اسألوا أسرة وقفت أمام فاتورة علاج، أو أبًا حائرًا أمام لائحة مستلزمات الدخول المدرسي، أو شابًا أمضى سنوات يطرق الأبواب بحثًا عن عمل. ستجدون أن «الدولة الاجتماعية» عندهم لا تعني البرامج الحكومية ولا الأرقام المعلنة تحت قبة البرلمان. هي سؤال أبسط وأثقل: هل يستطيع الإنسان أن يواجه مفاجآت الحياة دون أن يتحول كل طارئ إلى أزمة تهز استقرار بيته؟
بهذا السؤال تحديدًا ينبغي أن تُقرأ أولوية «ضمان العيش الكريم وتعزيز الدولة الاجتماعية» في البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031. فقد أعلنت الحكومة عزمها رفع الدعم الاجتماعي المباشر تدريجيًا من 500 إلى 1000 درهم قبل نهاية الولاية، إلى جانب إصلاح التقاعد، وتحسين الولوج إلى العلاج، والرفع من جودة التعليم، وتطوير سياسة السكن. والتزامات بهذا الحجم لن يُحكم عليها بصياغتها، وإنما بما ستغيّره فعلًا في الحياة اليومية للناس.
والحال أن الدولة الاجتماعية لا تُقاس بما توزعه من مساعدات، بل بما تمنعه من هشاشة قبل أن تقع، وما تفتحه من فرص، وما تحفظه من كرامة قبل أن يضطر المواطن إلى طلب العون. فالتحويل المالي يخفف ضغط المصاريف، لكنه لا يعوّض غياب الشغل، ولا يصلح اختلالات المدرسة العمومية، ولا يضمن للمريض موعدًا طبيًا في الوقت الذي يحتاج إليه. وكم من أسرة تتسلم دعمها بانتظام، ثم تصطدم بنفقات صحية أو دراسية تفوق قدرتها، فيذوب المبلغ وسط التزامات لا تنتظر تحسن الظروف.
لذلك يصعب فهم الدعم المباشر خارج سياسة متكاملة، فهو ليس بديلًا عن إصلاح الخدمات العمومية. فإذا حصل المواطن على مساعدة ثم اضطر إلى إنفاق جزء منها لتعويض ضعف العرض الصحي أو التعليمي، أصبحت حصيلته الاجتماعية أقل مما توحي به الأرقام. أما إذا وجد مدرسة جيدة، ومستشفى يستجيب لحاجته، وإدارة تحترم وقته، وفرصة عمل تناسب مؤهلاته، فإن قيمة الحماية الاجتماعية تتضاعف؛ لأنها لا تزيد دخله فحسب، بل تخفف أيضًا الأعباء التي كانت تستنزف موارده الأصلية.
ولعل أصعب اختبار أمام الحكومة هو الانتقال من توسيع دائرة المستفيدين إلى ضمان جودة الخدمات التي يحصلون عليها. فالتغطية الصحية تفقد كثيرًا من معناها إذا لم يجد المريض طبيبًا أو سريرًا أو موعدًا معقولًا، وإذا ظلت المسافة بينه وبين المستشفى عائقًا أمام العلاج. كما أن التسجيل في منظومة الحماية الاجتماعية لا يعني استفادة فعلية ما لم تواكبه خدمات واضحة، ومساطر ميسرة، ومعلومات دقيقة، وآليات للإنصاف عندما يقع الخطأ أو يُقصى من يستحق الاستفادة.
وتزداد المسألة تعقيدًا في المناطق التي تعاني نقص التجهيزات وصعوبة الوصول إلى الخدمات. فمن يقطع عشرات الكيلومترات من أجل موعد طبي، أو يسافر إلى مدينة أخرى لإتمام فحوصاته، لا يتحمل تكلفة العلاج وحدها، بل يتحمل أيضًا نفقات التنقل والانتظار، وربما خسارة يوم عمل أو تكاليف مرافقة أحد أفراد أسرته. لهذا لا تتحقق العدالة الاجتماعية بتوحيد قيمة الدعم فقط، بل بالانتباه إلى اختلاف الحاجات وتفاوت الأوضاع المجالية، حتى لا تصبح الجغرافيا عاملًا إضافيًا في توزيع فرص الحياة.
من هنا يصبح الاستثمار في الخدمات العمومية جزءًا من العدالة في توزيع الثروة. فليس من الإنصاف أن نقيس أثر السياسات الاجتماعية بما يصل إلى الحسابات البنكية وحدها، ونتجاهل الفوارق في جودة المدارس والمستشفيات ووسائل النقل والبنيات الأساسية. قد تتلقى أسرتان الدعم نفسه، لكن إحداهما تسكن قرب مستشفى مجهز ومدرسة جيدة، بينما تضطر الأخرى إلى تحمل نفقات إضافية للحصول على خدمات مماثلة. المبلغ واحد، لكن الأثر مختلف؛ والسياسة العمومية العادلة هي التي تأخذ هذا الاختلاف بعين الاعتبار.
وفي التعليم تظهر المفارقة بأوضح صورها. فتَكافؤ الفرص لا يعني أن يجلس الأطفال جميعًا في أقسام دراسية، بل أن تتوفر لهم شروط معقولة لاكتساب المعارف والمهارات التي يبنون بها مستقبلهم. فالطفل الذي يتلقى تعليمًا جيدًا ويجد من يسنده عند التعثر ترتفع فرصه في بناء مستقبل أقل هشاشة، بخلاف طفل تتراكم عليه الصعوبات دون مواكبة. لذلك ليست المدرسة العمومية قطاعًا منفصلًا عن الدولة الاجتماعية، وإنما إحدى أهم أدواتها في الوقاية من الفقر وتوسيع فرص الارتقاء الاجتماعي.
وينطبق الأمر نفسه على التشغيل. فالدعم الاجتماعي، مهما كانت أهميته، يجب ألا يصبح سقف طموح الشباب أو وسيلة للتعايش الدائم مع انعدام الفرص. ما يحتاج إليه الشاب هو مسار واضح من التكوين إلى العمل، وبرامج تأهيل مرتبطة بحاجات اقتصادية فعلية، لا دورات تنتهي بشهادات لا تفتح أبواب الإدماج المهني. كما أن فرص الشغل لا تُقاس بعدد المستفيدين من البرامج وحده، بل بمدى استقرار الوظائف، وجودة شروطها، وقدرتها على توفير دخل يحفظ الكرامة ويتيح الاستقلال.
وقد تضمن البرنامج الحكومي أهدافًا تتعلق بتكوين الشباب وتمكينهم من اكتساب تجارب مهنية أولى كل سنة. لكن قيمة هذه الأهداف ستتحدد بقدرتها على مراعاة الفوارق بين التخصصات والجهات، وربط التكوين بالطلب الفعلي على الكفاءات، وتوفير مواكبة تمنع انتهاء التجربة المهنية بانتهاء الدعم. فالشاب لا يحتاج إلى عبور عابر في سوق الشغل بقدر حاجته إلى مسار يسمح له ببناء حياة مستقرة، وتكوين أسرة، والتخطيط لمستقبل لا يظل رهين فرصة مؤقتة.
ولا يمكن، في المقابل، فصل هذه الالتزامات عن سؤال التمويل. فكل توسيع للدعم أو تحسين للخدمات يحتاج إلى موارد مستدامة، واقتصاد قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وإنفاق عمومي يحقق نتائج ملموسة. وإذا لم تنمُ القدرة الإنتاجية بالوتيرة المطلوبة، فقد تجد الدولة نفسها أمام التزامات متزايدة وموارد محدودة، فتتعرض جودة الخدمات للضغط أو تتأخر الإصلاحات المنتظرة. لذلك لا يكفي أن نطالب بمزيد من الإنفاق، كما لا يصح اختزال الحل في تقليصه. الأجدى أن ينصب النقاش على كيفية توجيه الموارد، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، وتحسين مردودية الاستثمار العمومي، وضمان تحول النفقات إلى خدمات وفرص قابلة للقياس.
وهنا تبرز الشفافية شرطًا لا غنى عنه. فمن حق المواطنين أن يعرفوا الفئات المستهدفة، ومعايير الاستفادة، ومصادر التمويل، وكيفية معالجة حالات الإقصاء أو الخطأ، والنتائج التي تحققت بعد سنة أو سنتين من تنفيذ كل إجراء. كما أن نشر المعطيات المتعلقة بجودة الخدمات وآجال الاستجابة والفوارق بين الجهات يتيح تقييم السياسات بعيدًا عن الانطباعات المتناقضة. فالبرنامج الاجتماعي الناجح ليس الذي يعدد أهدافه فحسب، بل الذي يوضح ما أُنجز منها، وما تعثر، ولماذا، وما الذي سيتغير لتصحيح المسار.
غير أن المؤشرات، مهما كانت أهميتها، لا ينبغي أن تنفصل عن الإنسان. فقد يرتفع عدد المستفيدين، وتبقى أسر عاجزة عن تحمل نفقات العلاج أو السكن. وقد تتوسع برامج التكوين دون أثر كافٍ على التشغيل المستقر. وقد تُنجز مشاريع جديدة ويظل أثرها محدودًا لأنها لم تُوجّه وفق حاجات السكان الفعلية. لهذا يحتاج تقييم الدولة الاجتماعية إلى الجمع بين الأرقام وتجارب الناس، وبين حجم الموارد وجودة النتائج، وبين ما تحقق على المستوى الوطني وما تغير فعلًا في القرى والأحياء التي انتظرت سنوات نصيبها من التنمية.
فالدولة الاجتماعية ليست وعدًا باختفاء الصعوبات من حياة الناس، ولا تعهدًا بأن تتكفل المؤسسات بكل حاجاتهم. إنها بناء مؤسساتي يضمن حدًا أدنى من الحماية، ويمنح الأفراد فرصًا أكثر عدلًا، ويحد من تحول المرض أو فقدان العمل أو الفقر إلى أسباب للإقصاء من حياة كريمة. وتتوزع مسؤولية إنجاحها بين مؤسسات الدولة والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، مع بقاء الحكومة مسؤولة عن تنفيذ التزاماتها، وتنسيق السياسات العمومية، وتعبئة الموارد، وتصحيح الاختلالات.
وبالنسبة إلى حكومة جعلت تعزيز الدولة الاجتماعية ضمن أولويات برنامجها، فلن يُقاس الامتحان بعدد المرات التي ورد فيها هذا المفهوم في خطاباتها، بل بالمسافة التي ستقطعها الأسر من الهشاشة إلى الاستقرار، ومن الانتظار إلى الحصول على الخدمة، ومن الشهادة إلى فرصة العمل، ومن الحق المعلن إلى الحق الممارس. فالسياسات الاجتماعية لا تستمد معناها من نبل مقاصدها وحده، بل من قدرتها على تغيير شروط العيش.
قد لا تستطيع ولاية حكومية واحدة معالجة كل الاختلالات المتراكمة، لكنها تستطيع تحديد أولويات قابلة للقياس، ووضع آجال واضحة، وتوجيه الاستثمار إلى المناطق الأكثر حاجة، ونشر حصيلة منتظمة تتيح للمواطنين معرفة ما تغير في واقعهم. كما يمكنها أن تجعل تقييم السياسات الاجتماعية ممارسة مستمرة، لا عملية موسمية ترتبط بعرض الحصيلة أو الدفاع عن النتائج. حينها يتحول النقاش حول الدولة الاجتماعية إلى نقاش حول الإنجاز والمسؤولية، بدل الاكتفاء بتبادل الوعود والأحكام الجاهزة.
لا يحتاج المواطن إلى دولة تكتفي بإحصاء ما قدمته له، بل إلى دولة تعينه على ألا يظل في حاجة إلى المساعدة عند كل منعطف. دولة تحميه حين يمرض، وتمنح أبناءه تعليمًا يفتح أمامهم الأفق، وتوفر لشبابها فرصًا عادلة، وتخفف عن أسرها أعباء السكن والمعيشة، وتصون كرامة كبار السن. عندها فقط يصبح الدعم جزءًا من مشروع أوسع للعيش الكريم، وتغدو الدولة الاجتماعية واقعًا يُلمس في تفاصيل الحياة اليومية، لا عبارة جميلة معلقة بين الوعد وانتظار التنفيذ.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.