تقديم
ساهمت الترجمة على مر العصور في التواصل العلمي والثقافي بين الأفراد والمجتمعات. وخلقت التقارب والحوار والتعايش على الرغم من الاختلاف اللغوي والحضاري بين الدول. وذلك عبر ترجمة الكتب والنصوص في مختلف أنواع المعرفة من فلسفة وعلم وأدب وفن. كما لعبت الترجمة دورا حاسما في نهضة وتقدم المجتمعات وانتقال الريادة العلمية من مجتمع إلى آخر، وخلق الإشعاع المطلوب في مختلف الميادين بتحقيق النقلة النوعية من عالم التخلف والانحطاط إلى عالم جديد متقدم ومزدهر، يؤمن بالعلم والمعرفة لبناء المستقبل. فكيف تعمل الترجمة على إعادة بناء المعرفة وإطلاق الدينامية الداخلية للتطور الفكري والعلمي؟ وما هو البعد التواصلي للترجمة في معادلة الحوار العلمي والثقافي والتعايش السلمي بين الدول والمجتمعات الإنسانية؟
الترجمة في معادلة الإبداع والتواصل
يمكن تعريف الترجمة كعملية نقل النص الأصلي من اللغة المصدر إلى اللغة الهدف. تتطلب من المترجم إتقان اللغات المستعملة. وكذلك التوفر على ثقافة واسعة بالثقافات حتى يتوفق في ترجمة النص بطريقة سليمة، تعكس معنى ومضمون النص المترجم، لإرضاء المتلقي أو القارئ. كما تتطلب الترجمة عملا مضاعفا لإتقان العملية والتعبير عن المعنى ومضامين النصوص بطريقة جيدة وبكل أمانة علمية.
بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الترجمة عملية مركبة تتطلب عملا منهجيا وعلميا لتفكيك النص الأصلي إلى وحدات، قد تكون كلمات أو جملا أو فقرات قصد البحث عن التكافؤ اللغوي والثقافي في اللغة والثقافة الهدف. لكن، وأمام اختلاف الأنساق اللغوية لكل لغة على المستوى المعجمي والنحوي والتركيبي، تصبح الترجمة الحرفية متجاوزة، لصالح الترجمة التي تعتمد التأويل والإبداع والبحث عن وحدات الترجمة النصية التي تتطلب من المترجم أن يكون مبدعا للوصول إلى ما وراء البنية السطحية للنص الأصلي، والكشف عن المعنى العميق والمركب خلف المعنى الظاهر والمباشر. كما يستعمل المترجم التأويل الثقافي لاستكمال الفهم الدقيق للمعنى في النص الأصلي لإنتاج النص الهدف.
في هذا السياق، عرفت الترجمة تطورا كميا ونوعيا في سيرورتها التاريخية، سواء من خلال الكتب المترجمة من طرف المترجمين أو من خلال الدراسات البحثية المنجزة من طرف الباحثين. الشيء الذي سيساهم في ظهور الترجميات المعاصرة كتخصص علمي، يختص بدراسة الترجمة كسيرورة يقوم بها المترجم. وكذلك دراسة النص المترجم، باعتماد مقاربات علمية مختلفة، تجمع بين الأبعاد النظرية والمنهجية والتطبيقية، للإجابة عن مختلف الصعوبات والإكراهات التي تقف في وجه المترجم، بهدف تجاوزها للوصول إلى تحقيق نص مترجم يتوفر فيه التكافؤ اللغوي والثقافي بكل أمانة علمية. تجعل من الترجمة عملا ممكنا يساهم في إغناء الحوار والتواصل بين اللغات والثقافات وتقريب المسافات والاختلافات.
