عَمِلَ وزيرُ العدْلِ عبدُ اللّطيف وهْبي على أن يتضمَّنَ القانونُ المُرتَقَبُ لمدوّنةِ الأسرةِ الاستعانةَ بفحصِ الخِبرةِ الجِينية (DNA) لتحْديدِ المسؤولِ عن الحمْل، وبالتالي ضمانُ حقوقِ الأمّهاتِ والأطفالِ في حالِ التنازُع.
لكن رفَضَ المجلسُ العلميُّ الأعلى هذا المُقترحَ الذي تقدَّمتْ به الهيئةُ المكلَّفةُ بمراجعةِ مدوّنةِ الأسرة، ما شَطَرَ آراءَ المواطنين إلى رافضينَ لأيِّ إثباتٍ للنّسبِ خارجَ إطارِ الزّواجِ الشّرعيّ، ومَن رأى في قرارِ الرفضِ انتكاسةً في طريقِ اللِّحاقِ بالحداثةِ والتّطوراتِ العلميةِ الحديثة.
من مُنطلقِ المُحافظين: «إذا خرجتِ العلاقةُ بين الرّجلِ والمرأةِ عن إطارِ عقدِ الزّواجِ الشّرعيّ، لا يُمكننا حينئذٍ الحديثُ عن إثباتِ نَسَب» (1).
بينما اعتبرَ آخَرون: «اعتمادَ تحليلِ الحمضِ النّوويِّ في مجالِ الجرائمِ دونَ إثباتِ النّسبِ يُثيرُ التساؤلَ عن سببِ هذا الرفضِ، الذي يعكسُ تأثيرَ بعضِ الجهاتِ التقليديةِ التي لا تزالُ تتشبَّثُ بنهجٍ قديم» (2).
إنَّ قطبَ رَحى كلِّ هذا السِّجالِ يدورُ حولَ حديثِ «الوَلَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَر» (3)، وهو حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌ عليه وِفقَ معاييرِ تحقيقِ المرويّاتِ لدى أهلِ السُّنّةِ والجماعة، مَقصَدُهُ الحفاظُ على الأنسابِ بإلحاقِ الولدِ بأبيهِ ما لم يحصلْ بينَ الطَّرفينِ لِعان.
في هذا الخُصوص، نتساءلُ عن مانعِ اللُّجوءِ إلى الوسائلِ العلميةِ الحديثةِ لفضِّ النزاعِ وإثباتِ النّسبِ، بدلَ الاقتصارِ فقط على الفِراشِ والشَّبَه؟
وعلى ذكرِ آليةِ الشَّبَه في إلحاقِ النّسب، وردَ حديثٌ آخَرُ (4) يُبيّنُ من خلالِه خطرَ الاشتباهِ في الشَّبَه، حيث كان من الممكنِ في واقعةِ هذا الحديثِ أن تُزهَقَ روحٌ بغيرِ حقٍّ، فقط لأنَّ الشَّبَهَ حلَّ محلَّ البيّنةِ (5). فعن عائشةَ قالت:
«أُهدِيَت ماريةُ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلّم، ومعها ابنُ عمٍّ لها. قالت: فوقَعَ عليها وَقعةً فاستمرَّت حامِلًا. قالت: فعزَلَها عندَ ابنِ عمِّها. قالت: فقال أهلُ الإفكِ والزُّورِ مِن حاجتِه إلى الوَلَد: ادَّعَى ولدَ غيرِه! وكانت أمُّهُ قليلةَ اللّبنِ، فابتاعتْ له ضائنةً لَبونًا، فكان يُغذَّى بلبنِها فحسُنَ عليه لحمُه. قالت: فدُخِلَ به على النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلّم ذاتَ يومٍ، فقال: كيف ترَيْنَ؟ فقلتُ: مَن غُذِّيَ بلحمِ الضّأنِ يحسُنُ لحمُه! قال: ولا الشَّبَهُ؟ قالت: فحملني ما يحملُ النِّساءَ مِن الغَيرةِ أن قلتُ: ما أرى شَبَهًا! قالت: وبلغَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلّم ما يقولُ الناسُ، فقال لعليٍّ: خُذْ هذا السَّيفَ فانطلِقْ فاضربْ عنقَ ابنِ عمِّ ماريةَ حيث وجدتَه! قالت: فانطلقَ، فإذا هو في حائطٍ على نَخلةٍ يَختَرِفُ رُطبًا. قال: فلما نظرَ إلى عليٍّ ومعه السَّيفُ، استقبلتَه رعدةٌ. قال: فسقطَتِ الخِرفةُ، فإذا هو لم يخلقِ اللهُ عزَّ وجلَّ له ما للرّجالِ شيءٌ ممسوحٌ» (4).
ولهذا نطرحُ السُّؤالَ مرّةً أخرى: لماذا لم يقُلِ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلّم في هذه الواقعةِ: «الوَلَدُ للفِراش»؟! ولماذا غضِبَ وأعطى الأمرَ لعليٍّ بإزهاقِ روحٍ بريئةٍ؟ مع عِلمِنا – كما وردَ في الصِّحاحِ والأربعينِ النّووية – أنّه يوصي ويقول: «لا تَغْضَبْ!». هذا مِن جهةِ الآمِرِ صلى الله عليه وآله وسلّم – وهو لا ينطِقُ عن الهوى –، أما مِن جهةِ المأمورِ (وهو تلميذُهُ الأوّلُ وبابُ مدينةِ عِلمِه)، فنحنُ نعلمُ أيضًا أنّه كان أقضى الناسِ (5). ومِن القضايا التي فصلَ فيها – ونذكرُها على سبيلِ المثال – تلكَ المرأةُ التي أُتِيَ بها إلى الخليفةِ عمرَ، وقد كانت تعلَّقتْ برجلٍ مِن الأنصارِ، وكانت تهواهُ فلم تَقْدِرْ على حيلةٍ، فأخذتْ بيضةً فأخرجَتْ منها الصُّفرةَ وصبَّتِ البياضَ على ثيابِها وبينَ فخِذيها، ثم جاءتْ إلى عمرَ فقالت:
«يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ هذا الرّجلَ أخذني في موضعِ كذا وكذا ففضَحني!».
فهمَّ عمرُ أن يُعاقِبَ الأنصاريَّ، وعليٌّ جالسٌ. فجعلَ الأنصاريُّ يقولُ: «يا أميرَ المؤمنينَ، تَثَبَّتْ في أمري!». فقال عمرُ: «يا أبا الحسنِ، ما ترى؟». فنظرَ عليٌّ إلى بياضٍ على ثوبِ المرأةِ فاتَّهمَها أن تكونَ قد احتالتْ في ذلك، فقال: «ائتوني بماءٍ حارٍّ مغليٍّ قد غُلِيَ غليًا شديدًا!». فأُتِيَ به، فأمرَهم أن يصبّوه على ذلك البياضِ، فصبّوه على موضِعِه، فاستوى ذلك البياضُ. فأخذَه عليٌّ فألقاهُ في فيهِ، فلما عرَفَ طعمَهُ ألقاهُ مِن فيهِ. ثم أقبلَ على المرأةِ حتى أقرَّتْ بذلك، ودفَعَ اللهُ تعالى عن الأنصاريِّ العُقوبةَ.
في المُقابِل، يُفرِّقُ الفقهُ الجعفريُّ بينَ إثباتِ النّسبِ الصُّلبيِّ (أي نَسَبِ الابنِ لأبيه) وإثباتِ السّيادةِ (أي النَّسبِ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلّم). فأوَّلُهُما يحصلُ بالبيّنةِ عن طريقِ شُهودٍ عُدولٍ، كما يحصلُ بتحليلِ الحمضِ النّوويِّ. أما إثباتُ السّيادةِ فلا يحصلُ إلا بالشُّهرةِ المُتناقَلةِ مِن جيلٍ إلى جيلٍ في مناطقِ سُكناهم؛ أيْ عبرَ النَّسَّاب.
بخصوصِ هذا الفحصِ (DNA)، يقولُ الشيخُ صباحُ شُبَّر: «إذا حصلَ الاطمئنانُ فيهِ يكونُ حُجّةً فيؤخَذُ به؛ لأنَّ نسبةَ الخطأِ فيهِ لا تتعدَّى ستةً في المليونِ الواحدِ – وهذه نسبةٌ جدًّا ضئيلةٌ». ومهما يكنْ مِن حالٍ، فإنَّ البيّنةَ التي تُلحِقُ الابنَ بأبيهِ ضروريةٌ شرعًا، إذ يقولُ تعالى: {﴿أُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾} [الأحزاب: 5]، فأوجبَ الحُجَّةَ في ذلك. وقال: {﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾} [الحجرات: 6]. وفي نفسِ المعنى رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلّم قال: «لو يُعطَى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءَهم، لكنَّ البيّنةَ على المُدَّعِي، واليمينُ على مَن أنكر» (6) – حديثٌ حسنٌ رواه البيهقيُّ وغيرُه هكذا، وبعضُه في الصحيحين.
بهذا الحديثِ يكونُ النبيُّ قد أسَّسَ لقاعدةٍ عظيمةٍ مِن قواعدِ الشريعةِ، وأرسى أصلًا مِن أصولِ الدين. وفيهِ قال النوويُّ (7): «لا يُقبَلُ قولُ إنسانٍ فيما يدَّعيهِ بمجرَّدِ دعواهُ، بل يحتاجُ إلى بيّنةٍ أو تصديقِ المُدَّعَى عليه. فإن طُلِبَتْ يمينُ المُدَّعَى عليهِ فلهُ ذلك».
انا ارى انه يجب تجاوز الحديث الذي يقول«الوَلَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَر» في هذا العصر و تبني الاية الكريمة “ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ..” ۚ باستعمال الحمض النووي ADN لان فيها المصلحة الفضلى للطفل حيث يساهم في استقراره النفسي و الاجتماعي و يحميه من التمييز و الوصم, فاثبات النسب هو حق اساسي من حقوق الطفل التي تكفلها المواثيق الدولية و الانسانية
و حماية حقوق جميع الاطفال يساهم في بناء مجتمع اكثر تماسكا و عدالة
تحليل الحمض النووي أداة قوية لتحديد البنوة ، لكنه قد يفقد فعاليته في حالات معينة خاصة عند وجود تشابه جيني قوي بين الأخوة . هذا التشابه يمكن أن يجعل من الصعب على التحليل تحديد الأب الحقيقي بدقة حيث قد لا يستطيع التمييز بين الأب والأخ .
من الضروري التاكيد على ان قاعدة «الوَلَدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَر» ظهرت في سياق اجتماعي مغاير تماما لعصرنا الحالي بل يكاد يكون معكوسا, فبينما المجتمعات انذاك تشهد نزاعات حول من له الحق في تبني الطفل و الحاقه بنسبه, فاننا نرى اليوم اتجاها معاكسا يتمثل في التهرب من هذه المسؤولية. هذا الاختلاف الجذري في السياق الاجتماعي يؤدي الى ضياع حقوق الطفل, مما يستدعي اعادة تقييم فهمنا و تطبيقنا لهذه القاعدة لضمان حماية هذه الحقوق في عصرنا الذي يشهد تحديات مختلفة