"الحقيقة الضائعة" .. إرث العلوي يروي مسيرة نصف قرن من العطاء الصحافي

"الحقيقة الضائعة" .. إرث العلوي يروي مسيرة نصف قرن من العطاء الصحافي
صور: منير امحيمدات
السبت 14 دجنبر 2024 - 23:04

في الذكرى الخامسة لرحيل الصحافي البارز مصطفى العلوي، يصدر بعنوان “الحقيقة الضائعة”، اسم عمودِه الأسبوعي، الجزء الأول من أربعة أجزاء تضم مقالات رأيه المنشورة في عدة تجارب صِحافية أسسها وأشرف عليها، وتحفظ في هذا المجلد أرشيف مقالاته في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.

أرشيف القيدوم

في حفل تقديم الكتاب الجديد، السبت بأحد فنادق العاصمة الرباط، قال نجل الراحل الطيب العلوي، مدير جريدة “الأسبوع الصحفي”، إن مصطفى العلوي أسهم بنصف قرن من المقالات، حيث بدأ كتابة آرائه في أعمدة 15 سنة بعد استقلال المغرب “وكان لا بد من التجزيء للجمع، وسنصدر جزءا واحدا في السنة طوال السنوات الأربع القادمة”.

وتضع هذه الأجزاء التي صدر مستهَلُّ سلسلتها مع “وضع للمفاهيم في سياق يسمح للقارئ بالسفر عبر الزمن، وتوضيح أمور حاولت بعض الظروف طمسها”. وأردف العلوي “هي سطور وجهَها إلى من يهمهم الأمر، وننشرها لتبقى لنا مراجع أمينة (…) لكتابات ذات حدس فيها سبر تاريخي لأغوار الأحداث”.

وأضاف “كتب مولاي مصطفى العلوي آخر عمود له بضع ساعات قبل رحيله، وصدر 5 أيام بعد وفاته، مما جعل عمر “الحقيقة الضائعة” أطول من عمر صاحبها. وإصدارُ المقالات تأبينُ والد لولده، وتأبين مؤسسة لمؤسسها لأنه كان يؤمن بأن الأمة التي لا تعترف بماضيها تفقد بوصلة الماضي والمستقبل، وكان يستقبل المواطنين البسطاء والضعفاء كل يوم في مكتبه المتواضع ويستمع إلى مشاكلهم، ويُدَوِّن ليفتح مباشرة بعد الغداء بيته لكبراء البلد لمساءلتهم عما سمعه من شكاوى المواطنين، ليحرر كل ذلك، طيلة العام، ما عدا شهر غشت، لِستّين سنة”.

وتابع قائلا: “كان للراحل الرقم القياسي عربيا في إصدار الصحف، حيث بلغت الصحف التي أصدرها 15 صحيفة، وكان صاحب أول مجلة مغربية أدخلت الألوان الطبيعية، وأول جريدة مستقلة في تاريخ المغرب هي “أخبار الدنيا”، وبعد منعها أصدر جريدة بعنوان “الدنيا بخير”، وعبر قناة السويس مع الجنود المصريين في حرب أكتوبر، وأول صحافي دخل الصحراء المغربية بعد خروج الاحتلال الإسباني، وأول إعلامي حُكِم عليه بقانون الإرهاب في 2003”.

وأضاف “مولاي مصطفى العلوي شهد له ثلاثة ملوك، هم الملك محمد الخامس الذي أرسل له رسالة خطية عن دوره الملحوظ في تنوير الرأي العام، ووشحه الملك الحسن الثاني (…) لتنويره بشؤون المواطنين المتعرّضين للظلم”، ثم الملك محمد السادس، الذي نعاه شاهدا بـ”دماثة الخلق، وبالكفاءة المهنية العالية، المفعمة بالغيرة الوطنية الصادقة، وبالالتزام بمقدسات الأمة وثوابتها”.

وعلى صفحات جرائد مصطفى العلوي “كتب كبار، من بينهم محمد بن عبد الكريم الخطابي”، وتستمر الآن تجربته “الأسبوع الصحفي”، “رغم صعوبات القطاع، مشكّلة، مع أخواتها، صلة وصل بين مغرب الفوق ومغرب التحت”.

ودعا الطيب العلوي إلى “وقف التراشق بين الزملاء، ناسين أن الصحافة مرآة البلاد في الخارج، ولِنُعَدِّد من الآراء، ولنمل إلى صحافة الاستقصاء والتحليل بدل صحافة الأخبار الساخنة، التي منها الكافي منجزا خير إنجاز. حب الوطن لا يتجلى فقط في التطبيل لأنفسنا، بل الإشارة بالأصبع إلى ما ينبغي ملاحظته، وكل إصلاح يبدأ من ذلك، والانتقاد بعيد كل البعد عن المعاداة”.

شهادات في المسار

وقال الناشر البارز محمد عبد الرحمان برادة إن مصطفى العلوي “لم يكن صحافيا فقط، بل كان فارسا مغوارا شجاعا جريئا، والجرأة من أنبل أساليب الصحافة، لاسيما في فترة كانت فيها محرمة (…) وتميز بشجاعة، وكنت أتكلم معه، وهو متقن للفرنسية بشكل غريب، وكان يقول لي جئت للصحافة بالقلب لا بالمنطق”. كما كان الراحل، الذي نشر جلّ عناوينه الصحافية باللغة العربية يقول إن “الصحافة ضميركم”، أي أنه “كان يريد دائما أن تكون الصحف ضمير الأمة، لا مرآتها فقط. وقد كتب شيئا غير قليل من تاريخ الصحافة الوطنية”.

من جهته تحدث الرئيس السابق لغرفتي البرلمان، جلال السعيد، عن مصطفى العلوي، الذي “تكلم كثيرا عن الحقيقة الضائعة”، مردفا “ما أعرفه شخصيا عنه أنه كان يطلع على العديد من الحقائق ولا يقف أمام الواجهة أو أمام الإشكالات التي تراها العين المجردة، بل يسعى للوقوف على الحقيقة، وهذا ما يفسر العلاقة الوطيدة بيننا، ولو كنا نعمل في واجهتين متقابلتين، ورغم ذلك كان نعم الصديق والأخ (…) ولم يكن يقصر معرفة الحقيقة (الضائعة) عليه”.

الوزير السابق لحسن عبيابة ذكر أنه عرف “المرحوم صحافيا وإنسانا وكاتبا ومؤرخا، وهو يتميز بقربه من أصحاب القرار والمؤثرين في الحقب الماضية، وكان يأخذ الأخبار من مصادرها الأساسية (…)، وهو صحافي جريء كتب بقلم أثّر في الجميع، بعنوان جميل هو “الحقيقة الضائعة”، وهي حقيقة ليست ضائعة، ولكن الأحداث التاريخية، كما يقال، خلايا نائمة تظهر بين الفينة والأخرى. نعيش أعمارا قصيرة، وتعيش الأفكار قرونا، والعمر الزمني الفكري أطول، وكذلك كان مصطفى العلوي يذكر الأحداث في كتاباته بماضيها وحاضرها ومستقبلها، في صحافة التحليل والقراءة والإبداع (…)، وكنا ننتظر مقالاته كشباب ثم أساتذة جامعيين (…)، وللأسف ضاعت الصحافة ومعها الفكر، وتحولت إلى أخبار أغلبها لا علاقة له بالحقيقة”.

الأكاديمي إدريس الكراوي تحدث بدوره عن “قلم مميز مستقل وحر، وهب حياته لخدمة الوطن، وصديق صادق ووفي، ورجل شهم ذي موسوعة مشهود لها في مجال التاريخ والتحليل. وهو رجل ثابت في مواقفه وأفكاره، وكان دوما مدافعا حتى آخر رمق من حياته عن مبادئ وقيم العدالة والحرية والكرامة، وكان صحافيّ الحقيقة الضائعة لأنه كان منصتا إلى نبض المجتمع بهندسة خاصة به في البحث عن المعلومة، وإبداع في أسلوبه، وخطه التحريري، يجتهد فيما يكتب ويعطي دائما ودوما بعدا وطنيا لمقالاته وأعماله بمختلف أنواعها، وفي كتبه كذلك (…) وجعلها وسيلة مواطنة للمساهمة في مغرب قوي، واع برهانات الحاضر ورافع لرهانات المستقبل (…)، وهاجسه الرقي بالمجتمع والدفاع عن المصالح العليا للوطن”.

وفي تصريح لهسبريس قال الإعلامي طلحة جبريل إن مصطفى العلوي “كان يبحث عن الحقيقة وينشرها ويحرص على ذلك، وبدايات الصحافة الاستقصائية في المشهد الإعلامي المغربي بدأها هو لأنه كان يبحث عن الحقيقة في كل شيء، على جميع المستويات”. واسترسل قائلا: “هذا الكتاب للتذكّر والتذكير بأحد القامات المهمة إلى أبعد الحدود في المشهد الإعلامي، التي كان همها البحث عن المعلومة والحقيقة أيا كان الأمر، مع الجرأة في التناول؛ وربما هناك من اتخذ موقفا سلبيا منه، لكن ما يهم أن الأغلبية كانت مع هذه الصحافة، التي جعل منها فعلا منبرا لمن لا منبر لهم، وأثرى المشهد الإعلامي بشكل واضح، وكان أحد نجومه عندما كان الإعلام حقيقة مشهدا للنجوم”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • البلغيتي
    السبت 14 دجنبر 2024 - 23:32

    الله يرحم مولاي مصطفى الرجل الذي اجتمع فيه ما تفرق في غيره ، نتذكره يدمع القلب قبل العين …الحديث طويل

  • zakaria
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 00:11

    رحم الله فقيد الصحافة والصحفيين ، تعرفت على مقالاته في اواخر التيسعينات ، والتي كان لها دور مهم في فهمي لكواليس السياسة ، الوطنية والدولية و مفاهيم واسباب الصراعات الايديولوجية و الاقتصادية ، و الجيوستراتيجية، رحم الله فقيد الصحافة ، و انا لله وانا اليه راجعون ،

  • Slim salim
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 00:17

    كنت موجود في هذا الحفل تأبيني للراحل مصطفى العلوي قيدوم الصحفيين تحية خاصة للطاقم الصحفي للجريدة على مجهوداتهم كان حفل رائع واشتريت نسخة من كتاب العمود “الحقيقة الضائعة “

  • التمسماني
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 01:13

    مولاي مصطفى العلوي رجل المواقف الرجولية و رجل التحدي. أسلوب متميز و مصداقية لدى الأصدقاء و الخصوم. بحر من المعلومات و الأسرار. مهما تحدثت عنه فلن أفيه حقه. رحمه الله و جزاه الله عنا خير الجزاء.

  • بخوت خالد
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 01:27

    رحم الله قيدوم الصحفيين المغاربة. شخصيا تعلمت الكثير عن تاريخ المغرب و سياسته من خلال عموده الحقيقة الضائعة في جريدة الاسبوع الصحفي التي كان والدي رحمه الله ينتظر صدورها على أحر من الجمر ليلة الخميس و نحن كذلك.

  • Sidi bouchaib Elatrassi
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 03:26

    رحم الله الفقيد
    عميد الصحفيين عن جدارة و استحقاق ، لا أدري لماذا لم يكن له منبر تلفزيوني مثل حسنين هيكل الذي كان يختلق احداثا لم تحدث اصلا .
    مولاي المصطفى العلوي كان حاضرا في كل الأحداث المغربية و كانت له علاقات مع كل الفرقاء السياسيين و صناع الحدث في المغرب
    شخصيا تشرفت بمجالسته في مكتبه بمقر جريدته و كان متواضعا جدا .
    رحمه الله

  • التهامي نجار
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 06:51

    رحمك الله يأعز اخ وصديق يامن كنت أستاذا لي يامن شهدت لي في احدي حقائك الضائعة انني صحفي وهي شهادة افتخر بها اكثر من بطاقة الوزارة ولا زلت احتفظ بالعدد الى الان اشتغلت معك في بداية الستينات في جريدة المساء فكنت اصغر محرر رياضي في المغرب وعمري لا يتجاوز 19 سنة وفي كل الجرائد التي أصدرتها وسمحت بان انشر عمودا لي عنوانه التاريخ لا يرحم في جريدة الأسبوع الصحفي

  • حسن الزموري
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 09:51

    رحمك الله يامولاي مصطفى العلوى الصحافي المقتدر،
    كنت اسارع الزمن وادفع سعر جريدة الاسبوع الصحفي،
    لصاحب كشكش الكتب في بداية شارع محمد الخامس من الجهة المقابلة لباب اجديد…او مكتب بيع السجائر في شارع علال بن عبد الله يقع اسفل العمارة اللتي كان موجود فوقها مكتب الترجمان محمد ابن عبد الله واستديو الاطلال…كان ذالك صباح كل يوم الجمعة ومن بعد صارت تخرج للاكشاش يوم السبت صباحا…في بقية المدن الا مديتة الرباط كانت توزع بعد الثامنة ليلا…العاشرة على اكثر تقدير…فرحم الله مصطفى العلوي.ورحم الله الصحفي الجامعي…

  • قصابي
    الأحد 15 دجنبر 2024 - 10:58

    اسال الله الرحمة و المغفرة كواليس واسبوع الاصحفي من اهم مصادري ومعرفتي بسياسة وانا شاب اما فقرة الحقيقة الضائعة فكانت نافد الى المعرفة السياسية

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 3

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما