرد تفكير عقلاني اقتنع به فرد ما بحيث يبدأ بالكلام وينتهي بالأقوال وهذه العملية هي في الواقع رياضة متميزة للدهن وبالإمكان تسجيلها في الاولمبيات في خانة “الألعاب الدهنية اللامتناهية”.

وكل ما يقتنع به الفرد ما هو إلا اعتقاده الخاص به والذي تم صنعه بنسبة مائة في المائة داخل دهنه ولكل فرد منا دهنه الخاص وتصوراته الذاتية وخصوصياته ولا يمكن لأدهاننا وأفهامنا أن تتساوى أو تتطابق كلياً في طرق التفكير والاعتقادات والقناعات.

أما الإيمان، فهو ثمرة عملية وجدانية روحانية ولا يمكنه أبدا أن يكون ثمرة عملية عقلانية صرفة! فالتاريخ يعلمنا أن أوائل المؤمنين بالرسل هم أشخاص بُسطاء مِثل بلال الحبشي (رضي الله عنه) الذي آمن بفؤاده وليس بمجرد الاستدلال العقلي أو النقلي. في نفس الحين نرى أن أصحاب العلم من علماء ورجال الدين هم أول الذين قاموا بمحاربة ظهور الرسالة الجديدة في جميع الأحقاب، لأنهم كانوا وما زالوا يفكرون بذهنياتهم وعقولهم وكذلك بمنطق مصالحهم.

وسواءاً أكان الإنسان مؤمناً بوجود الخالق أم لا، أو كان على إيمان بهذا الدين أو ذاك، فإنه إذا انغمس انغماساَ كلياً في الاستدلال والتبيان، سرعان ما يتحول عرض البراهين والمناظرات بين المُتحاوِرِين إلى مجرد جدال عقيم واستعراض سقيم وأنانية لا جدوى منها تنتهي إلى الخصام وتقود إلى العداوة والبغضاء.

إن الإيمان قوة خارقة ومن خصوصياته إحداث “التغيير في أنفسنا ومحيطنا” ويصبح التسامح والتعايش بين البشر أمر طبيعي وتلقائي لا يكلفنا بذل أي جهد خاص! وهو حقاً قوة خلاقة عظيمة “للتغيير” وبالإمكان التعبير عنها وإظهارها والاستفادة منها إيجابياً في حياتنا الإنسانية.

أما “التأمل” فهو السبيل لاستخلاص قوة الإيمان. و لكن عملية التأمل ليست بالمحض عمليةً دهنية أو عقلانية صِرفة وإنما هي في الأصل عملية روحانية وِجدانية.

ولا أقصد طبعاً بالتأمل، ذلك الجلوس والتفكير الدهني المحدود في طاقته. بل أتحدث هنا عن ذلك التأمل الذي ينعزل أثناءه الإنسان ويغوص في أعماق فؤاده، محاولا الاقتراب من الفضائل الإلهية والإنسانية من حِكمة الوجود والطبيعة، مُحاولا الإطلاع على سر غاية وجوده في هذا الكون.

ومن منظوري البهائي الشخصي فالانعزال الذي أتحدث عنه ليس انعزالاً جسدياً في مكان خالي. بل مقصودي هو انعزال النفس عن كل ما يفرق أفراد العائلة الإنسانية وما يشيد جدران التعصب والاختلاف. هذا النوع من الاعتزال هو بالفعل “الانقطاع” عن التعلق بـشهوات “الأنا” والانقطاع عن الكراهية وعن قيود الإحكام المُسبقة والانقطاع عن عدم التعايش . إنه الانقطاع عن التعصب العرقي والديني الجارف وعن الحروب العبثية مما يقود الإنسان إلى سلامه الداخلي.

هذا الانقطاع بدوره يدعم عملية التأمل وهكذا تنطلق هذه العملية بتزايد في التصاعد إلى الأفق الأعلى كـالمِعراج حتى تتولد تلك القوة الخارقة والكامنة التي تُحدث التغيير في حياتنا وتحقق استقرارنا النفساني وتبعث الشعور بالسكينة والراحة والسعادة الأبدية وتغذي قوة المحبة الإنسانية وتحولنا جميعاً إلى “أوراق شجرة واحدة” و تحول كذلك “الأرض إلى وطن واحد”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • legdani
    الأربعاء 6 يوليوز 2016 - 22:52

    الا بدكر الله تطمئن القلوب. ليس هناك كائن فوق الارض لا يؤمن بالله جلا جالاله .

  • زينون الرواقي
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 00:42

    الطمأنينة الداخلية مصدر راحة لا يدركها الا من جال ورأى وتخضرم بين جيل رحل وأخر حل ، وعاين حالات لأغنياء افتقروا وفقراء اغتنوا وحضر الدفن والولادة والفرح والقرح ، وكان شاهدا على طاغية جبار في حالات ضعفه وسقمه ، وعلى ضعيف مهيض الجناح أنصفه القدر في ذريته من بعده ، ان تكون فقط من انت لا تحاول ان تكون غير ما هو انت ، لا تفكر وتتصرف لتبدو كما يريدك الاخر بل سر على سجيتك لا تكن مغرورا ولا محتقرا لذاتك ، لا تقلد لا تتزلف ولا تضع نفسك في ما يجر عليك البلاء ، تملك نظرة للحياة كمن يطل عليها من اعلى شرفته ، قاعة انتظار ضخمة ندخلها من باب ونرى من سبقنا ينادى عليه فلا يعود الى ان ينادى علينا …..

  • seneca
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 03:16

    vive le stoicisme

  • زينون الواقي
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 08:45

    عندما نقول عن شخص ما إنه غير مؤمن فنحن نحيل على الكفر وعدم الإيمان بالله ، لكن الواقع ان الوصف يبقى مبتورا ما دمنا لا نحدد معنى الإيمان ، فهل هو غير مؤمن بما تؤمن به انت أم هو مؤمن بعدم بوجود الله ، ام انه مؤمن بوجود الله وغير مؤمن بهذا ألكم الهائل من الاجتهادات والإضافات حيث يتقاطع الصحيح مع المختلق وما نسبه الخيال للخالق من ضروب الترهيب والترغيب في وصف عذاب الجحيم ونعيم الجنة مما توارثه البشر وتنازعوا فيه شيعا ومذاهب وكل يرى رأيه صائبا يتنازعون الله فيقتلون ويغتصبون ويغنمون مال وشرف الغير ويدمرون التراث ويمسحون معالم التاريخ باسمه ، وباسمه يزينون القبح ويجرمون الجمال ويستعجلون الرحيل من الدنيا وقبل ذلك يرحلون آخرين وكأن جماجمهم وحدها تعبد الطريق الى الفردوس ، اي طمأنينة داخلية تسكن هذه النفوس ؟ وأي ايمان هذا الذي يدفع صاحبه الى التكبير وهو يهم ذبح من يتلوا الشهادتين وهو يذبح وكلاهما يستقوي بنفس الإله ؟ وهل سيبارك الله ما صار عليه المسلمون ويزكي خراب ديارهم في عالم ذهبت فيه شعوب وامم اخرى بعيدا في نهضتها وتطورها ؟ طبعا لا ، لو كان الامر كذلك لاستحاب لدعوات الخطباء بالويل والثبور في

  • Benmechdoud
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 09:39

    يقول الكاتب (( المهم أن الكل" يُؤمن" وهم جميعاً "مؤمنون"! إما مؤمنون بدين أو بـعقيدة فلسفية أو قوى الطبيعة وقد يكونون مؤمنين بوجود الخالق أو مؤمنين بعدم وجوده . فإذاً الكل " يُؤمن" وكلناً "مؤمنون"!))
    كمن قال : المهم الكل يخدم. اما يخدم الحقول بالفلاحة وأما الأسواق بالتجارة وأما بالصناعة في المعامل وأما بالكريساج بالشفرة و التشرميل في الشوارع. المهم أن الكل يخدم وكلنا خدامين والحمد لله!!!!

    لا لا تستوي ال الظلمات و لا النور ولا الظل ولا المرور.

  • Anticapitaliste
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 11:18

    اعتقد ان الجنس البشري كوحدة لم يصل بعد الى مستوى الانسان ، فشعور الفرد بانسانيته و بالتالى بالاخرين عابرة قد تكون في لحضة حزن او ياس او تامل مع تفاوت من شخص لاخر،وهدا مرده الى طغيان المادية التي تنقص في كل يوم من رصيده الروحي ، وكل هدا في اطار نظام عالمي راسمالي متوحش اعطى القيمة للشيء وتناسى النفس والروح ،فاصبح كثير من الناس ان لم نقل الاغلبية بالامهم واحزانهم لا يساوون حفنة من الذهب التي اصبحت اكتر قيمة منهم!

  • Mohammed
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 13:08

    من اراد السعادة فوالله لركعتان في جوف الليل و الناس نيام تمنحك السعادة و تشعرك بقرب رب السعادة. و "تأمل" ف سمه القادر و الجليل و القوي و العزيز…

  • زينون الرواقي
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 13:54

    الى محمد تعليق 7 السلام عليك ،
    وصفتك للسعادة لا أجادل فيها ، لكن ما يثيرني حقاً هم هؤلاء الذين يركعون بالليل ويذبحون بالنهار ، يركعون ثم يذهبون مباشرة لتفجير أحزمتهم الناسفة ، هل يشعرون بالسعادة وهم يفعلون ذلك ؟ أكيد انهم سعداء بسجودهم وركوعهم وسعداء اكثر بما هم مقدمون عليه بعد ذلك ، سعداء بشقاء الآخرين ، سعداء بترمل النساء ويتم الاطفال وخراب الديار ، اما من تعودنا عليهم منذ طفولتنا من المؤمنين البسطاء المسالمين المحبين للخير الناصحين الذين تجدهم في الافراح والملمات قبل طوفان الوهابية البغيضة والتفسير الأعرج للدين والدنيا فهؤلاء حقاً هم السعداء الذين كان شعاعهم وبشاشتهم وحكمتهم وطبعهم المسالم يدفئ من حولهم ويحبب اليه هذا الدين الذي جعلهم ما هم عليه مثالا وقدوة تحتدى قبل ان يأتي من جعله مرادفا للآلام والمآسي والتكفير والتفكير بإراقة الدماء ، تحياتي .

  • سمرقندي
    الخميس 7 يوليوز 2016 - 20:17

    مقال يبعث علي اعطاء معنى للحياة من خلال ما تطرق له الكاتب من خلال هذا النص الممتع والذي سافر بنا بعيدا عن عالم الماديات بكل موبيقاتها وماسيها …كما احيي صاحب التعليقين رقم4 و 8 ا الذين تناغما مع محتويات النص حد التكامل.تحية اخيرا لكاتب النص وشكرا هسبرس .

  • Seneca
    الجمعة 8 يوليوز 2016 - 01:52

    lisez les sagesses antiques et vous verriez la morale pratique avec un bonheur d'ame et de coprs inédit!lisez seneca.epictete.marc aurele..

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 6

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 2

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية