ما أحوجنا – نحن المهتمين بالشأن الثقافي- إلى أن نجتمع على كلمة سواء بيننا، ألا وهي أن نطيل التفكير في سبل تجديد النظر في التراث في شقيه المادي واللامادي، واستشراف مستقبله في ظل تنامي الخطابات الاحتكارية، ذات الأفق الاستعماري الهادف إلى سلب الشعوب هويتها وفرض نمط واحد حياتي معمم ومهيمن، لا مكان فيه لمفاهيم من قبل الهوية، والخصوصية، والإرث الحضاري والتاريخي.
من هنا، نتقدم بوافر الشكر لإدارة المهرجان، أولا على بلاغة العنوان الذي اختارته لهذه الندوة وراهنيته، وثانيا لإتاحة فرصة التحاور وتبادل الآراء وتفكيك واقع التراث اللامادي والتساؤل عن آفاقه المستقبلية، ليس في المغرب فقط، ولكن في كل الجغرافيات ذات الامتداد الحضاري الضارب في التاريخ، والتي لم تستطع بعد تسويق تراثها اللامادي تسويقا موسعا.
وقد اخترت في مداخلتي الموسومة بـ”التكوثر الجمالي للتراث اللامادي وآفاقه المستقبلية” أن أناقش الموضوع من ثلاثة مداخل؛ هي المدخل التعريفي، والمدخل التوصيفي، والمدخل الاستشرافي.
*1*المدخل التعريفي:
معلوم أن لفظ التراث يزدوج فيه لفظ الثقافة بلفظ الحضارة، اللذان يدخلان في حقله، فإذا كانت الثقافة إنتاجا خطابيا وسلوكيا يستند إلى قيم قومية حية، أي مرغوب فيها ومطلوب العمل بها، فإن التراث قد ينطوي على قيم وخصائص لم يعد المجتمع يطلبها أو يعمل بها، والأمر نفسه بالنسبة للحضارة، فهي إنتاج خطابي إنساني يستند إلى قيم إنسانية حية، بينما التراث تتنازعه قيم إنسانية حية وأخرى منسية لم يعد المجتمع يأبه بها أو يرغب فيها، وبهذا يكون تعريف التراث أنه “عبارة عن جملة المضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدد الوجود الإنتاجي للإنسان المغربي في أخذه بمجموعة مخصوصة من السمات/ القيم القومية والإنسانية، حية كانت أم منسية/ ميتة”.
وهذا التعريف يتقاطع مع تعريف اليونيسكو للتراث اللامادي، فهو عندها يضم “التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمناسبات الاحتفالية، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، أو المعارف والمهارات المرتبطة بإنتاج الصناعات الحرفية التقليدية.
ويشكل التراث الثقافي غير المادي، بالرغم من طابعه الهش، عاملاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة المتزايدة؛ ففهم التراث الثقافي غير المادي للجماعات المختلفة يساعد على الحوار بين الثقافات ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر”.
*2* المدخل التوصيفي:
إن التراث الثقافي اللامادي- وبخاصة الأمازيغي- في المغرب، رغم تكوثره الجمالي، وسعته الأنواعية، وعمقه الموضوعي، وامتداده التاريخي، وامتلائه الحضاري ابتلي بآفات كثيرة جراء غياب سياسة ناجعة تجعل من أولوياتها صيانته وتثمينه، وإخراجه من ضيق الممارسة الفردية المتوارثة التي تموت بموت رجالاتها، إلى سعة الممارسة المؤسساتية التي تسوقه وتعممه خارج مجالها الجغرافي من خلال إستراتيجية واضحة المعالم، تجعل التراث اللامادي شأنا مجتمعيا وشعبيا تعرف به في الإعلام والمدارس والأسواق.
ولا مراء إن قلنا: إن واقع التراث الثقافي اللامادي ينبئ بأنه في حالة تيه مثله مثل من يتيه في الأرض، نظرا لغياب سياسة خلاقة تبحث في وسائل حماية التراث اللامادي وتسطر أهدافا عملية لتنميته، وتوثيقه، وأرشفته، والحفاظ على حقوق أربابه، ومن ثمة تسويقه.
إذ لا يخفى أن التراث اللامادي ابتلي بألوان من الشتات شتى نذكر منها:
شتات في المكان: إذ يندر أن تجد أرباب التراث اللامادي في وضع مريح، فلا مسؤول في جغرافيتهم ينصرهم، ولا رواق يظلهم، ولا مجلس يضمهم، ولا دار ندوة تؤويهم، أو هبات تثمن صنيعهم وتدعمهم.
ب* شتات في الزمان: ويتجلى من حيث الزمن السياسي في عدم عناية أصحاب القرار بالتراث اللامادي من جهة على مر العصور، وأكاديميا في عدم توجيه الجامعة الطلبة والباحثين إلى الحفر في أراضيه البكر، لرصد أطواره وتقلباته عبر التاريخ، وأرشفته والكشف عن أوجه التلاقح بينه وبين غيره من التراثات العالمية اللامادية، اللهم بعض المبادرات الاستثنائية –من قبيل إدارة مهرجان نايت وارين- الذي يسعى دائما إلى تقريبنا من خصائص التراث الثقافي اللامادي الأمازيغي وخصوصيته، بل والتعرف على حداثته الداخلية، داليا ومدلوليا وتداوليا وقيمته الرمزية والحضارية.
ج*الشتات الفكري: وهو من أسوأ ألوان الشتات التي ابتلي بها التراث اللامادي، ويتجلى في اختلاف نظر المثقفين حول التراث اللامادي ومحاولة بعضهم أدلجته، واحتكاره، ما يجعل المواقف منه تختلف باختلاف النزعات والمطامع الشخصية، إذ نجد من يرى ضرورة إلباس التراث اللامادي لباسا غير لباسه الأصلي وتهجينه، ومنهم من ينظر إليه نظرة فولكلورية طقوسية، ومن الباحثين من يدعو إلى الحفاظ على أصالته خوفا من فقدان هويته، ومنهم من يتقلب في آرائه، فتارة يدعو إلى الانفتاح وتارة يدعو إلى الانكماش، وتارة يكون بين بين. ولا يخفى ما في هذا الشتات من تعطيل للآفاق المستقبلية للتراث الثقافي اللامادي وذيوعه خارج مجاله الجغرافي ووصوله إلى جغرافيات أخرى يتوافق تراثها مع تراثنا ويتثاقف معه.
*3* المدخل الاستشرافي:
قبل أن نتحدث عن آفاق التراث الثقافي اللامادي، والحلول الكفيلة بتجديد منهج النظر فيه لاستشراف مستقبله، ينبغي أن نسلم بما يلي:
أ- أن النظر السديد في التراث الثقافي اللامادي لا يتأتى بالمجازفة في التعميمات، وإنما بالنظر الكلي، القائم على النظر، والتحليل المفصل، والاستخراج التدريجي للآليات التي تحكم عقله الجواني، وكيفية تطويرها وتثويرها لنتمكن من تجديد منهجية تأهيل التراث وتسويقه وتوثيقه وأرشفته باعتباره شاهدا على عبقرية صانعيه، ولسان الجماعة وعقلها الجمعي الذي يحفظ إرثها الحضاري وأمجادها التاريخية.
من هنا تغدو أي قراءة أحادية للتراث اللامادي قراءة قاصرة تسقط صاحبة في آفة تغريب التراث، بدل التقريب الجمالي له.
أن التراث اللامادي المغربي تراث متكوثر جماليا، يضم خصائص وسمات مميزة عز نظيرها في تراثات كثير من الأمم التي أحسنت تسويق تراثها المحلي والإقليمي والوطني، حتى صار تراثا إنسانيا تحتفي به سائر الشعوب، عكسنا نحن المغاربة الذين-ويا للمفارقة- رغم توفرنا على تراث لا مادي مذهل ومتنوع وممتد في التاريخ، لكننا ابتلينا بمرض النسيان والافتتان بكل ما هو دخيل واحتقار كل ما هو أصيل من إبداع الإنسان المغربي في مختلف مناشط الحياة، فضيعنا فرصة المساهمة الجمالية في الحضارة الإنسانية بوسيط تراثي محلي كان بالإمكان أن يصير مدخلا من مداخل التنمية الاقتصادية والتسويق السياحي.
وبناء على المسلمتين السابقتين نجد أن مستقبل التراث اللامادي رهين بوعي جمعي بقيمته، وبتبني مختلف الفاعلين، سياسيين واقتصاديين ومثقفين ومدنيين وحقوقيين، رؤية شمولية تكاملية، وتوظيف كل الإمكانات المتاحة التي بموجبها يتم تأهيل التراث وتخصيبه كي يستعيد رتبته الحقيقية في سلمية الإنتاج البشري الخلاق، بدل إخضاعه للطب البديل، طب الترقيعات الآنية والمقاربات الجزئية التي يفرضها الضغط الشعبي الفجائي أو الاستعجال الثقافي والسياسي الظرفي، في جهل تام بالمحددات الموضوعية والمقومات الذاتية للتراث الثقافي اللامادي.
من هنا فإن أول سبيل لتجديد تعاملنا مع التراث اللامادي هي تغيير عاداتنا تجاهه ونظرتنا إليه، من خلال وسيط المنظومة التعليمية التي ينبغي أن ترسخ في نفوس الناشئة محبته، ليتعلقوا به، كي نربطه بأسباب الحياة في عقول ناشئة البلد، وندمجه بحاضرهم، ولنخلصهم من الأحكام المسبقة والجاهزة والفضفاضة حول التراث اللامادي التي تَعَوَّدَ بعض الباحثين المتساهلين إلصاقها به، من قبيل تهمة الجمود والماضوية، وعدم القدرة على التجدد.
إذ يجهل هؤلاء المتساهلون في نظرتهم للتراث اللامادي أن الاستثمار في التراث اللامادي كفيل بأن يبوئ أهله مكانة رفيعة بين الأمم، ما دامت الأمم تقاس ببعدين، بعد مادي، وبعد لا مادي- نصطلح عليه بالبعد الجمالي- فإذا كانت الأمم تقاس بقوتها المادية وإنتاجها العلمي والصناعي، فإنها كذلك تقاس بإسهامها الجمالي، وبتكوثر تراثها اللامادي، وجمالية رسالته، وسحر مكوناته، وبلاغة قيمه، وأخلاقياته الموسعة، باعتباره صورة عن الإنسان الذي أنشأه.
وتأسيسا على ما سبق، نستطيع أن نقول: إن المغربي/ الأمازيغي اليوم إن تعذر عليه الإسهام في محيطه الحضاري ببعده المادي الذي هو القوة والبأس فإنه يبقى له دائما متسع في أن يسهم في هذا المحيط العالمي ببعده الجمالي، الكامن في تراثه اللامادي إن أحسن تسويقه، وتقديمه للآخر في إطار المثاقفة.
كما تجدر الإشارة إلى أن النجاح في هذا الرهان يقتضي أن نفكر جميعا في الطرق المنهجية التي ينبغي أن نسهم بها في جعل الآخرين يحتاجون إلى تراثنا اللامادي، وإستراتيجيات تسويقه خدمة لأهله وللوطن وللإنسان. “فنحن في التراث كما نحن في العالم، لا اختيار لنا معه ولا انفصال عنه”-طه عبد الرحمن-.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.