الثقافة الحسانية .. المشترك الأبرز بين المغاربة والموريتانيّين

الثقافة الحسانية .. المشترك الأبرز بين المغاربة والموريتانيّين
الأحد 16 أكتوبر 2016 - 10:00

الثقافة الحسانية أو ما يعرف بـ”ثقافة البيظان” هي نظام متكامل من تفاعلات تراثية وأنثروبولوجية، وعلاقات اجتماعية وتشكيلات فنية، وطقوس وعادات راسخة، في جنوب المغرب وموريتانيا.

البيظان اسم يطلق على الأشخاص الذين يتكلمون العربية الحسانية (كلام حسان)، من العرب والأمازيغ البيض، ومن لحق بهم من السود في موريتانيا والمغرب .. وثقافة البيظان هي تلك الثقافة الغنية بالأنماط التعبيرية الشفهية المتنوعة.

وتتميز هذه الثقافة، حسب الباحثين، بقلة الكتابة ووسائلها في مجتمع الصحراء؛ فتصبح التعابير الشفهية فيها هي وسيلة التواصل الناقلة للتجارب، والحافظة للذاكرة الجماعية التي تترسخ وتتجذر من خلال جلسات السمر التي تميز ليل الصحراء.

ويرى الباحث الحافظ الزبور المنحدر من الصحراء، في إحدى كتاباته، أن بني حسان أبدعوا في كل ألوان الفن؛ من غناء وشعر ونثر، بسليقة رائعة تميط اللثام عن قبائل مسكونة بسحر الصحراء، ومجبولة على الكلام الموزون والمقفى.

ويستدل الباحث على سحر هذه الثقافة وتنوعها وجماليتها وإبداعها ورقتها بفتنة “الهول” وشيوعه المهيب بين كل القبائل الصحراوية، وكأنه ترياق مداو للعزلة والوحدة ووحشة الصحراء، مشيرا إلى أن “الهول” (طرب موريتاني مغربي) هو غناء يصاحبه عزف موسيقي يصدر من حناجر صداحة، كأنها مزامير روحانية تطفئ هيجان الغضب وتريح سكون النفس.

وللتراث الثقافي الحساني بالمغرب وموريتانيا معالم وصروح تجعل من التعبير غير المادي، من فولكلور وأغان وموسيقى شعبية وحكايات، ومعارف تقليدية متوارثة عبر الأجيال والحقب والعصور، نبض الحياة .. ومن التراث المادي، من أوان وحلي وملابس ووثائق وغيرها، تجسيد لهوية المجتمع البيظاني.

والثقافة الحسانية تمثل عنصر وحدة وتقارب بين الشعوب التي تنتمي إلى المجتمع الحساني الممتد على مسافات زمانية ومكانية متباعدة (من وسط المغرب إلى شمال السنغال)، حيث تضم كمّا كبيرا من الأمثال والحكم التي تبرز ارتباط الإنسان “البيظاني” بالأرض، وانعكاس البيئة الاجتماعية والثقافية والطبيعية على ثنايا الحكم، والأمثال الحسانية المعبرة عن استنتاجات وتجارب الأجيال السالفة.

وفضلا عن الجوانب الأدبية، يرى الحافظ أن الثقافة الحسانية تحمل تراثا علميا قيما، خاصة في علوم الفلك، تتحدد فيه أسماء النجوم ومواقعها، والمطالع والمنازل الفلكية ودلالتها في فهم التقلبات الجوية، والتي تشكل جزءا مهما من اهتمامات إنسان الصحراء.

والقاموس المناخي الحساني يحمل الكثير من مسميات وتفاصيل المظاهر الجوية المتنوعة التي تتحكم في طقس الصحراء وتقلبات أحوالها الجوية، حيث يسمي الرياح المحملة بزوابع رملية بـ”زعفيكة”، والرياح المحملة بغبار مظلم داكن بـ”كتمة”، والرياح المحملة بأتربة بـ”لعجاج”.

كما تتسع الثقافة الحسانية للعديد من المصطلحات والمفاهيم الدقيقة في علوم الجغرافيا والجيولوجيا في جانبها الجيومورفولوجي (التضاريسي)، حيث تحمل تصنيفا تفصيليا لجميع المظاهر التضاريسية الصحراوية؛ مثل “الكارة” و”الخشم” و”النبكة” و”لعظم”… وهي كلها أوصاف لمرتفعات يفهم منها الحساني معنى دقيقا من حيث الشكل والحجم، وحتى المواد المكونة لها أحيانا.

وفي مجال الطب، ينهل القاموس الحساني من تراث غني بأسماء الوصفات الطبية، وتفاصيل لغوية ووصفية للأمراض ومسبباتها وأعراضها، ووسائل علاجها المستنبطة من مكونات نباتية وحيوانية ومعدنية تنتمي إلى البيئة المحلية.

كما أن القاموس الطبي الحساني ناتج عن تمازج ثقافي ومعرفي للمجموعات السكانية بالمنطقة، مشيرا إلى أن التمازج بين كل هذه الخبرات لم ينعكس فقط على استعمالات الأدوية؛ بل على تسمياتها، إذ إن ثلاثة أرباع من أسماء النباتات الطبية التي يستخدمها البيظان من أصل عربي، والربع الباقي من أصل أمازيغي.

ولا يكفي أن يفهم الشخص المفردة الحسانية؛ بل يحتاج إلى فهم السياق الذي تتداول فيه، لما للتعابير الحسانية من خصوصية تجعل فهمها واستيعابها والقدرة على استعمالها فنا يصعب بلوغه على الشخص غير “البيظاني”.

والتعبير الحساني غني ومتنوع، ويتصف باستعمال وسائل عديدة لإغناء النص، بالصور والأوان، والتراكيب اللغوية المعبرة عن العواطف والمشاعر؛ ففيه أساليب القسم وأدوات الشرط وصيغ الاستفهام، والإشارة والتصغير والتفخيم، والتعجب والحث والإغراء والتحذير، والدعاء والتفضيل والمقارنة وغير ذلك.

وخلص الباحث الحافظ إلى أنه بالرغم من وحدة الثقافة الحسانية وتماثلها في الجانب اللغوي، الذي يميزها على اتساع مجالها الجغرافي، فإنها قد تختلف اختلافا طفيفا في بعض مناطق انتشارها؛ وذلك بفعل وجود عوامل تأثير متباينة عبر الامتداد الجغرافي، ولاختلاف مكونات الجوار من منطقة إلى أخرى.

ولئن كانت الثقافة الحسانية مشتركا ثقافيا بين المغرب وموريتانيا، فهي تساهم في تقارب الشعبين وتدفعهما إلى خلق علاقات أسرية وتحقيق مزيد من التعاون في المجالات الاقتصادية، في أفق تحقيق اندماج وتكامل اقتصادي بين البلدين ضمن الاتحاد المغاربي.

*و.م.ع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • الزايغ
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 10:28

    الحمد لله. رغم اختلاف السنتنا وتقاليدنا وعاداتنا ،هناك عامل مشترك ;حب المغرب والغيرة عليه.
    الحسانية، الامازيغية ،اليهودية،العربية ،الاندلسية ثقافاتنا كنوزنا،لنحافظ عليها فكلها ملك المغاربة جميعا.
    وحدتنا قوتنا:الله المغرب محمد السادس.

  • أبو الجمل
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 10:33

    إن المتحدث عن الحسانية يتحدث عنها و كأنها تنتمي إلى العصر الجاهلي رغما عن تزويق حديثه بمجال الفلك والجغرافيا و الطب واللغة .هذه مجالات برع فيها الإنسان . منذ الأزل.
    إلى متى يبقى الحسانيون حبيسي هذه التمظهرات التقليدانية.
    متى نتحدث عنهم كمواطنين من حقهم الكليات والمعاهد و المعامل والمختبرات والصناعة الحديثة واللغات والمواصلات والطب العصري والآداب العالمي .
    أم أن قدرهم أقل من قدر الهنود الحمر .

  • Lamya
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 10:59

    الثقافة الحسانية تعجبني كثيرا خصوصا التي تمدح النبي و تتغنى بلا اله الا الله, رائعة!

    ابحث عن اغنية كنت اسمعها في طفولتي بكثرة و تعجبني و لكن لم اجدها في الويتيوب وهي: "اسمارة سمرو و سمر سعدي انا مغربية طل عليا القمر فوق الرملة الذهبية.."

    وشكرا هسبريس

  • المغرب و موريتانيا
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 11:13

    المغرب و موريتانيا بلد و شعب واحد قسمه الاستعمار
    هذه حقيقة تاريخية
    في اعتقادي على الاخوة الموريتانيين ان يتحدوا مع المملكة المغربية من اجل قيام دولة قوية غرب افريقيا تستطيع فرض وجودها دوليا

  • موحى
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 12:39

    لم يستدل بأي عنصر ثقافي يجمعنا بالعربي المشرقي .
    يكفي أنه أستدل عل الأصول المغربية الصحراوية لهده الثقافة ، و التاريخ يقول بأمازيغية أصول سكان الصحراء الكبرى . جل القبائل الحالية في الصحراء لازالت تحتفظ بأسمائها الأمازيغية ، و هي التي أنتجت تلك الثقافة التي تسمى بالحسانية تعديا على التاريخ كما ؛ تعدوا على أمازيغية شمال إفريقيا ، وربطوه بالهوية "العربية " الشبح الغير موجودة في الواقع المعاش ؛ اللهم في الفكر الإستعماري ، و المستفيدين منه ، الذي أنتج هده الشخصية بعد الحرب العالمية الأولى ، وتفكيك الإمبراطورية العثمانية .

  • أنا المغرب
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 13:30

    أنا من معجبي اللون الحساني سواء شعرا أو غناء أو لهجة أو عادات وتقاليد عامّة لأنه لا يتجزأ من تراثنا المغربي الغني

  • YOUSSEF
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 13:49

    نعم لوحدة مغربية موريتانية واندماج كامل للشعب المغربي والشعب الموريتاني الشقيق.

  • أبو رامي
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 14:00

    الثقافة المشتركة بين المغرب وموريتانيا هي دليل على أن البلد واحد والإنفصال جاء على إثر الإستعمار الذي كان يستعمل فكرة "َفرِّقْ تَسودْ" نسأل الله عز وجل أن يمن على البلدان الإسلامية الأمازيغية العربية برجال صادقين حتى يؤسسو الإتحاد المغربي من وحدة ومصلحة الجميع.

  • مغربي
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 16:03

    لقد كفر اخواننا العرب بما يجمعنا معهم منذ زمان ليس بقريب لكننا في المغرب ما زلنا متشبتين بوهم شعرة معاوية المقطوعة اصلا فهل نستمر في البحث عن سراب اخوة مزعومة لم تتجسد يوما على ارض الواقع؟ موريتانيا الى اليمن دول وشعوب تكن لنا الحقد الدفين وتتمنى لنا الشر المبين
    اثبتوا لي غير هذا ان كان لكم اي اتبات يضحض كلامي

  • جوبا
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 16:38

    من حقك ان تقول اللهجة الحسانية لكن الثقافة فهي ليست حسانية عربية بل صنهاجية امازيغية من طريقة اللباس و العيش و الموسيقى (ازوان)، اخذها عرب حسان عن القبائل الصنهاجية بعد ان سيطر بني حسان على المنطقة بدعم من الاستعمار البرتغالي الذي حارب امارة نصر الدين الامازيغية الاسلامية بدعمه لبني حسان العرب الغير متدينين بطبعهم.

  • احمد علي السملالي
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 17:44

    من اين هذا الفرع؟ من هذا الأصل..
    الحسانية فرع من اللغة العربية..وموريتانيا ماهي الا جزء من المغرب تاريخيا..

  • حمزة قيراط
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 19:16

    موريتانيا والمغرب بلد واحد فرقه الإستعمار فالمغرب جزء لا يتجزأ من موريتانيا !

  • بومنيار
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 19:28

    هناك هجوم كاسح على الثقافة العربية في المغرب من طرف متطرفي الحركة الامزوغية.
    كما ان هناك صمت مريب من طرف الدولة على هذا الهجوم !!
    المكون العربي في المغرب وعلى رأسه المكون الحساني يجب أن يحظى بالأولوية
    كما على الدولة ان تطبق القانون وتحاكم المتطرفين العنصريين الداعين إلى الفتنة من العرقيين مثل العصيديين وغيرهم..

  • علي
    الأحد 16 أكتوبر 2016 - 22:27

    نحن شعب واحد يجب أن نتحد من جديد كما كنا عربا وأمازيغ في انتظار اندثار حركي الجزائر الخسيسين المفسدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27 7

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية

صوت وصورة
السوق والغلاء
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 12:27 4

السوق والغلاء