التعمير في خدمة التنمية المستدامة

التعمير في خدمة التنمية المستدامة
الثلاثاء 21 فبراير 2023 - 08:24

أصبح توفير شروط تحقيق التنمية المستدامة من الركائز التي تؤطر السياسات العمومية لمختلف القطاعات الحكومية منذ أن شارك المغرب في قمة الأرض بريو البرازيلية سنة 1992. وقد تم تكريس مبدأ الاستدامة كإطار للتنمية رسميا من طرف الدولة من خلال اتخاد مجموعة من الإجراءات المتمثلة في إحداث مؤسسات خاصة بالحكامة البيئية وإصدار مجموعة من التشريعات التي تهدف إلى الحفاظ على البيئة ووضع خطط وبرامج لتحقيق مضامين التنمية المستدامة.

وتظهر انعكاسات وتجليات التنمية المستدامة ترابيا حيث تطفو نتائجها، نتيجة تقاطع وتفاعل مختلف المشاريع القطاعية سواء العمومية أو الخاصة، على جميع المستويات الترابية المحلية والجهوية والوطنية.

ويعتبر التعمير، ومن خلال ما يتوفر عليه من أدوات الأجرأة، وبفعل تمرسه على مقاربة إشكاليات التخطيط المجالي لمختلف المستويات الترابية، من الآليات القادرة على توفير شروط إنجاح وتنزيل خطط التنمية المستدامة سواء المحلية أو الجهوية.

أهم مبادى وأهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة:

منذ انعقاد قمة الأرض سنة 1992، انخرط المغرب في جميع البرامج التي اعتمدتها الأمم المتحدة لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والترابية المستدامة، ونخص بالذكر برامج أهداف الألفية التي تصبو أساسا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية والحفاظ على البيئة، من خلال تحقيق نسب عالية من النمو الاقتصادي التي يجب أن تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع وفئاته، ويجب أن توزع بشكل عادل على كافة مناطق البلاد مع الحفاظ على بيئة سليمة لتستفيد من مواردها الأجيال القادمة. ويجب أن يتحقق ذلك في ظل التمسك بالخصوصية الحضارية والثقافية التي يمثلها التراث المادي واللامادي للأمة المغربية.

وفي هذا الإطار، سن المغرب مجموعة من التشريعات والقوانين مثل القانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، والقانون 12.03 الخاص بدراسة التأثير على البيئة، والقانون 13.03 المتعلق بمحاربة تلوث الهواء، والقانون 12.81 الخاص بحماية الساحل وكذلك القانون الإطار 12.99 الذي يعتبر بمثابة ميثاق وطني للبيئة والتنمية المستدامة.

وتندرج هذه القوانين في إطار ترجمة إرادة الدولة في جعل الاستدامة كمبدأ لكل عمل ذي طابع اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي، إذ يجب احترامه والتقيد به من طرف جميع المتدخلين في الشأن العام. وقد ترجم القانون الإطار 12.99 هذه المبادئ من خلال تبني مفاهيم الاندماج، الترابية، التضامن، الاحتراز، الوقاية، المسؤولية والمشاركة.

وقد استوعبت الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة (2017-2030) مبادئ وأهداف الميثاق الوطني للتنمية المستدامة من خلال تسطير مجموعة من البرامج والعمليات التي تهم القطاعات التي يؤثر نشاطها أو طريقة استغلالها على البيئة (الصناعة، البناء، النقل…). وتهدف هذه البرامج إلى تحقيق الانتقال الطاقي بالاعتماد على الطاقات المتجددة والاقتصاد في استهلاك الطاقة من خلال تفعيل آليات النجاعة الطاقية. وتهم الاستراتيجية أيضا الحفاظ على الثروات الطبيعة وترشيد استهلاكها (الماء، التربة، الهواء…) والاعتماد على تدوير وتثمين النفايات سواء السائلة أو الصلبة وكذلك حماية المجالات والمواقع الهشة من آثار التدخل البشري (المواقع ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية، الجبال، الواحات، الساحل، الأراضي الفلاحية الخصبة…). والهدف من كل هذه الإجراءات المسطرة هو الانتقال إلى اقتصاد أخضر كفيل بتوفير شروط الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية في ظل مناخ يطبعه التغير المستمر.

ولتنزيل هذه القوانين والبرامج، تم إحداث عدة مؤسسات سواء حكومية مثل قطاع البيئة الذي يوجد حاليا تحت وصاية وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أو مؤسسات عمومية مثل المجلس الوطني للبيئة، وكذا مؤسسات تنتمي إلى المجتمع المدني كمؤسسة محمد السادس لحماية البيئة التي تضطلع بدور تربوي وتحسيسي بأهمية التنمية المستدامة.

ورغم وجود مؤسسات مختصة، فإن إشكاليات البيئة والتنمية المستدامة تهم جميع القطاعات الإنتاجية والاقتصادية وكل الفاعلين المؤسساتيين (الإدارة، السلطات والجماعات الترابية، المؤسسات العمومية) بالإضافة للقطاع الخاص وباقي مكونات المجتمع. كما تهم قضايا التنمية المستدامة جميع المستويات الترابية حيث تتداخل المستويات المحلية والجهوية مع المستويات الوطنية والدولية.

لذا، فان مقاربة التنمية المستدامة تتطلب التوفر على إحساس ترابي نافذ ونظرة استشرافية ثاقبة للديناميات المجالية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وامتلاك أدوات إجرائية، سواء قانونية أو تقنية. ويجب أن تكون هذه الأدوات متمرسة ترابيا لكي توفر شروط احترام ميثاق التنمية المستدامة خاصة مبدأي الاندماج والترابية. إذ أن انعدام التخطيط والتنسيق والالتقائية بين المتدخلين المعنيين، وطغيان المقاربات القطاعية للبرامج التنموية في ظل غياب شرطي الاندماج والترابية، يحول دون تنزيل أمثل لمبادئ الاستدامة وفقا للتشخيص الذي قامت به الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة.

ولتجاوز ذلك، يمكن اعتبار التعمير من الآليات المؤسساتية التي بإمكانها المساهمة، بشكل عملي وفعال، في تنزيل أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة. وذلك بما يمتلك من أدوات وخبرة طويلة في توفير شروط التقاطع والالتقاء بين البرامج القطاعية التي تهم التنمية الترابية على مستوى مختلف المجالات الوطنية وذلك بواسطة آليات التنسيق والتشاور التي يوفرها.

وثائق التعمير وتوفير شروط التنمية المستدامة:

لقد رآكم التعمير تجربة كبيرة في ميدان التخطيط الترابي مند 1914 حيث تم اصدار أول قانون للتعمير بالمغرب والذي كان هدفه تقنين عمليات توسع المدن والحفاظ على جماليتها وحماية الصحة والامن العام وانجاز وثائق تعمير لها وكذا إلزامية التوفر على رخصة إدارية لمباشرة عمليات البناء.

وقد عرف قانون التعمير لاحقا تطورا ملحوظا في مضامينه بعد إصدار قانون 1933 الخاص بالتجزئات السكنية، وقانوني 1952 و1953 اللذين دققا في مساطر إعداد وتائق التعمير وكذا تحديد كيفية تقسيم الأراضي وتجهيزها بغرض إقامة مشاريع سكنية أو اقتصادية، وصولا إلى قانون 12.90 المتعلق بالتعمير والذي قنن مساطر الدراسة و المصادقة على وثائق التعمير (مخطط توجيه التهيئة العمرانية، تصميم التنطيق وتصميم التهيئة)، وقانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات اللذين صدرا سنة 1992 مرورا بقانون 1960 الخاص بتحديد مسطرة الدراسة و المصادقة على مخطط تنمية التكتلات العمرانية القروية.

لقد مكنت هذه المدة الزمنية الطويلة نسبيا التعمير من اكتساب خبرة كبيرة راكمها من خلال مقاربته لمجالات ترابية متعددة بخصوصيات طبيعية متنوعة وذات إشكاليات اقتصادية واجتماعية متباينة. حيث تم خلال هذه المدة اعداد وتائق تعمير متعددة لعدة مدن كبرى ومتوسطة وصغرى، ولمجالات مختلفة مثل المناطق الساحلية والداخلية ومناطق أخرى تتميز بنية جبلية وبعضها ذات خصائص صحراوية. كما تم وضع هذه الوثائق لمواقع متميزة كالواحات والقصور والقصبات وكذلك لمراكز وتجمعات قروية بمعطيات طبيعية وخصائص بشرية مختلفة.

ومن خلال تراكم تجربة إعداد وثائق التعمير، تم إغناء منهجيات المقاربة وطرق الدراسة التي اعتمدها التعمير حيث تم المرور من إشكاليات متعددة بمقاربات مختلفة. فقد سيطر في البداية براديغم التنظيم المجالي للمدن والحد من توسعها والفصل بينها وبين المجالات القروية المحيطة بها من خلال برمجة ما كان يعرف بالأحزمة الخضراء. بعد ذلك تم الاهتمام بموضوع الحفاظ على الموروث العمراني والمعماري للمدن العتيقة التي تم تصنيف أهمها ضمن لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو على شاكلة المدن العتيقة لفاس ومراكش وتطوان ومكناس والصويرة والرباط والنسيج العمراني العتيق لمازاغان بمدينة الجديدة.

ومع بداية الألفية الحالية، أعطيت الأولوية لوضع مشاريع حضرية وترابية لمختلف مناطق المملكة تماشيا مع مشاريع التأهيل الحضري والمجالي للتراب الوطني ولمواكبة مختلف البرامج القطاعية الكبرى للدولة. أما حاليا فإن الاهتمام منصب على وضع تصورات لمشاريع ترابية تهدف إلى تحقيق المرونة والاستدامة الترابية وتأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية للتكيف معها والتقليل من مخاطر الكوارث الطبيعية المرتبطة بها.

وتأسيسا على هذا التراكم، يعتبر التعمير من بين الآليات النموذجية التي يمكن أن تساعد في تنزيل أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة بحكم اعتماده لمبدأي الترابية والاندماج اللذين أقرهما القانون الإطار المتعلق بالتنمية المستدامة. إذ أن وثائق التعمير، والتي تعد الوسيلة الأساسية التي يتدخل بواسطتها التعمير في تدبير الشأن العام، قادرة على التنزيل الترابي لأهداف التنمية المستدامة. أذ أن المادة 4 من قانون 12.90 تنص على أن مخطط توجيه التهيئة العمرانية يهدف إلى تعيين المناطق الزراعية والغابوية، والأماكن الطبيعية التي يجب حمايتها بالإضافة إلى المناطق المثقلة بارتفاقات عدم البناء وعدم التعلية والارتفاقات الخاصة بحماية الموارد المائية. كما أن هذا المخطط مطالب كذلك بتحديد مبادى الصرف الصحي والأماكن الرئيسية التي تصب فيها المياه المستعملة والأماكن التي توضع فيها النفايات المنزلية، ويجب على المخطط أيضا تحديد مبادى تنظيم السير والجولان. والشي نفسه تنص عليه المادة 19 من القانون نفسه، الخاصة بتصميم التهيئة، وبالتالي نلاحظ أن قانون التعمير يضمن شرطا بنيويا من شروط تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة وحماية البيئة وهو شرط الترابية La territorialité.

كما توفر وثائق التعمير أيضا شرط الاندماجPrincipe d’Intégration الذي تنص عليه المادة 2 من القانون الإطار 12.99 المتعلق بالتنمية المستدامة. ويتمثل هذا المبدأ في تبني مقاربة شمولية وبين قطاعية وأفقية عند إعداد وتنفيذ سياسات واستراتيجيات ومخططات وبرامج التنمية المستدامة على المديين المتوسط والبعيد. وهذا ما تؤكد عليه المادة 3 من القانون 12.90 المتعلق بالتعمير والتي تنص على أن مخطط توجيه التهيئة العمرانية يهدف إلى تنسيق أعمال التهيئة التي يقوم بها جميع المتدخلين من دولة وجماعات ترابية ومؤسسات عمومية من أجل تحقيق الاندماج بين جميع التدخلات الأفقية وبلوغ الالتقائية بين مختلف البرامج القطاعية الهادفة إلى تحقيق التنمية المستدامة للمجالات المعنية وفق فلسفة الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة.

كما أن المادتين 4 بالنسبة لمخطط توجيه التهيئة العمرانية والمادة 5 بالنسبة لتصميم التهيئة من المرسوم التطبيقي لقانون 12.90 تشترطان عقد اجتماعات اللجان التقنية قبل عرض مشاريع وثائق التعمير على أنظار المجالس المنتخبة والساكنة المعنية لإبداء الرأي حولها. وتتشكل هذه اللجان من مختلف المصالح الحكومية والجماعات الترابية المعنية والغرف المهنية المعنية وكل جهة يعتبر حضورها مفيدا. وتعقد اللجان التقنية اجتماعاتها تحت رئاسة السلطات الترابية المعنية، قصد دراسة واقتراح المشاريع والبرامج الكفيلة بتحقيق تنمية مستدامة للمنطقة المعنية بوضع وثيقة التعمير موضوع الاجتماع. وهكذا يتيح التعمير إمكانية تحقيق شرطي التشاور Concertation والإشراك Participation اللذين يعتبران من القواعد الجوهرية الواجب احترامها عند وضع خطط التنمية المستدامة.

خلاصة:

إن التجربة والخبرة التي راكمهما التعمير بالمغرب خلال مدة زمنية تفوق 100 سنة، جعلته وتجعله من الفاعلين المؤسساتيين الأساسيين الذين يمكن لهم أن يقدموا إضافة نوعية وغنية، ويساهموا بشكل فعال ومباشر في تحقيق رهان تنزيل برامج التنمية المستدامة. اذ أن مقاربته ومعالجته للقضايا والإشكاليات التنموية والترابية المختلفة، جعلته يكتسب وعيا عميقا بالتحديات وبالانعكاسات الإيجابية والسلبية الناتجة عن الاستعمالات المختلفة للأرض خاصة التحدي البيئي ورهان الاستدامة، بل بمكن للتعمير أيضا أن يصبح بمثابة ضمير المجتمع في مجال حماية البيئة وتحقيق الاستدامة إذا ما تم توظيف أدواته بطريقة علمية ومواطنة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الرقشي
    الأربعاء 22 فبراير 2023 - 06:34

    إحداث مؤسسات خاصة بالحكامة البيئية وإصدار مجموعة من التشريعات التي تهدف إلى الحفاظ على البيئة ووضع خطط وبرامج لتحقيق مضامين التنمية
    الله غالب

  • Hamza EL BERCHOUI
    الأربعاء 22 فبراير 2023 - 15:58

    مقال هادف ورائع
    شكرا جزيلًا للسيد الكاتب على شمولية وعمق التحليل

صوت وصورة
الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 00:43

الجديدة تتوّج الخيول البربرية العربية

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 23:12 3

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 22:26

ميطا 3 | أشنو واقع فالرجاء؟

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39 1

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34 2

مراسيم تسليم السلط