الدوار بين الهجرة والاستمرارية .. نقاش حول التحولات الاجتماعية في قرى المغرب

الدوار بين الهجرة والاستمرارية .. نقاش حول التحولات الاجتماعية في قرى المغرب
صورة: هسبريس
الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 06:00

في تحرك “نوعي” من طرف مبادرة OTED، التي تضم فاعلين من المجتمع المدني، جرى تنظيم ندوة رقمية أمس الخميس ناقشت “الدوار” كنسق اجتماعي ممتدّ في القرى والمداشر والمناطق شبه الحضرية. الأكاديميون المشاركون في اللقاء الملتئم عن بُعد أجمعوا على أن هذا الفضاء “استطاع لفترة طويلة أن يحافظ على التراث الطبيعي، سواء كان مادياً أو غير مادّي، ما يجعله في حاجة إلى تأهيل واعتراف مؤسساتيين”.

اللقاء الذي ناقش قضية المؤسسات الاجتماعية في المجتمع القروي بالمغرب، ولاسيما في فضاء الدوار، خلص إلى أن من بين التحديات التي تواجهها هذه المؤسسات تنامي حركية الهجرة نحو المدن وإخلاء هذه المناطق، لكنه لفت وجود ساكنة تتشبث بالعيش في الدوار وتتمسك باستمرار الحياة فيه، كما أن كثيرين يدعمون هذا الخيار، والأبناء يعودون في الأعياد الدينية وغيرها.

ديناميات متباينة ومتقاطعة

محمد مهدي، الأكاديمي والباحث في السوسيولوجيا القروية، قارب الموضوع من حيث الديناميات التي شهدها العيش في الدوار. ويرى أن الحل المؤسساتي الممكن اليوم هو تأهيل مؤسسة “الجّْماعة” التي كانت عنصراً ذا أهمية كبيرة في تحديد التوافق داخل هذه الفضاءات، والتعاون بين الساكنة، مسجلاً أنها صارت الآن متواجدة لكن مع جيل جديد استطاع أن يسخر أيضاً الرقمية للحفاظ عليها، وزاد: “‘الجماعة’ مازالت متواصلة ولكن عبر ‘الواتساب’ مثلاً”.

ووضّح مهدي، وهو يتحدث ضمن الندوة المذكورة، أن الدواوير بشكل عام مختلفة عن بعضها البعض من حيث توقيعها الترابي داخل المملكة، خصوصاً من حيث النظم البيئية الزراعية، مواصلا بأن الجبال تعدّ فضاء حاضناً لدواوير غفيرة مختلفة، فيما جبال الأطلس تختلف عن نظيرتها في الريف، وعن الدواوير الواقعة في واحات درعة أو تافيلالت، وعن الموجودة في الشرق أو في سوس أو في الصحراء المغربية.

وكشف السوسيولوجي ذاته أن النتائج أو الاستنتاجات والأبحاث المونوغرافية التي استهدفت دواوير معينة “لا يمكن تعميمها على البقية داخل التراب الوطني”، بحكم الخصوصية، مستدركاً بأنه “من ناحية أخرى لا ينتفي التعميم تماماً لهذه النتائج بما أن هناك تقاطعات واتجاهات تطورية مشتركة في المجمل”، وأشار إلى “وجود نطاقات محظوظة بحكم تواجد الماء والثلج ضمن تكوينها المناخي، كما أن فضاءات أخرى صارت خالية بحكم التغيرات المناخية”.

وتوسع المتحدث في هذه الفكرة، في إطار عرضه للديناميات، مسجلاً أنه “على الجانب الجنوبي بدأت الهجرة منذ الستينيات نحو دول أخرى، بما غيّر مصير الناس، بحيث بدؤوا تدريجياً الاعتماد على تحويلات المهاجرين أكثر من النشاط الفلاحي”، مضيفاً أنه “من جهة أخرى، وفي إمليل تحديداً، كانت الهجرة شبه منعدمة، لأن الحركة الزراعية ظلّت متواصلة، واتجه الناس إلى زراعة تُنزل للأسواق وليس فقط معيشية”.

وتفاعلاً مع أسئلة مرتبطة بشكل الدواوير والمؤسسة الاجتماعية فيها بعد فاجعة زلزال 8 شتنبر قال الأكاديمي ذاته إن هناك فضاءات دمرت بالكامل ومنها ما انمحى من الخريطة، موردا أن “هناك حالة من غياب اليقين الآن ترافق عملية إعادة الإعمار، فمن الصعب أن نجد أجوبة بخصوص استمرار الأنشطة الفلاحية مثلا؛ فهي خيار يعود للساكنة، ولذلك نحن أمام ما يمكن أن نسميه ‘دوار ما بعد الزلزال'”.

“علاقة متميزة مع الطبيعة”

الأكاديمية المغربية والباحثة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية سميرة مزبار قالت: “إننا حين نخضع الدوار لمجهر النظر نجد أننا، بشكل ما، مازلنا نجترّ الفلسفة نفسها التي وضعها المستعمر، سواء الفرنسي أو الإسباني، وهي التي تجسدت في الكتب التي جرى إصدارها عقب وصولهما إلى المغرب؛ وهي قراءة محكومة بمنطق الرغبة في التحكم، مع أننا نعلم أن هناك قرارات تتخذ محلياً داخل الدواوير التي تدبر مصيرها”.

ووفقا لمزبار فإن “هذه الفضاءات كانت غير مرئية بالنسبة للنظام المركزي المغربي، ولذلك كانت الرؤية لها تخفي وراءها قراءة متعسّفة تحاول إسقاط شكل المدينة الغربية على التعاطي المحلي”، وزادت: “نموذج هذه المدينة كان استحواذياً ومهيمناً، وتبنّيه لدينا أدى إلى الخروج بالنتائج نفسها، وهي إلقاء المناطق القروية على الهامش، بوصفها من مظاهر التخلف أو لكونها غير قادرة على استدماج مقولات الحداثة”.

من جهة أخرى اعتبرت الباحثة المغربية أن “العلاقة بين الساكنة في هذه المناطق والمدخرات الطبيعية التي تتوفر عليها تعدّ مهمة للغاية، خصوصاً من حيث قدرة الساكنة على إدارة القطاع الفلاحي”، وقالت إن “هناك تحديات أخرى تواجه هذه المناطق كما حدث في الفيضانات الأخيرة، فبعض الدواوير كانت تعتمد على إمدادات أساسية من المدينة، وقد تعطلت هذه العملية؛ وهذه مشكلة تنضاف إلى ما حدث عقب الزلزال”.

وقالت المتحدثة عينها إنه “حين نتحدث عن تراث هذه الفضاءات فنحن نتصور في أذهاننا جميعاً أنها مرادف لذاكرتنا الحية والمتحركة؛ وأنها تخزّن ماض نجمده ونحاول فهمه، فنأخذ منه بعض الخصائص ونحوّلها إلى مادة متحفية”، معتبرة أنه “بالنسبة لجميع المعنيين بالديناميات الاجتماعية والاقتصادية فإن هذه الرؤية (الفلكلورية) تعيق بشكل محوري تنمية هذه المناطق”.

فضاء سياسي؟

محمد الطوزي، الأكاديمي والباحث في العلوم السياسية والاجتماعية، قام بجرد للطريقة التي تُدار بها “المؤسسات” داخل الدوار، مشدداً على أننا “في القرن السابع عشر نعثر على دواوير بشكلها الحالي نفسه وبدقة، لاسيما من حيث تلك القدرة على التدبير الذاتي (L’autogestion)”، مضيفاً أن “الأساسي هو وجود فضاء للسكن، ويمكن أن يكون للدوار بهذا المعنى امتداد يمكن القول عنه إنه سياسي”.

وأورد الطوزي، ضمن مداخلته، أن “هذا الفضاء السكاني يمكن أن يكون في الحد الأقصى مدينة (La cité)، فلا وجود لدوار بلا عدد من المؤهلات المرفقية، التي يتولى تدبيرها وإدارتها، خصوصاً المقبرة والمسجد بشكل أساسي”.

وسجل الأكاديمي المغربي ذاته أنه “عقب الاستقلال في إطار تهيئة وبناء الدولة الوطنية كانت هذه العملية عنيفة، ومرتبطة بالقومية، بشكل ضمني وأحياناً بشكل صريح ومعلن، وأدى ذلك ليس إلى القضاء على فضاءات معينة من شكل الناس بالمغرب وإنما إلى إلحاقها بالدولة (قسراً)، التي كانت تتبنى فكرة القومية آنذاك، ومن هذه الفضاءات القبيلة التي كانت فضاء اجتماعياً ينتعش في الدواوير”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • ايت واعش
    الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 07:07

    يظهر التخلي عن الدوار في تعامل السلطة مع ظاهرة الرعي الجائر بالاطلس الصغير ، اذ ان الجماعة تسن قانون ينظم الرعي ومجاله حماية للاشجار والفلاحة المعيشية فيما يسمى الحيز او تافكورت وغالبا يكون جميع من في القبيلة او الدوار يحترم هذا القرار الذي تينه الجماعة او مجموعة اينفلاس التي تتكون من حكماء وكبار السن والكهول والشباب لكن الدزلة تركت مافيات الرعي الجائر تنتهك المجال الفلاحي وتنتهك هذه المنظومة الخاصة بالدوار فغالبا ما تلجا الجماعة الى القائد الاداري الذي غالبا يفشل في ردع مافيات الرعي الجائر وايضا تلجا الجماعة للقضاء عبر ضباط الدرك ويحدث ايضاان يفشل القضاء نفسه امام تغول مافيات الرعي الجائر اذ تسجل الشكايات ضد مجهول …كل هذا جعل سلطة الجماعة ومنظومتخا ينتقص من قيمتها وهي التي كانت تحفظ اللحمة والموروث وتساهم في ضبط المجال والانسان …النموذج من جماعة ايماون / تارودانت التي عرفت توافد للرحل واستمرار لظاهرة الرعي الجائر دون اي تدخل فعلي للسلطة

  • كريم بوزبيطة تطوان
    الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 07:08

    الدوار في حد ذاته هو دائرة يجتمع فيه اناس لديهم نفس الانتماء القبلي والعرقي بل احيانا اسماء عائلية مشتركة تدور فيما بينهم.
    تاثير الدوار في بناء المجتمع القروي له دلالات قوية من حيث التعاون والتكافل وبناء الروابط الأسرية العميقة
    يعتمد سكان الدوار الواحد على انفسهم في مواجهة الحياة
    يقومون بالتويزة في الحرث والحصاد وجني بعض الغلات
    يقومون كذلك بالمساهمات المادية فيما بينهم في احياء حفلات الزفاف. ويسمونها الغرامة
    الدوار بمثابة أسرة كبير لها اشخاص يسيرونها اختارتهم الساكنة
    يختارون فقيها يؤمهم في الصلوات ويمولونه بما يسمونه الشرط سنويا كما يطعمونه من طعامهم يوميا تسمى النوبة
    الدوار شبه دويلة صغيرة قائمة بذاتها..

  • مغرد
    الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 07:30

    الهجرة من القرية الى المدينة لها عدة عوامل ناهيك عن ما قالوه لنا في المدرسة الجفاف وقلة المرافق الحيوية هناك ايظا سبب منطقي يتمثل في التضييق عن الساكنة القروية من قبل السلطات المحلية كعدم منح تراخيص البناء وحفر الآبار واشتراط توفر هكتار وتقليص الاراضي الرعوية من قبل مندوبية المياه والغابات هذه العوامل كلها تجعل الساكنة القروية تهاجر الى المدن فمن كان فلاحا بالامس القريب اصبح فراشا أو سائقا للتربورتور يسكن وعائلته في احياء الصفيح وبالتالي أنتاج ظواهر خطيرة أخرى في المدن

  • Karimov
    الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 07:44

    يجب خلق ضروف اجتماعية واقتصادية في هاته القرى لكي تبقى هاته الساكنة في بيئتها متل بناء مدارس ومستوصفات و مدارس للتكوين المهني و خلق رواج اقتصادي و سياحي بخلق فنادق صغيرة لجلب السياح وبناء الطرقات وخلق أنشطة اقتصادية اخرى متل تربية المواشي والدواجن وتربية النخل وغرس الأشجار المتمرة واستصلاح الاراضي الزراعية ولو على سفوح الجبال كما هو في دول اسيا.

  • مواطن
    الجمعة 11 أكتوبر 2024 - 12:45

    بكل ختصار البوادي خلت من اهلها والكل يعرف ااسباب. الهجرة لعبت الدور الاساسي في غلاء الحبوب والمواشي. كلام قد يبدو غريبا للبعض لكنها الحقيقة. انا انحدر من البادية وكنت اقضي فيها جميع العطل. انا واطفالي. كنت اجد متعة كبيرة في دلك لما كانت تتوفر عليه البادية من خاصيات متميزة. كل دار كان لها الاكتفاء الداتي من الحبوب والماشية التي كانت توفر الكثير من الضروريات. وسكان البادية كانوا مقتنعين بما لديهم ويدبرون شؤونهم دون اللجوء الى اي طلب من الدولة.كان دلك قبل نهاية السبعينات. مع تطور وسائل النقل ووسائل التواصل تغيرت الامور بشكل رهيب. الكل توجه نظره الى المدينة حيث تتوفر المدارس والانارة والمستشفيات وهنا اختل التوازن وتوجهت الانظار الى المدن الشيء الدي جعل من البادية فضاء خال من الحياة تقريبا. اتحدث عن قريتي فاقول بانها لم تعد تحتوي على العشر من سكانها. الدولة قامت بمجهودات جبارة لتعبيد الطرق وادخال الكهرباء والماء لكن بعد فوات الاوان بكثير. ربما لا زالت دواوير عامرة لكنها قليلة مقارنة بالماضي. الاجراءات جاءت متاخرة ولم تنفع في شيء, الحل الوحيد هو دعم من بقي يالبوادي بدخل قار.

  • مواطن متفائل .
    الأحد 13 أكتوبر 2024 - 21:51

    إذا توفرت سبل العيش في دواوير وقرى ومداشر المملكة فلن تهاجر ساكنتها نحو المدن وخاصة الكبرى منها …..نعم ، هؤلاء القرويات و القرويون هم في حاجة ماسة للسكن اللائق و للماء والكهرباء و شق الطرق و المسالك و دعم المجال الفلاحي و بناء مدارس ومستشفيات القرب و توفير مناصب للشغل ولو كان موسميا هذا لا يهم …. كل هذا وذاك يجعل أهل القرى مستقرين في قراهم ولا حاجة لهم للهجرة نحو كبريات المدن من أجل تغيير نمط حياتهم . لكن للأسف الشديد كل هذا الذي قلنا عنه لن يتحقق أبدا لأنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية تدفع لتحقيقه و إليكم كمثال صارخ ساكنة المغرب المنسي . فهل من سبيل لحلحلة وضعهم الاقتصادي والاجتماعي الكارثي.؟. فالله أعلى وأعلم . لكننا متفائلون .

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 3

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء