العرش والشعب في المغرب

العرش والشعب في المغرب
الجمعة 6 نونبر 2026 - 17:59

تلاحم تاريخي يتجدد في اللحظات المصيرية

ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الأربعاء 4 نونبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، جلسة عمل خصصت لمتابعة مرحلة ما بعد انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة بالصحراء المغربية، عقب عدم تجديد مجلس الأمن لولايتها خلال اجتماعه المنعقد في 30 أكتوبر الماضي. وعكست هذه الجلسة حرص المؤسسة الملكية على مواكبة التحولات المرتبطة بالقضية الوطنية، وتحديد الأولويات المتصلة بحماية الوحدة الترابية للمملكة وأمنها الوطني وطمأنينة مواطنيها، ولا سيما سكان الأقاليم الجنوبية، مع مواصلة المشاريع التنموية والمهيكلة بهذه الأقاليم.

وتكتسي هذه اللحظة دلالة تتجاوز تدبير مرحلة سياسية ودبلوماسية جديدة؛ فهي تذكرنا بأن قضية الوحدة الترابية ظلت، عبر التاريخ المغربي الحديث والمعاصر، من القضايا التي يتجلى فيها التلاحم بين العرش والشعب بأوضح صوره. فكلما واجه المغرب تحدياً يمس سيادته أو وحدته، برزت رابطة تجمع الملك بالأمة، وتتجاوز الحسابات الظرفية والانتماءات المحلية، لتستند إلى شعور عميق بالانتماء إلى وطن واحد ومصير مشترك.

وليس هذا التلاحم وليد المرحلة الراهنة، بل هو امتداد لمسار تاريخي طويل تشكلت ملامحه في لحظات الدفاع عن البلاد ومواجهة الاعتداءات الخارجية. ففي التاريخ المغربي، لم تكن الدولة والسلطان يواجهان الأخطار بمعزل عن المجتمع، بل كانت القبائل تنخرط في التعبئة، وتقدم الرجال والمؤن، وتساهم في تنظيم المقاومة والدفاع عن المجال الوطني. كما اضطلعت الزوايا والعلماء والفقهاء والصلحاء بأدوار مهمة في توحيد الصفوف، وإضفاء المشروعية الدينية والوطنية على جهود الدفاع عن البلاد، وتحويل مواجهة الخطر الخارجي إلى قضية جماعية.

وتقدم معركة وادي المخازن سنة 1578 مثالاً بارزاً على هذا المعنى. فقد واجه المغرب الحملة البرتغالية بقيادة الملك سبستيان، في معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، وإنما محطة حاسمة في الدفاع عن استقلال البلاد ومكانتها. وقد ارتبطت التعبئة آنذاك بالسلطة السعدية وبالسلطان عبد الملك المعتصم بالله، كما انخرطت فيها قوى اجتماعية وقبلية متعددة، في صورة تعكس قدرة المجتمع المغربي على الالتفاف حول الدولة في لحظة تهديد. ولم تكن قوة المواجهة مستمدة من المؤسسة العسكرية وحدها، بل من امتدادها داخل المجتمع ومن الشعور بأن الدفاع عن السلطان والبلاد وجهان لمعنى واحد.

وتكرر هذا المعنى، بصورة أكثر وضوحاً في الذاكرة الوطنية، خلال مرحلة الحماية الفرنسية. فقد شكل نفي السلطان محمد الخامس يوم 20 غشت 1953 منعطفاً حاسماً في تاريخ المغرب، لأن سلطات الحماية لم تكن تستهدف شخص السلطان فحسب، بل كانت تسعى إلى قطع الصلة الرمزية والسياسية التي تجمعه بالشعب، وإلى إضعاف أحد أهم عناصر وحدة البلاد. غير أن ما حدث جاء على عكس ما أرادته سلطات الاستعمار؛ إذ تحول النفي إلى لحظة انكشاف لعمق العلاقة بين الملك والشعب، وأصبح محمد الخامس، وهو في المنفى، أكثر حضوراً في الوجدان المغربي.

لقد عبرت الاحتجاجات الشعبية والمقاومة التي أعقبت النفي عن رفض المغاربة للمساس برمز سيادتهم. ولم يكن ذلك الرفض مقتصراً على المدن الكبرى، بل امتد إلى مناطق مختلفة من البلاد، حيث خرج الناس للتعبير عن تشبثهم بسلطانهم ورفضهم للواقع الذي حاول الاستعمار فرضه. وفي تلك المرحلة، لم تعد صورة السلطان مجرد رمز سياسي، بل أصبحت عنواناً للكرامة الوطنية والأمل في استعادة الاستقلال.

ومن الدلالات اللافتة في هذا السياق الحكاية الشعبية التي انتشرت بين المغاربة عن رؤية صورة محمد الخامس على سطح القمر. وبغض النظر عن طبيعتها بوصفها رواية شفوية لا واقعة حرفية، فإن أهميتها تكمن في ما تكشفه عن المكانة التي احتلها السلطان في المخيال الجماعي. فقد كان حضوره في وجدان الناس أقوى من المسافة الجغرافية التي فرضها المنفى، وتحولت صورته إلى رمز للأمل والارتباط بالوطن. وهي دلالة وجدانية تكشف عن علاقة لم تكن قائمة على رابطة سياسية أو مؤسساتية فحسب، وإنما على محبة وتشبث وذاكرة مشتركة.

وعندما عاد محمد الخامس من المنفى سنة 1955، كان الاستقبال الشعبي الذي حظي به تعبيراً عن انتصار إرادة المغاربة وتلاحمهم حول ملكهم. ولم تكن العودة حدثاً بروتوكولياً أو مناسبة احتفالية عابرة، بل كانت لحظة وطنية جسدت فشل محاولة الفصل بين العرش والشعب، ومهدت الطريق لاستعادة الاستقلال سنة 1956. لقد أثبتت تلك المرحلة أن شرعية الدولة المغربية لا تستند إلى المؤسسات وحدها، بل تتغذى أيضاً من رابطة تاريخية ووجدانية متجذرة بين الملك والأمة.

إن استحضار هذه المحطات لا يعني التعامل مع التاريخ باعتباره سلسلة من الوقائع المنفصلة، وإنما قراءة الخيط الناظم الذي يجمع بينها. فقد تغيرت أشكال التعبئة ووسائل الدفاع عن الوطن، لكن الارتباط بين العرش والشعب ظل حاضراً كلما تعلق الأمر بوحدة البلاد وسيادتها. ومن هنا تكتسب اللحظة الراهنة معناها؛ فالتحديات المرتبطة بالصحراء المغربية تستدعي تماسكاً وطنياً تشارك فيه المؤسسات المنتخبة والبرلمان والأحزاب والمجتمع المدني ومغاربة العالم، إلى جانب الدور الذي تضطلع به المؤسسة الملكية في تدبير هذا الملف.

إن ما يميز التجربة المغربية هو أن التلاحم بين العرش والشعب لم يكن مجرد شعار يستحضر في المناسبات، بل تجسد في لحظات تاريخية فارقة، حين واجهت البلاد أخطاراً حقيقية واحتاجت إلى وحدة الصف. واليوم، يعكس الدعم الشعبي والمؤسساتي لجلالة الملك في تدبير قضية الصحراء المغربية عمق الروابط التاريخية التي تجمع العرش بالأمة، ويؤكد أن وحدة المغرب وتماسكه يظلان من أهم مصادر قوته واستمراريته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 3

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 6

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما