تعد الانتخابات التشريعية من أهم الآليات الدستورية التي تتجسد من خلالها المشاركة السياسية، باعتبارها وسيلة لاختيار ممثلي الأمة وترجمة الإرادة الحرة للناخبين. ومن تم، فإن سلامة العملية الانتخابية لا ترتبط فقط بتنظيم إجراءات التسجيل والترشح والحملة والتصويت وفرز الأصوات وإعلان النتائج، وإنما تقتضي كذلك توفير حماية قانونية وجنائية فعالة ضد كل سلوك من شأنه التأثير غير المشروع في إرادة الناخب أو المساس بنزاهة الاقتراع ومصداقية نتائجه.
وقد أصبح هذا الموضوع أكثر أهمية في ظل الانتخابات التشريعية المقرر إجراءها في المغرب يوم 23 شتنبر2026، حيث نجد انتقال مهم في السياسة الجنائية الانتخابية من التركيز على الصور التقليدية إلى استيعاب المخاطر المرتبطة بالفضاء الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي، والمنصات الإلكترونية، بل وأدوات الذكاء الاصطناعي كما لا تقوم الحماية الجنائية للانتخابات التشريعية على نص قانوني واحد، وإنما تستند إلى منظومة متكاملة من القواعد الخاصة والعامة.
فمن جهة أولى، نجد القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، باعتباره الإطار الخاص الذي يتضمن مجموعة واسعة من الجرائم الانتخابية والعقوبات المقررة لها. وقد عرف هذا القانون تعديلاً جوهرياً بموجب القانون التنظيمي رقم 53.25، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 29 يناير 2026. وتظهر أهمية التعديل في إدخال وسائل رقمية وتقنيات حديثة ضمن الوسائل التي يمكن أن ترتكب بها بعض الجرائم الانتخابية.
ومن جهة ثانية، يندرج ضمن هذه المنظومة القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري والمعدل بالقانون 55.25.
أما من جهة ثالثة، فيتمثل في القواعد العامة الواردة في مجموعة القانون الجنائي، التي يمكن أن تجد مجالاً للتطبيق متى توافرت العناصر التكوينية للجرائم كالرشوة أو العنف أو التهديد أو التزوير أو بعض الجرائم المرتبطة بالأموال أو الني يرتكبها الموظفين العموميين.
ويكتسي الفصل 219 من مجموعة القانون الجنائي أهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره يحيل، فيما يتعلق بالجرائم المرتكبة بمناسبة الاستفتاءات والانتخابات، إلى الأحكام الخاصة المقررة في التشريعات الانتخابية.
كما تشكل حرية الإرادة الانتخابية جوهر الحماية الجنائية للعملية الانتخابية من خلال تجريم مجموعة من السلوكيات مثل الفساد الانتخابي كشراء الأصوات، تقديم الرشاوى أو الوعود بمنافع مادية أو عينية واستعمال التهديد أو العنف لإكراه الناخبين على التصويت لفائدة مرشح معين أو الامتناع عنه. وهناك جرائم تمس بنزاهة العمليات الانتخابية: مثل التزوير في المحاضر، سرقة أو إتلاف صناديق الاقتراع، التصويت المتكرر (انتحال الهوية)، والتلاعب بـ لوائح الناخبين لذلك واجه المشرع المغربي الوسائل التي يمكن أن تستخدم لإفساد هذه الإرادة، وفي مقدمتها شراء الأصوات واستعمال الهدايا والتبرعات والوعود بالمنافع من خلال المادة 62 التي تدخل ضمن فصول الباب السابع المخصصة لـ “المخالفات المرتكبة بمناسبة الدعاية الانتخابية”، إذ تعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حصل أو حاول الحصول، خلال الفترة الممتدة من تاريخ نشر المرسوم المحدد لتاريخ الاقتراع إلى غاية إعلان النتائج، على أصوات الناخبين بواسطة الهدايا أو التبرعات النقدية أو العينية أو الوعود بها أو الوظائف العامة أو الخاصة أو غيرها من المنافع، بقصد التأثير في التصويت.
ولا يقف التجريم عند الشخص الذي يقدم المقابل، بل يمتد إلى من قبل أو التمس الهدايا أو التبرعات أو الوعود، وكذلك إلى الوسطاء والمشاركين في تقديمها، مما يفيد اتساع نطاق التجريم من خلال تجريم الحصول والمحاولة معاً، بما يعكس رغبة المشرع في التدخل الجنائي قبل تحقق النتيجة النهائية متى بدأت الأفعال التنفيذية للجريمة.كما أنه بموجب المادة 63 يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من أرغم أو حاول إرغام ناخب على الامتناع عن التصويت أو أثر أو حاول التأثير في تصويته بواسطة الاعتداء أو العنف أو التهديد أو التخويف من فقدان الوظيفة أو تعرض الشخص أو أسرته أو ممتلكاته للضرر، وبذلك تنتقل الحماية الجنائية من حماية الصندوق الانتخابي إلى حماية الإرادة الانتخابية ذاتها.
ناهيك ، أن المشرع لم يحصر التجريم في المنفعة المباشرة الموجهة إلى الناخب الفرد، وإنما وسع دائرة الحماية لتشمل بعض صور تقديم الهبات والتبرعات والوعود بها لفائدة جماعة ترابية أو مجموعة من المواطنين، حيث تنص المادة 64 على العقاب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم لكل من قدم، خلال الفترة الانتخابية المحددة قانوناً، هدايا أو تبرعات أو وعوداً بها أو بهبات إدارية لفائدة جماعة ترابية أو مجموعة من المواطنين بقصد التأثير في تصويت الناخبين أو بعضهم.
كما نصت المادة 65 على مضاعفة العقوبة في الحالات المنصوص عليها في المواد 62 إلى 64 عندما يكون مرتكب الجريمة موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو الجماعات الترابية، لا تتعلق الحماية الجنائية فقط بحرية الناخب، بل تمتد إلى مشروعية عملية التصويت ذاتها. وفي هذا الإطار، تعاقب المادة 46 بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من صوت بناء على قيد غير قانوني، أو بانتحاله اسم أو صفة ناخب مسجل، أو استعمل حقه في الانتخاب أكثر من مرة. وتطبق العقوبات نفسها، بموجب المادة 47، على الشخص المقيد في لوائح انتخابية متعددة إذا صوت أكثر من مرة.
وتكتسي هذه المقتضيات أهمية خاصة لأنها تحمي مبدأ”صوت واحد لكل ناخب”، وتمنع التلاعب باللوائح الانتخابية أو استغلال التسجيلات المتعددة للتأثير في النتائج.كما تعاقب المادة 45 من فقد حق التصويت ثم أقدم على التصويت استناداً إلى قيد انتخابي سابق أو قيد تم إدراجه بعد فقدانه لهذا الحق، بالحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وبغرامة من 5.000 إلى 10.000 درهم.
وتجدر الإشارة أن المشرع أحاط أوراق التصويت بآلية زجرية دقيقة، بالنظر إلى أن أي تلاعب بها يمكن أن يؤدي مباشرة إلى تغيير نتيجة الاقتراع، دلك أن المادة 48 من نفس القانون تنص على عقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم في حق كل شخص مكلف بتلقي أوراق التصويت أو إحصائها أو فرزها إذا اختلس أوراقاً أو أضاف إليها أوراقاً أخرى أو أفسدها أو قرأ اسماً غير الاسم المقيد بها.وتطبق العقوبة نفسها على من يضبط متلبساً بتسريب أوراق التصويت إلى خارج مكتب التصويت.
وفي حالة اقتحام مكاتب الاقتراع بالعنف أو اقتحام مكاتب التصويت لتعطيل العملية الانتخابية أو كسر صناديق الاقتراع فحسب منطوق المادة 58 من القانون التنظيمي رقم 27.11 تتحدد العقوبة في السجن من 5 إلى 10 سنوات، وترتفع العقوبة لتصل من 10 إلى 20 سنة إذا ارتكب الاقتحام بناءً على خطة مدبرة أو بحمل السلاح.
كما أفرز التطور التكنولوجي تحديات جديدة أمام الانتخابات، خصوصاً إمكانية استعمال المنصات الرقمية لنشر أخبار زائفة أو محتويات مضللة بهدف التأثير في اختيارات الناخبين.
وفي هذا السياق، جاءت المادة 51 من القانون التنظيمي بصيغتها الحديثة لتجرم نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع الأخبار الزائفة أو الإشاعات الكاذبة أو غيرها من طرق التدليس بقصد تحويل أصوات الناخبين أو دفع ناخب أو أكثر إلى الامتناع عن التصويت.
وتتسع دائرة الوسائل التي يشملها النص لتشمل شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والمنصات الإلكترونية والتطبيقات والأنظمة المعلوماتية. وتصل العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم. إذ تجرم صناعة محتوى يتضمن مضموناً كاذباً أو مزيفاً بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية، إلى جانب أفعال تتعلق باستعمال أقوال أو صور الأشخاص دون موافقتهم أو نشر ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المساس بالحياة الخاصة أو التشهير بالناخبين أو المترشحين.
وتبرز هنا خصوصية الحماية الجنائية إذ لم يعد التهديد الانتخابي محصوراً في الرشوة أو العنف أو التزوير المادي، بل أصبح يشمل كذلك التلاعب بالمعلومة والصورة والمحتوى الرقمي.
مما يفيد من خلال استقراء المنظومة القانونية المغربية أن الحماية الجنائية للانتخابات التشريعية أصبحت تقوم على منظومة متعددة المستويات، تستهدف حماية مختلف مراحل العملية الانتخابية، ابتداء من سلامة اللوائح الانتخابية، مروراً بالحملة الانتخابية ومواجهة شراء الأصوات والعنف والتهديد، وصولاً إلى حماية التصويت وسريته وأوراق الاقتراع وصندوق التصويت وعمليات الفرز وإعلان النتائج.
وقد أظهرت التعديلات الحديثة، ولاسيما القانون التنظيمي رقم 53.25، أن المشرع المغربي أصبح واعياً بأن الاعتداء على نزاهة الانتخابات لم يعد بالضرورة يتم داخل مكتب التصويت أو بواسطة وسائل مادية تقليدية، وإنما يمكن أن يبدأ قبل يوم الاقتراع عبر محتوى رقمي قادر على التأثير في الإرادة الانتخابية. وعليه، فإن السياسة الجنائية الانتخابية المعاصرة أصبحت تقوم على الوقاية والرصد والتحقيق والإثبات الرقمي، بما يضمن سلامة الاقتراع ويحمي حرية الناخب ويصون نزاهة المؤسسات المنتخبة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.