2- الترجمة وبناء المعرفة العلمية
استطاع المجتمع الأوروبي أن يحقق نهضته الفكرية والعلمية اعتمادا على ترجمة الكتب الفلسفية والعلمية لفلاسفة وعلماء الحضارة العربية، أمثال ابن رشد وابن سينا والرازي والفارابي الذين وصلوا أوج إبداعهم بإسهاماتهم المعرفية في مختلف ميادين المعرفة والعلم، من فلسفة ومنطق والرياضيات والطب والهندسة. وقد استفاد الفلاسفة والعلماء العرب بدورهم من ترجمة المعرفة الفلسفية اليونانية في العهد العباسي بشكل رسمي بإنشاء “بيت الحكمة” في بغداد في القرن الثامن الميلادي. واشتغل المترجمون على إنجاز الترجمات في مختلف الميادين العلمية والفكرية. وكذلك تدريس وتكوين تراجمة متخصصين تحت إشراف حنين ابن إسحاق. فازدهرت الترجمة نظرا لتوسع الدولة العباسية على حساب عدة دول وثقافات منها الفارسية والهندية، بلغاتها المتعددة والمختلفة، جعلت من الترجمة والتواصل حتمية فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية. لكن سرعان ما سيتعرض الفلاسفة والعلماء لواقع الحصار والتشكيك من طرف رجال الدين والسلطة السياسية. هذه الأخيرة وبممارستها للتضييق ومحاربتها للفلاسفة والعلماء، عملت على محاصرة العقلانية العربية وإفشال المشروع التنويري الذي كان يبحث عن التنوير العقلي والاختلاف والتسامح بين مختلف الثقافات في المجتمع العربي. الشيء الذي سيؤدي إلى الانحطاط والتأخر الثقافي والحضاري.
في المقابل، سيتمكن المجتمع الأوروبي من حمل مشعل المعرفة والعلم. وذلك بترجمة الكتب الفلسفية والعلمية العربية إلى اللاتينية بمدرسة طليطلة للترجمة بالأندلس في القرن الثاني عشر. ومن بينها كتب ابن سينا وابن رشد وبداية العقلانية الأوروبية لاحقا مع رونيه ديكارت مرورا بفلسفة عصر الأنوار وتطور العقلانية كتصور فلسفي، يطرح أسئلة التطور والتقدم بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وينتقد سلطوية المجتمع الإقطاعي، ويعبر عن طموحات البورجوازية الناشئة.
في هذا السياق، يتبين كيف ساهمت الترجمة في التواصل العلمي والثقافي والحضاري بين الشعوب، لتطوير المعرفة الفكرية والعلمية وتحقيق التقدم والازدهار. وخصوصا حين تتوفر الإرادة الفعلية للنخب المثقفة والسياسية للنهوض بالبحث العلمي والاجتهاد، قصد بناء وتطوير المعرفة والعلم عبر سيرورة متواصلة الحلقات. تجمع بين النظرية والتطبيق لخدمة المجتمع في مختلف الميادين من هندسة وطب وفلك ورياضيات وعلوم إنسانية. وستتمكن المجتمعات الأوروبية من التطور وتحقيق ثورات وطفرات متواصلة الحلقات: صناعية وعلمية وتكنولوجية ورقمية.
بالمقابل، ستهيمن الدول المتقدمة على العالم بالعلم والمعرفة حين استعملته في السيطرة على الدول والمجتمعات للتحكم في مواردها الطبيعية والبشرية. بينما المطلوب هو توظيف المعرفة بمختلف أشكالها، لخدمة مصلحة الإنسان وازدهاره دون تمييز أو إقصاء. وهذا يبين أن نظام العولمة الحالي على الرغم من بعض إيجابياته إلا أنه يظل غير منصف لجميع المجتمعات، إذ يتميز بهيمنة الثقافة الأنجلوسكسونية باستعمال اللغة الإنجليزية على حساب لغات وثقافات العالم المختلفة والمتعددة.
3- دور الترجمة في بناء التواصل العلمي
أصبح التواصل العلمي بين الثقافات ممكنا وسريعا بفضل الترجمة واستعمال التكنولوجيا الرقمية التي تقرب المسافات والاختلافات بين المجتمعات. وذلك بترجمة الكتب والنصوص الورقية والرقمية أو أثناء عقد الندوات والمؤتمرات. ولتوفير تراجمة وباحثين في الترجمة تم إدراج الترجمة كمادة للتدريس في الجامعات والمعاهد في أغلب دول العالم، نظرا لأهمية هذا التخصص في تكوين كفاءات، تنظيرا وممارسة في هذا الحقل المعرفي والعلمي الواعد، لمواكبة تطور البحث العلمي في مختلف الميادين.
هذا الأخير، يحتاج إلى أطر متخصصة في الترجمة قادرة على إنتاج ترجمات جيدة، تواكبه وتسنده لترجمة الكتب والمقالات العلمية أو النقاش والحوار سواء في ما يتعلق بالمصطلحات العلمية أو البحث عن التكافؤ اللغوي والثقافي في مختلف ميادين الآداب والعلوم والفكر. وتكتسب الترجمة أهمية بحثية رصينة لتطوير اللغة العلمية للغة العربية في علاقتها بلغات العالم. كما تساهم الترجمة العلمية من وإلى العربية في انفتاح المعرفة العلمية بكل أبعادها وما توصلت إليه الثقافات الأخرى من علم ومعرفة والعمل على تملكهما. وخصوصا حين يكتب الباحثون والمتخصصون أبحاثهم العلمية باللغة الأم وترجمتها إلى لغات العالم.
إن المعرفة العلمية هي معرفة إنسانية تركيبية وليدة سيرورة متواصلة الحلقات. ساهم في إنتاجها وتطويرها باحثون متخصصون ينتمون إلى شعوب مختلفة من العالم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وبلغاتهم الوطنية. لكن ما نلاحظه هو أن لغات وثقافات العالم أصبحت عبارة عن روافد، كلها تصب في لغة علمية عالمية مهيمنة وهي اللغة الإنجليزية وثقافتها الأنجلوسكسونية. تكرس مركزية الثقافة الأوروبية والغربية بشكل عام. وتستعمل الترجمة بشكل كبير لنقل ما ينتجه الكتاب والباحثون المتخصصون إلى اللغة الإنجليزية كلغة العولمة بامتياز، إلى جانب اللغة الصينية الصاعدة والمنافسة.
ولنا أن نتساءل: كيف للغة تحتل الرتبة الرابعة عالميا وتعتبر من اللغات الرسمية بالأمم المتحدة أن يتم التشكيك في علميتها ومصداقيتها؟ إن اللغة العربية هي لغة العلم والمعرفة بامتياز. تتطلب من الباحث والمتخصص والكاتب وكل الناطقين بها، استعمالها في أبحاثهم وإبداعاتهم، لأن استعمالها وتداولها والإبداع بها، يعد تأهيلا لها وتطويرا لقدراتها التواصلية والترجمية في معادلة البحث العلمي والتواصل الثقافي. كما يعتبر الانفتاح على لغات العالم كلغات وظيفية أساسيا، لاستعمالها قصد التواصل والترجمة، وإغناء ثقافتنا بالعلم والمعرفة، وجعل البحث العلمي يواكب الطفرات العلمية والرقمية والتكنولوجية التي يعرفها العالم بسرعة ضوئية.
خاتمة
إن المعرفة العلمية هي إنتاج إنساني مشترك ومركب، ساهمت كل المجتمعات في بلورته بفضل البحث العلمي، باستعمال الترجمة والتواصل اللغوي والثقافي. وهذا يفترض الاعتراف والإنصاف بجميع لغات العالم دون استثناء ومن بينها اللغة العربية التي تشغل مكانة محترمة بين لغات العالم. تستحق أن تكون لغة علمية لغناها المعجمي والمصطلحي والأسلوبي والتركيبي. بالموازاة يظل الانفتاح على لغات العالم أساسيا وجوهريا، في عالم حولته العولمة إلى قرية صغيرة. يتطلب كثيرا من العمل الترجمي والتواصل اللغوي والثقافي، وفق مقاربة تتوخى الإنصاف والاعتراف بالآخر لتحقيق الحوار المنتج للتعايش السلمي ونبذ الحروب والحدود بين الأفراد والشعوب والثقافات.
“استطاع المجتمع الأوروبي أن يحقق نهضته الفكرية والعلمية اعتمادا على ترجمة الكتب الفلسفية والعلمية لفلاسفة وعلماء الحضارة العربية، أمثال ابن رشد وابن سينا والرازي والفارابي الذين وصلوا أوج إبداعهم بإسهاماتهم المعرفية في مختلف ميادين المعرفة والعلم، من فلسفة ومنطق والرياضيات والطب والهندسة. وقد استفاد الفلاسفة والعلماء العرب بدورهم من ترجمة المعرفة الفلسفية اليونانية في العهد العباسي بشكل رسمي بإنشاء “بيت الحكمة” في بغداد في القرن الثامن الميلادي”.
dixit l’auteur.
faux et archi-faux: il ne s’agit nullement de “la civilisation arabe”, mais bien de la civilisation
musulmane
Alors, trêve de manipulation !
اتفق معك استاذ, ان الترجمة مهمة جدا و تلعب دورا محوريا للتواصل العلمي و الثقافي بين الامم و تحتاج الى معرفة بالثقافات لفهم تعبيرهم اللغوي.
ما زالت بعض المفاهيم المرافقة للترجمة بوصفها امرأة مقنعة لا يمكن بحال الوثوق بها أنها المرأة الأصل ، وهناك من يرى فيها مسخا للذات الأصلية ، فالترجمة ومهما كانت دقيقة فلا يمكن أن تقترب من ترجمة النص الأصلي إلا بمقدار %90 ، اليوم تفرع علم الترجمة لتصبح لديه تخصصات واسعة، إن في الاقتصاد أو المال أو التكنولوجيا أو الطب ، أمس كنا نتحدث عن الترجمة العامة والمنحصرة في نقل النص من لغة A إلى لغة B ، وغالبا ما كانت أدبية ، اليوم نحن أمام نصوص أكاديمية في التشريح أو التكنولوجيا أو الهندسة ، فهل ياترى مترجم الأمس هو مترجم اليوم ؟ هناك بون شاسع بين الإثنين في الظروف الراهنة ، وحتى الترجمة الرقمية أو بالأحرى الآلية حتى لم تستطع تعويض الإنسان ، فقد نجد روبوط يجيد عدة لغات وبلهجاتها المحلية ، لكن تغذيته تحتاج إلى المليارات من الأحرف والجمل والمعاني القاموسية وفي عدة تخصصات ، أما الترجمة الآنية والمباشرة والمنتشرة بين الدبلوماسيين فهي الأخرى تستلزم من المترجم أن يكون متمرسا بمناخ اللغتين معا وسبق له أن عاش ردحا من الزمن في بيئة كل منهما ، سلمات
بالنسبة لترجمة العلوم, فان المترجم عليه ان يكون ملما بالمادة العلمية و في نفس الوقت ملما بالمصطلحات العلمية بكلتا اللغتين او ربما يبدع مصطلحات علمية جديدة
مثلا هناك مصطلحات عربية كثيرة في اللغات الاوروبية او انها اتخدت حلة لغوية جديدة مثلا “جبل طارق”
وكما ان هناك مصطلحات اجنبية تعربت. يعني عموما ان اللغة نفسها تتطور بالترجمة.
الشطرنج.. ملك الألعاب ولعبة الملوك
وتذهب بعض المصادر إلى أنه عندما تعرف العرب على اللعبة، لم يقبلوا بجعل أقوى القطع أنثى “الملكة” فأطلقوا عليها اسم الوزير، رغم أن هذه الرواية لم تجد تدعيما وبحثا تاريخيا قويا.
الوثائقية // خاص
maravillosa explicacion por los nuevos lobos buen parte buena noche
مسالة اخرى, الترجمة مكلفة و تحتاج الى اطر و لجان المراقبة .
بالنسبة للاطر تحتاج ليس للكم فقط, و انما للتخصص و المعرفة العلمية و اللغوية.
و العلوم متعددة و متشعبة, مثلا مجال الاقتصاد تدخل فيه مواد كثيرة, وربما تكون جزء من علوم اخرى, كالقنون الخاص بالاقتصاد..