تأملات في الإنسان والوعي
منذ أن بدأ الإنسان يفكر في نفسه، كان السؤال الأول الذي يلاحقه هو: من أنا؟
وقد بدا هذا السؤال بسيطًا في ظاهره، لكنه في عمقه فتح واحدًا من أعقد أبواب التفكير الفلسفي. فمعظم التأملات التقليدية انطلقت من فكرة ضمنية تقول إن الذات شيء قائم داخل الإنسان، جوهر ثابت يسكنه ويمنحه هويته. لكن ربما يكمن الخطأ الأول في التفكير الفلسفي في هذا الافتراض ذاته: ماذا لو لم تكن الذات شيئًا موجودًا في الداخل أصلًا؟
نحن غالبًا ما نتخيل الذات كأنها مركز داخلي ثابت، نقطة صلبة تقف في مواجهة العالم الخارجي. غير أن التجربة الإنسانية نفسها تقترح شيئًا مختلفًا. فالإنسان لا يكتشف ذاته في العزلة المطلقة، بل في علاقته بالعالم وبالآخرين. وكلما ازداد الانقطاع عن العالم، كلما بدأ الشعور بالذات في التلاشي. السجين المعزول طويلًا، أو الإنسان الذي يعيش عزلة قسرية ممتدة، لا يصل عادة إلى وضوح أعمق مع نفسه، بل يمر غالبًا بتجربة تفتت داخلي، كأن الذات تحتاج إلى احتكاك دائم بالعالم لكي تحافظ على تماسكها.
من هنا يمكن قلب الفكرة التقليدية:
الذات ليست نقطة البداية، بل نتيجة.
هي ليست الأصل الذي يواجه العالم، بل الأثر الذي يتركه العالم داخل وعينا.
بمعنى آخر، لسنا كائنات تمتلك ذاتًا مكتملة ثم تتجه بها إلى العالم، بل نحن فضاء تتقاطع فيه التجارب والانطباعات والذكريات، ومن هذا التقاطع يتشكل ما نسميه “أنا”. إن الذات، بهذا المعنى، ليست جوهرًا ثابتًا، بل عملية تشكل مستمرة.
يتضح هذا الأمر أكثر عندما نتأمل ظاهرة الذاكرة. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن الذاكرة مجرد مخزن للأحداث الماضية، لكن الدراسات النفسية والفلسفية تشير إلى أن التذكر ليس استرجاعًا آليًا لما حدث، بل إعادة بناء متجددة للتجربة. ففي كل مرة نستعيد فيها حدثًا من الماضي، نحن في الحقيقة نعيد صياغته داخل سياقنا الحالي، فنضيف إليه ونحذف منه دون أن نشعر. وهكذا تتحول الذات إلى نوع من السرد المستمر، قصة يعيد العقل كتابتها بلا توقف.
إذا كانت الذات قصة، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: من هو الراوي؟
هنا تظهر واحدة من أعمق مفارقات الوعي. فعندما نحاول الإمساك بالذات التي تروي هذه القصة، نجد أنها تتراجع دائمًا خطوة إلى الخلف. كلما قلنا: “هذا أنا”، يظهر داخلنا وعي آخر يراقب هذا القول. وكأن الوعي مرآة تنعكس داخل مرآة أخرى بلا نهاية.
لهذا ربما تكون الذات، في حقيقتها، غير قابلة للإمساك الكامل. إنها ليست موضوعًا يمكن وضعه أمامنا للفحص، بل الشرط الذي يجعل الفحص ممكنًا أصلًا. إنها أقرب إلى نافذة منها إلى شيء منظور؛ فالنافذة ليست ما نراه، لكنها ما يسمح لنا بالرؤية.
إذا صح هذا التصور، فإن الإنسان لا يكون كائنًا يملك ذاتًا بقدر ما يكون كائنًا يحدث فيه الوعي. فالوجود لا يقف خارجنا لنفكر فيه، بل يمر عبرنا باستمرار، وما نسميه “الذات” ليس إلا الأثر الذي يتركه هذا المرور في تجربتنا الداخلية.
من هذه الزاوية قد يتغير السؤال الفلسفي جذريًا. فبدل أن نسأل: كيف يفكر الإنسان في الوجود؟ قد يصبح السؤال الأعمق هو: هل الوجود نفسه يجد في الإنسان وسيلة للتفكير في ذاته؟
إذا كان الأمر كذلك، فإن الإنسان لا يكون مركز الكون كما تخيلت بعض الفلسفات الحديثة، بل يصبح ممرًا مؤقتًا تعبر فيه التجربة الكونية لتصبح واعية بذاتها. نحن لسنا مالكي الوجود، بل لحظة عابرة يظهر فيها الوجود في صورة وعي.
ربما لهذا السبب يشعر الإنسان أحيانًا بتلك الغرابة الهادئة التي ترافق التفكير العميق: إحساس خفي بأنه أكبر من حياته اليومية المحدودة، وفي الوقت نفسه أصغر بكثير من الكون اللامتناهي الذي يحتضنه.
في تلك المسافة الدقيقة بين الصغير واللامتناهي، بين الذات والعالم، بين الوعي والوجود، تولد الفلسفة… ويبدأ السؤال من جديد.
“Trying to define yourself is like trying to bite your own teeth”
“محاولة تعريف نفسك تشبه محاولة عض أسنانك بنفسك.”
(تتفق هذه المقولة مع فكرة المقال بأن الذات “تتراجع خطوة للخلف” كلما حاولنا الإمساك بها).
(Alan Watts)
(1915-1973)
(فيلسوف بريطاني اشتهر بتفسير الفلسفات الشرقية للغرب، وركز على “وحدة الذات والعالم”.)
أستاذ محمد،
لقد أصبت كبد الحقيقة حين جعلت من “الأنا” أثراً لا أصلاً، وحين وصفت الوعي بتلك المرآة التي تنعكس في مرآة أخرى لتخلق المتاهة الجميلة. أضيف إلى رؤيتك أن هذا “التفتت” الذي يصيب السجين ليس ضياعاً للجوهر، بل هو دليل على أن كياننا “تفاعلي” بامتياز، لا يقتات إلا على ضجيج الآخرين وتفاصيل العالم. إن كوننا “ممرات” للوعي لا يقلل من شأننا، بل يجعلنا نبض الكون الذي يدرك نفسه من خلال عيوننا، وكأننا الأداة التي قرر بها العمى الكوني أن يبصر أخيراً. نحن القصص التي تُحكى لا الرواة الذين يملكون القلم، وفي هذا التواضع تكمن قمة الحرية الفلسفية.
“نحن لسنا غُزاة الوجود، بل نحن الفتح الذي يهبه الوجود لنفسه حين يمرّ عبرنا”.
ALHOCEIMA