الديمقراطية وخطر "الإرهاب"

الديمقراطية وخطر "الإرهاب"
الإثنين 25 يناير 2016 - 09:35

تحيل الديمقراطية إلى مجموعة من المعاني والدلالات في علاقتها بتداول السلطة بصورة سلمية ومشروعة؛ واعتماد الشفافية والتعددية السياسية؛ وإلى المشاركة السياسية التي تسمح للمواطنين نساء ورجالاً بتدبير شؤونهم؛ والتأثير في مختلف القرارات والسياسات ذات الطابع العام عبر انتخابات حرة ونزيهة؛ إضافة إلى احترام حقوق الإنسان في بعدها الكوني؛ وإدارة الأزمات وتدبير الاختلاف والتنوع داخل المجتمع بصورة بنّاءة وسليمة.

كما تحيل أيضاً إلى احترام القانون واعتماد الحكامة الجيدة (الحوكمة) وتمكين المرأة، وإلى قبول الأقلية باختيار الأغلبية؛ تبعاً لقواعد لعبة متفق عليها مسبقاً.. إنها عملية مركّبة وشاقّة ومتدرّجة؛ تتطلب توافر الكثير من الإجراءات الداعمة والعوامل والشروط الاجتماعية والقانونية والسياسية والاقتصادية والتربوية والمؤسساتية؛ كما أنها تظل بحاجة إلى انخراط مختلف القوى والفعاليات داخل المجتمع؛ وهي تتأثر في مسارها وتطوراتها بعوامل داخلية وأخرى يفرضها المحيط الخارجي.

وعادة ما تهدف الديمقراطية إلى تحقيق أمرين أساسيين داخل المجتمع؛ أولهما يتعلق بتداول السلطة بصورة شرعية وسلمية؛ عبر الحد من السلطة المطلقة للحاكمين، وثانيهما؛ يرتبط بتدبير التنوع والاختلاف داخل المجتمع بصورة سلمية في دولة مدنية تتّسع الجميع.

فيما يحيل “الإرهاب” إلى استعمال منظم للعنف بشتى مظاهره المادية والمعنوية؛ بشكل يثير الرعب والخوف؛ ويخلف خسائر جسيمة في الفئات والمنشآت المستهدفة بغية تحقيق أهداف سياسية أو شخصية وبصورة تتنافى وقواعد القانون المحلي والدولي.

لا يرتبط الإرهاب بدين معيّن أو إيديولوجيا محددة؛ فهو تعبير عن الأحادية في الرأي؛ يعكس تجاوز الاختلاف وإلغاء العقل؛ بل هو خروج عن كل الضوابط القانونية والأخلاقية والدينية.

تشير الممارسة إلى أن الظاهرة في تصاعد مثير؛ حيث أضحت منفلتة ومتطورة وعابرة للحدود؛ وتشكل تحدياً حقيقياً أمام الدول؛ والمجتمع الدولي برمته؛ وقد زاد من صعوبة التعامل معها بفعالية التضارب والتباين الحاصلان بصدد تعريفها.

إن العوامل المغذية لظاهرة الإرهاب متعددة ومتباينة؛ الأمر الذي يتطلب التعاطي معها بسبل شاملة تتجاوز التركيز على المقاربة القانونية والأمنية فقط.

تصاعدت وتيرة الظاهرة بصورة مكثفة ومثيرة للانتباه خلال الفترة الأخيرة، في مختلف دول المنطقة العربية؛ بل إن تحولات الحراك؛ لم تخل من عنف خطر؛ بعدما شكل اللجوء إلى العنف أولوية لتدبير الخلافات في عدد من دول الحراك.

كما أن الأزمات والصراعات السياسية والعسكرية التي أفرزها الحراك؛ أنعشت الكثير من الجماعات المسلحة التي تتخذ من العنف والترهيب وسيلة رئيسية لتحقيق أهدافها، وهكذا تعرضت الكثير من دول المنطقة لعدد من العمليات “الإرهابية” في السنوات الأخيرة؛ فيما اتهمت بعضها باحتضان وتفريخ “الإرهاب”..

رغم قساوة العمليات “الإرهابية” التي تنامت خلال السنوات الأخيرة؛ فقد دفعت إلى طرح مجموعة من الأسئلة والإشكالات على أرضية النقاش (علاقة السياسي بالديني؛ ومفهوم المواطنة، ومسؤولية المعضلات الاجتماعية؛ وهشاشة المقاربة القانونية؛ ومشاكل التنشئة الاجتماعية بالمنطقة..).

رغم تداعياته الداخلية؛ لم يعد “الإرهاب” ظاهرة محلية صرفة من حيث خلفياته وانعكاساته؛ بقدر ما أصبح يشكل خطراً عابراً للحدود؛ الأمر الذي يفرض مقاربته بصورة شمولية في إطار من التعاون والتنسيق الدوليين.

يعتبر الصّراع واختلاف الآراء والثقافات أمراً طبيعياً في العلاقات بين الدول والمجتمعات؛ بل وحتى داخل المجتمع الواحد نفسه، وتقوم الديمقراطية في أحد جوانبها على تدبير الخلافات بصورة بنّاءة وسليمة بما يسمح بالتعايش والتسامح والقبول بالرأي والرأي الآخر.

فالحوار هو المدخل المناسب والأنجع للتقريب بين وجهات النظر وتلطيف الأجواء؛ ويجد الحوار أساسه في التشريعات الدينية والقوانين المحلية والدولية؛ التي تدعم التواصل بين الناس؛ وتحفّز على حلّ مختلف المشاكل والقضايا الشائكة عبر التواصل السلمي والنقاش البناء؛ بعيداً عن كل مظاهر التعصب والعنف والإقصاء..

لا يمكن للديمقراطية أن تنتعش وسط الإرهاب سواء تعلق الأمر بإرهاب الأفراد والجماعات أو إرهاب الدولة نفسها؛ فهذا الأخير هو في عمقه تنكّر لكل الضوابط والقواعد.

لقد نجحت الكثير من الأنظمة السياسية لدول المنطقة في تفريغ المشهد السياسي من أي دينامية أو معنى؛ حيث بسطت الهيمنة على مختلف القنوات والمؤسسات؛ وضيّقت الخناق على الأحزاب السياسية المعارضة ومختلف القوى والنخب السياسية والمدنية الأخرى؛ فيما لعبت الانتخابات المزورة دور إعادة إنتاج الاستبداد وتمكين نفس الوجوه من الوصول إلى مراكز القرار الحيوية وتهميش مختلف الكفاءات من نساء وشباب.

لا يمكن تبرير الإرهاب بأي مبرر؛ غير أن ترسيخ المبادئ الديمقراطية؛ هو الطريق السليم لتجاوز الإرهاب وقطع الطرق عليه؛ ذلك أن الكثير من مظاهر العنف الممارس ضد الأفراد أو الدولة هو مؤشر على فشل الكثير من المؤسسات والقنوات في حفظ الحقوق وحماية الحريات؛ والتأثير في القرارات (عدم استقلالية القضاء؛ وعدم فعالية المؤسسة التشريعية؛ وضعف الأحزاب السياسية؛ وهشاشة المشهد الإعلامي..)؛ ويمكن لتقوية أداء هذه المؤسسات؛ وتعزيز سبل المشاركة السياسية أن تلعب أدواراً مهمة في امتصاص الكثير من حالات العنف والحدّ منها.

لا شك أن الإرهاب هو أحد العوامل المحبطة لكل تحوّل ديمقراطي؛ بل إن العديد من الأنظمة السياسية في المنطقة؛ نجحت إلى حد بعيد في الترويع من تحولات الحراك؛ بعدما ربطتها بالعنف والقتل والطائفية والاستلاب الأمني.. وهو ما أسهم إلى حد كبير في كبح مساره (الحراك).

إن الحلول الناجمة عن توظيف العنف والإرهاب في تدبير الأزمات والصراعات؛ تظل مؤقتة؛ بما يجعل السبل السلمية أكثر نجاعة وفعالية في هذا الصدد.. والديمقراطية لا تقوم على إقرار الدستور وبناء المؤسسات فقط؛ بل تظل بحاجة أيضاً إلى ترسيخ ثقافة سياسية تدعمها، ولذلك يظلّ التحول الديمقراطي بحاجة ماسة إلى ترسيخ قيم الديمقراطية ممارسة وسلوكاً؛ وإلى نبذ العنف والتطرف والإرهاب باعتبارها سلوكات تتناقض مع الممارسة الديمقراطية التي تحيل إلى الاختلاف والحوار والتواصل في تدبير النزاعات والخلافات..

أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق في مراكش

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عبدو
    الإثنين 25 يناير 2016 - 13:04

    شكرا لك على هذا المقال، نعم الارهاب ينمو في غياب الديمقراطية، والجهل، وعدم الوعي اﻻجتماعي. فالديموقراطية كمعرفة لحقوق الفرد والمجتمع على الأوراق و في الأدمغة بدلا من العقول ﻻ تساوي شيء .،ولا يكون لها مفعولا إلا بروحها وممارستها في الحياة اليومية، انطلاقا من الفرد نفسه. فلا يمكن في مجتمع تسوده الفوارق الطبقية و المحسوبية ، واقتصاد الريع ، والرشوة في جميع المجاﻻت وفي جميع دواليب السلطة، أن يرقى الى مجتمع يسود فيه الأمن والسلامة ،والاتصاف بمكارم الأخلاق ، والتضامن الاجتماعي والدفاع عن الوطن وعن الكرامة…..

  • حمدون -و
    الإثنين 25 يناير 2016 - 13:43

    شتان بين لغة الفكر ولغة الدم
    فعلا الإرهاب بأنواعه المختلفة هو المهدد الحقيقي للدمقراطية

  • saccco
    الإثنين 25 يناير 2016 - 15:32

    في كل الازمنة عرفت المجتمعات الانسانية الارهاب الذي يرمي الى قتل أناس آمنين وكان هذا الارهاب تعرف دائما أصوله ومنابعه
    فالارهاب الذي مورس في عصرنا الحديث مثلا ،في الستينات والسبعينات والثمانينات كان إرهابا من طرف أقصى اليسار كالجيش الاحمر الياباني وتوباماروس وبندماينهوف وبعض المنظمات اليسارية الفليسطينية

    القول بانه "لا إرتباط للارهاب بدين او إيديولوجية محددة" هو إنكار لواقع ،فهذا الإرهاب له علاقة عضوية بإسلام بدأ ينتشر مند اربعين عاما تزامنا مع طفرة البترول وإنتشر هذا "الاسلام "واحدث هزة عميقة في مجتمعنا
    الارهاب له علاقة بقراءة الثراث قراءة إخوانية ووهابية والانكار لن يخدم المسلمين بل ان هذا الانكار يدل على المرور بمرحلة تراجيدية من تاريخ الاسلام وهي مرحلة عدم القدرة وضعف إيجاد الادوات النقدية الواجبة لمعرفة لفهم وتوضيح الثراث الاسلامي بربطه بحقيقة ظروفه التاريخية
    فالنص الديني هو نص لغوي ينتمي الى بنية ثقافية واجتماعية معينة في زمن معين يختلف كثيرا عن زمننا كما وكيفا فإهدار البعد التاريخي للنص يعني تقديس النص وتحنيطه في مرحلة معينة وعدم القدرة على ربطه بزمن حالي جد معقد

  • محمد حومالك
    الخميس 28 يناير 2016 - 18:54

    من الاسبق مكافحة الارهاب أم تحقيق الديمقراطية

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام