عاد الحراك الثوري إلى الجزائر هادرا أكثر مما مضى. نفس الشعارات والمطالب التي صدحت بها الجماهير قبل سنتين، تدوي مرة أخرى ولكن بجرس أقوى في سماء المدن الجزائرية معلنة للعالم الإفلاس البين لنظام العسكر، ومشهرة بالتالي الطلاق البائن بين الشعب والجنرالات.. شعارات صارت أكثر جذرية وأكثر تصميما وقوة وعزما بعد أن تحورت من منصة للغضب من السياسات الفاسدة للحاكمين ولإبداء الرغبة العارمة في التغيير، إلى الدعوة في سابقة ذات دلالات لاستقلال الجزائر. وهو ما شكل إشارة مؤلمة ولكنها بليغة من المحتجين في اتجاه من يهمهم الأمر إلى أن كل مرحلة الاستقلال قد ذهبت بغبائهم وفسادهم وتنمرهم على الجيران هباء منثورا، بل ومثلت ويا للمفارقة نكوصا وتراجعا حتى عن إنجازات مرحلة الاستعمار على الرغم من الخلفية الإمبريالية لهذه الأخيرة.
ما أمر أن يكتشف شعب بعد مرور عقود من الاستقلال أنه قد اغتيلت كل مشاريعه وأحلامه على يد من ظنهم نخبته ورواده… أن يطلع بكل خيبة أمل على مقدار الخديعة التي تعرض لها من الطبقة العسكرية التي حكمته، و التي كان قد عول عليها لبناء الهوية والوطن، فإذا بها تسلك به مسالك الانهيار والانحطاط والتخلف، إلى أن دقت ساعة الحراك، لتتبدى له على حقيقتها دونما مساحيق مجرد طغمة فاسدة ومتسلطة ضيعت الماضي والحاضر، وتأتمر وتكاد تجهز على آخر بصيص أمل في المستقبل. ما أمض حقا أن يعي المرء أن الاستعمار اللعين كان أرحم من مثل هذا الاستقلال المغبون والملغوم.
لقد طفح الكيل، وبلغ السيل الجزائر. حيث النظام العسكري لا يرهن بجريرة خطاياه شعبه فقط، بل هو يرهن كل الشعب المغاربي مانعا إياه من الالتحام ثم الانصهار. وكيف يكون له ذلك؟ والجزائر واسطة عقد المغرب العربي قد ضيعت علينا جميعا فرصة الوحدة بعد أن ضاعت هي نفسها على أيدي هذا النظام المقامر.
أخطأ النظام الجزائري الطريق مباشرة بعد استقلاله عن فرنسا حين اصيب بعمى استراتيجي منذ الولادة مما جعله لا يميز خصومه الحقيقيين ولا يفقه مصلحته. فعندما تنكر للمغرب الذي خاض مع الجزائر حرب تحريرها، فإنه كان في الحقيقة يتنكر لمستقبل الأجيال القادمة ويعصف بشكل أهوج بكل ما استشهد من أجله الفدائيون. كان يضيع ببساطة كل أهداف النضال الذي خاضوه من أجل الاستقلال. ويضع نصلا مسموما في خاصرة منطقتنا المغاربية منع أقطارنا دائما من التحول إلى نمور اقتصادية إفريقية، وكان ذلك ممكنا لولا تبعات المشاكل الجزائرية، ولقد حان الآن وقت دفع الحساب على مثل هكذا أدوار معادية للوطن وللأمة. لذلك كانت مسألة وقت فقط أن ينتفض الجزائريون مرات ومرات للخلاص من نظامهم الذي سئموه.
من ينكر أن الجزائر كانت بكل زخم كفاحها ضد فرنسا. وبترولها، وغازها، ومساحتها الشاسعة مهيأة لأن تكون دولة ناجحة ورائدة بكل المقاييس. وأنها إنما تحولت للفشل فقط بمناصبة نظامها العداء للمغرب، وأن هذا الفشل قد صار بعد ذلك ملازما لها كظلها منذ أن تبنى هذا النظام لقيطته البوليزاريو وبدد في تدليلها مال الجزائر كله عوض أن يوظفه في سبيل رغد عيش الشعب الجزائري. هكذا قد أهدرت كل إمكانيات الجزائر في حشد الولاء الكاذب في إفريقيا أيام انتعاش الشمولية بهذه القارة، وضاعت إيرادات نفطها في مغامرات دانكيشوتية، مما كان يكفي لكي تصبح الجزائر في مرتبة من الغنى تفوق الدول الخليجية والأوروبية عوض أن تكون بهذه الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية المفهومين جدا في حالتها.
الآن قد بلغت الأزمة منتهاها، لم يعد ممكنا تعليقها على مشجب المغرب الذي يمد يده دائما للشعب الجزائري، ولا تبريرها للجزائريين بمساندة دويلة وهمية لا تستنزف في النهاية إلا جيوب الجزائريين. وحتى الأحداث صارت تخاصم النظام الجزائري وتفاقم الأوضاع نحو الأسوأ بسرعة في عهد كورونا، حتى لم تعد المناورات تجدي نفعا، ولا البرامج التلفزيونية المخدومة بغباء تذر الرماد على العيون. وحتى تيقن الكل في الجزائر أن الذي أوصل البلاد إلى مثل هذا الحراك لم يكن أحدا آخر غير البوليزاريو. من المؤكد أن النظام الجزائري يرى نفسه الآن عاريا من كل سند وبدون شرعية داخلية بعد أن شهد عليه شعبه بأنه الآفة التي لم يبتلى بها المغرب فقط، بل وابتليت بها الجزائر أيضا.
لن تسعف اليوم مهدئات ولا مسكنات، بل لا بد من استئصال الداء من جذوره، والبداية تكون من التخلص من البوليساريو، فدون هذه الخطوة الأولى، لن تخرج الجزائر أبدا من نفقها المظلم، ولن تعانق أبدا الآفاق الرحيبة للديموقراطية والتنمية، ولن تحقق أبدا رخاءها ومناعتها ضد الفقر والمرض وقتامة المصير.
ولذلك عوض أن يروج تبون كما فعل في خطابه الأخير للأطروحة المتاهة للبوليزاريو كونها قضية تصفية استعمار عليه أن لا يهمل مطالب الحراك ويصفي الاستعمار بالجزائر. أن لا يعتبر هذا المطلب مجرد مجاز لغوي بل أن يستنبط منه العبر والخلاصات والحكم التي تخرج عادة من أفواه الشعوب ليتعرف على الطريق الصحيح لإنقاذ الجزائر الذي يعني مفارقة الحكم العسكري وإعطاء الحكم للشعب
أما بالنسبة لنا في المغرب. أعتقد أنه ما دام الشعب الجزائري يرى نفسه غير “مستقل”، فلننتظر أن يتحصل هذا “الاستقلال” أولا، آنذاك ستحل كل المشاكل بسلاسة مع أشقائنا وإخوتنا الذين يقدرون قيمة الأواصر الكثيرة التي تجمعنا فنتجند جميعا لتشييد المغرب الكبير.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.