يشكل التناوب الديمقراطي جوهر العملية السياسية في الدول المتقدمة، ولكل مجتمع يطمح إلى تحقيق التنمية والعيش الكريم لمواطنيه. هذا في الوقت الذي أصبح فيه المجتمع المعاصر يعاني من الفوارق الطبقية، وينتج الثروة ويوزعها بطريقة غير عادلة وقائمة على الاستغلال والربح السريع. إن التناوب الديمقراطي يعد إلى حدود الآن الآلية المناسبة في المجال السياسي، لمعالجة أزمات المجتمع وتدبير الشأن العام في مختلف المجالات. وذلك لتصحيح الاختلالات والتفاوت الطبقي في المجتمع، وإنصاف الطبقة المتوسطة والفئات الهشة والفقيرة، واسترجاع التوازن الاجتماعي. كما يساهم التناوب الديمقراطي الحقيقي بين اليمين واليسار في بناء الثقة في المؤسسات الدستورية واشتغالها بروح من المسؤولية بمرجعية دستورية وقانونية، بهدف إرساء دولة الحق والقانون وبناء العيش المشترك القائم على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع ربط المسؤولية بالمحاسبة لتأهيل الدولة والمجتمع لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
لقد أدت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية إلى تفاقم وتدهور الأوضاع الاجتماعية لمختلف الفئات الاجتماعية. دفعها لخوض احتجاجات نقابية ومجالية في ظل حكومات ليبرالية متعاقبة أعطت كثيراً من الوعود للنهوض بالوضع الاجتماعي دون تحقيقها. بحيث تناقضت القرارات والقوانين للحكومة والبرلمان مع تطلعات المواطنين وانتظاراتهم الطويلة. أدت إلى غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية للطبقة الشعبية والطبقة المتوسطة على السواء. هذا الوضع أدى إلى التوترات الاجتماعية والاحتجاجات في أكثر من قطاع.
بالمقابل، عرف المغرب نجاحاً متواصلاً في قضية الصحراء المغربية على المستوى الخارجي، حيث حصد التأييد المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي على طريق الحسم النهائي للوحدة الترابية لصالح المغرب. في نفس الوقت، يحتاج المشهد السياسي إلى إعطاء دينامية سياسية للمسار الديمقراطي والتناوب الديمقراطي، قصد الاهتمام بالبعد الداخلي لمعالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمجالية التي انعكست سلباً على الوضع المعيشي للمواطن وغلاء المعيشة. أدى ذلك إلى تراجع قدرات الأسر على الادخار وتدهور قدرتها الشرائية والعيش الكريم.
في هذا السياق، تكمن أهمية التناوب الديمقراطي الحقيقي بين أحزاب اليمين الليبرالي وأحزاب اليسار في التنافس الديمقراطي بين البرامج والأفكار، لتطوير الأداء السياسي وتحقيق حماية اجتماعية فاعلة وناجعة. كما تعمل على توفير شروط العيش الكريم للمواطنين وحمايتهم من الهشاشة والفقر وتوفير الشغل بأجر مناسب. هذا في سياق محلي وعالمي تهيمن عليه السياسة الليبرالية المتوحشة التي تؤدي إلى فقدان مناصب الشغل وتعميق واقع الفقر في صفوف المواطنين. كما يتيح التناوب الديمقراطي مراقبة ومحاسبة الباطرونا من أجل توفير وتحسين شروط العمل للعمال بمختلف فئاتهم. وذلك وفق ما ينص عليه القانون مع ضمان حقوقهم في الأجور والضمان الاجتماعي وساعات العمل القانونية.
أيضاً، يتيح التناوب الديمقراطي تفعيل محاربة الفساد والريع والحفاظ على المال العام من التبذير، الذي يؤدي إلى إنهاك الميزانية العامة في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة. وذلك بهدف استرجاع ثقة المواطن في المؤسسات الدستورية التي تفترض تمثيله تمثيلاً نزيهاً استناداً للعقد الاجتماعي المعبر عنه في الانتخابات. يقتضي بموجبه خدمة المصلحة العامة والنهوض بالمرافق العمومية في التعليم والصحة والسكن والشغل وتقديم خدمات جيدة للمواطن الذي أنهكته الخوصصة بفواتيرها الباهظة. وهذا يبين أن القطاع العام هو قطاع استراتيجي وركيزة التنمية والتقدم. ويساهم في بناء المجتمع اقتصادياً واجتماعياً. ويمكن المواطن من العيش بكرامة عبر تسهيل إمكانية الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، باعتباره دافعاً للضرائب ويساهم مادياً في تمويل المرافق العمومية ويؤدي من جيبه خدماتها الموجهة له.
يساهم التناوب الديمقراطي في الدول المتقدمة في تقدم وتطوير مجتمعاتها وتحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي لمواطنيها وضمان مشاركتهم في الحياة العامة وتخليقها. وذلك بحسن تدبير الاختلاف الفكري والسياسي والثقافي وترسيخ ثقافة دولة الحق والقانون والعيش المشترك. كما تعمل هذه الدول على ترسيخ الاندماج الاجتماعي وتوفير التربية والتكوين والشغل لمواطنيها قصد المساهمة في دورة الإنتاج والاستهلاك مع توفير شروط الكرامة والعدالة الاجتماعية والمجالية. هذا في وقت يعتبر القطاع العام في الدول المتقدمة ضمن أولوياتها مع تأهيله باستمرار، كقطاع استراتيجي وتعمل على تطويره لتحقيق أعلى المؤشرات. إنها مفارقة تستدعي التأمل وإعادة النظر لرد الاعتبار للسياسة المبنية على الصدق والنزاهة والمصداقية.
أيضاً، يتطلب التناوب الديمقراطي توفر أحزاب ديمقراطية حقيقية. تعمل في تفاعل جدلي مع المجتمع المدني الذي يعتمد الثقافة الديمقراطية بعقلية حداثية وتؤمن بجدلية السيرورة التاريخية لبناء الحاضر والمستقبل والتعامل مع الماضي بعقلانية نقدية. إن الحداثة السياسية تقتضي المساهمة في تسيير المؤسسات الدستورية بكل نزاهة وشفافية وبثقافة ديمقراطية. وهذا يتطلب من الأحزاب تأطير المواطنين بثقافة المواطنة خدمة للشأن العام المحلي والوطني، بعيداً عن الخطاب الشعبوي والديماغوجي الذي يسوق المزايدات والحقائق المغلوطة مستغلاً المواطنين وبساطتهم.
إن الديمقراطية الحقيقية تتأسس على تصور وبرنامج ديمقراطي للدولة والمجتمع وفصل السلط وتوازنها وتعاونها في نفس الوقت. وذلك من أجل ترسيخ دولة الحق والقانون والدستور لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والكرامة والعدالة الاجتماعية لجميع المغاربة بدون استثناء.
لقد أصبح المشهد السياسي المغربي في حاجة إلى دينامية سياسية أكثر انفتاحاً على الفعل الديمقراطي وترسيخ حرية التعبير والحق في الاختلاف. تعبر في العمق عن قوة الدولة والمجتمع في التدبير الديمقراطي وبناء مؤسسات قوية ذات مصداقية في تمثيل المواطنين وتحقيق مطالبهم وتطلعاتهم. كما يشكل التناوب الديمقراطي جوهر العملية السياسية عن طريق الانتخابات قصد تحقيق عقد اجتماعي جديد. يعبر عن الإرادة الشعبية، لمعالجة المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتحقيق التنمية مع حماية مصالح الطبقة المتوسطة للحفاظ على التوازن الاجتماعي مع ضمان الحماية الاجتماعية للفئات الشعبية. حيث أصبح المواطن منهكاً بتبعات الأزمات ومخلفاتها الكارثية. كما يساهم التناوب الديمقراطي الحقيقي بين الأحزاب الليبرالية والأحزاب اليسارية في تجويد الممارسة السياسية ومحاسبة الحكومة وأحزاب الأغلبية من خلال صناديق الاقتراع على سياستها الاقتصادية والاجتماعية المجحفة في حق المواطن. وذلك بانتخاب أحزاب يسارية بديلة من أجل تجديد الثقة في المؤسسات وتطوير المسار الديمقراطي ونضجه، لمعالجة مشاكل المغاربة وبناء مغرب الكرامة والوحدة الوطنية من طنجة إلى الكويرة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.