السينما .. ترفيه أم صناعة؟

السينما .. ترفيه أم صناعة؟
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 14:05

غالبا ما ينظر إلى السينما باعتبارها وسيلة للترفيه أو مجالا للتعبير الفني والثقافي، غير أن هذه النظرة، على أهميتها، لا تعكس حقيقة التحولات التي عرفها القطاع السينمائي عالميا. فالسينما اليوم صناعة متكاملة، تقوم على الاستثمار والإنتاج والتوزيع والاستغلال والتسويق، وتخلق فرص الشغل، وتجذب رؤوس الأموال، وتدعم السياحة، وتسهم في إشعاع الدول وتعزيز حضورها الثقافي والاقتصادي.

وفي المغرب، تتوفر الصناعة السينمائية على مقومات حقيقية تؤهلها لتكون رافعة من روافع التنمية. فتنوع المواقع الطبيعية، وغنى التراث المعماري والثقافي، وجودة الكفاءات التقنية والفنية، وتراكم الخبرة في استقبال الإنتاجات الأجنبية، إلى جانب وجود استوديوهات للتصوير وخدمات متخصصة في مرحلة ما بعد الإنتاج، كلها عناصر منحت المملكة مكانة متميزة على خريطة التصوير السينمائي الدولي.

السينما سلسلة اقتصادية متكاملة

لا يقتصر إنتاج الفيلم على المخرج والممثلين، بل يحرك منظومة واسعة من المهن والأنشطة. فكل مشروع سينمائي يحتاج إلى كتاب سيناريو، وتقنيي الصورة والصوت والإضاءة، ومصممي الديكور والأزياء، ومتخصصي المؤثرات البصرية والتحريك والمونتاج والموسيقى، إضافة إلى خدمات النقل والإقامة والتغذية والحراسة والتأمين والاتصال.

وبذلك، فإن الاستثمار في فيلم واحد ينعكس على عدد كبير من المقاولات والمهن المباشرة وغير المباشرة. كما أن تصوير إنتاجات وطنية أو أجنبية في مدينة أو جهة معينة يخلق حركة اقتصادية محلية، تستفيد منها الفنادق والمطاعم وشركات النقل والحرفيون والتجار ومقدمو الخدمات.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي تقييم السينما فقط بعدد التذاكر المباعة أو بحجم إيرادات القاعات، بل كذلك بما تولده من قيمة مضافة، وما تستقطبه من استثمارات، وما تتيحه من فرص عمل، وما تحدثه من دينامية داخل المجالات الترابية.

استثمار في الشباب والكفاءات

تكتسي الصناعة السينمائية أهمية خاصة بالنسبة إلى الشباب، لأنها توفر مجالا واسعا للمهن الإبداعية والتقنية الجديدة. فالتحولات الرقمية أفرزت تخصصات مرتبطة بالتحريك، والمؤثرات البصرية، وتصميم الصوت، والتصوير الرقمي، وإدارة المنصات، وصناعة المحتوى، وهي مجالات قادرة على استيعاب كفاءات متنوعة وخلق فرص مهنية ذات قيمة مضافة مرتفعة.

غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى وظائف مستدامة يقتضي ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، وتعزيز الشراكة بين مؤسسات التعليم والتكوين والمهنيين، وتشجيع التكوين التطبيقي داخل مواقع التصوير والاستوديوهات ومختبرات ما بعد الإنتاج. فالرأسمال الحقيقي للصناعة السينمائية لا يتمثل فقط في التجهيزات، وإنما أساسا في الكفاءات القادرة على تشغيلها وتطويرها والمنافسة بها دوليا.

رافعة للاستثمار المجالي والسياحة

يمتد الأثر الاقتصادي للسينما إلى السياحة والتسويق الترابي. فالفيلم لا يقدم قصة فقط، بل يعرض المدن والمناظر الطبيعية والمعالم التاريخية وأنماط العيش أمام جمهور واسع. وقد تتحول مواقع التصوير إلى وجهات سياحية، كما يمكن للأعمال الناجحة أن تصنع صورة جذابة عن البلد وتدعم حضوره في الأسواق الدولية.

ويمتلك المغرب في هذا المجال رصيدا كبيرا، من الصحراء والجبال إلى المدن العتيقة والسواحل والقرى، فضلا عن بنياته السينمائية وتجربته الطويلة في احتضان الإنتاجات الدولية. لذلك، فإن تطوير الصناعة السينمائية يمكن أن يشكل مدخلا لتنشيط الاستثمار الجهوي، وإحداث أقطاب متخصصة، وتوزيع المشاريع على مختلف مناطق المملكة بدل تركيزها في مدن محدودة.

الدعم العمومي استثمار في القيمة المضافة

لا ينبغي التعامل مع الدعم العمومي الموجه إلى السينما باعتباره مجرد تمويل لعمل فني، بل بوصفه استثمارا في منظومة اقتصادية وثقافية متكاملة. فالدعم الجيد يمكن أن يساهم في استدامة شركات الإنتاج، وتطوير جودة الأعمال، وتشغيل الكفاءات، وتشجيع الإبداع، وضمان حضور الفيلم المغربي وطنيا ودوليا.

غير أن رفع الأثر الاقتصادي للدعم يقتضي ربطه بمؤشرات واضحة، من بينها عدد فرص الشغل المحدثة، وحجم الإنفاق داخل المغرب، ومستوى إشراك الكفاءات الوطنية، وحضور المرأة والشباب، وتوزيع المشاريع جهويا، وقدرة الأعمال المدعمة على الوصول إلى الجمهور والأسواق والمهرجانات.

كما أن دعم الصناعة لا ينبغي أن ينحصر في مرحلة الإنتاج، بل يتعين أن يشمل الكتابة والتطوير والتوزيع والاستغلال والترويج والرقمنة والتحريك وخدمات ما بعد الإنتاج، مع تطوير آليات المواكبة المهنية والمالية للمقاولات العاملة في القطاع.

نحو سوق سينمائية وطنية قوية

لا يمكن بناء صناعة سينمائية مستدامة دون جمهور وسوق وطنية قادرة على استيعاب الإنتاج. ولذلك، يشكل تطوير شبكة القاعات السينمائية، ولا سيما في المدن المتوسطة والصغرى، شرطا أساسيا لتوسيع قاعدة المشاهدة وتحسين مداخيل الأفلام.

كما يتطلب الأمر تعزيز توزيع الفيلم المغربي، وتشجيع العروض المتنقلة والمبادرات الثقافية المحلية، وتطوير علاقة متوازنة مع القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية، وحماية الملكية الفكرية، والتصدي للقرصنة، وتحسين تسويق الأعمال وطنيا ودوليا.

وتؤدي المهرجانات السينمائية بدورها وظيفة تتجاوز الاحتفال بالأفلام، إذ يمكن أن تتحول إلى فضاءات للترويج والتكوين وعقد الشراكات واستقطاب المستثمرين وبيع الحقوق وربط المنتجين المغاربة بالأسواق الدولية. ومن ثم، فإن تطوير المهرجانات يقتضي تعزيز بعدها المهني والاقتصادي إلى جانب رسالتها الفنية والثقافية.

المغرب منصة سينمائية إقليمية ودولية

يمتلك المغرب فرصة حقيقية لتعزيز موقعه منصة إقليمية للإنتاج السينمائي والسمعي البصري. ويتطلب ذلك توفير مناخ استثماري أكثر تنافسية، وتبسيط المساطر، وتقوية التنسيق بين الإدارات والمؤسسات الترابية، وتحفيز الإنتاجات الأجنبية على رفع إنفاقها داخل المملكة، مع ضمان استفادة المقاولات والكفاءات الوطنية من هذه المشاريع.

كما يمكن للمغرب أن يؤدي دورا محوريا في تطوير التعاون السينمائي الإفريقي، من خلال تشجيع الإنتاج المشترك، وتبادل الخبرات، وتكوين التقنيين، وتسهيل تصوير الأعمال وتوزيعها، بما يساهم في بناء صناعة سينمائية إفريقية قادرة على إنتاج صورها وسرد قصصها والوصول بها إلى العالم.

من منطق الترفيه إلى منطق الصناعة

السؤال، إذن، ليس ما إذا كانت السينما ترفيها أم صناعة، لأنها تجمع بين الوظيفتين. فهي فن وثقافة ومتعة، لكنها أيضا استثمار وتشغيل وتكنولوجيا وتسويق وترسيخ لصورة الدولة. والتحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من التعامل معها بوصفها نشاطا موسميا إلى إدماجها ضمن السياسات العمومية للتنمية والاستثمار والتشغيل والسياحة والصناعات الثقافية والإبداعية.

إن دعم السينما المغربية هو دعم للمقاولة الوطنية، واستثمار في الشباب، وتنمية للجهات، وتعزيز لجاذبية المملكة وإشعاعها. وكل درهم يستثمر بفعالية في هذه الصناعة قادر على تحريك سلسلة واسعة من الأنشطة والخدمات، وإنتاج قيمة اقتصادية ورمزية تتجاوز حدود الشاشة.

لهذا، فإن مستقبل السينما المغربية يرتبط بقدرتنا على الإيمان بها باعتبارها صناعة منتجة، وصياغة سياسات طموحة تمنحها شروط النمو والاستدامة والمنافسة. فالسينما لا تروي قصص المجتمع فقط، بل يمكنها أيضا أن تساهم في صنع مستقبله الاقتصادي والثقافي.

-رئيس الغرفة المغربية لمنتجي الأفلام

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 7

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 9

أزمة الكراء في سلا

صوت وصورة
مدرسة عتيقة بحلة جديدة
الأحد 27 شتنبر 2026 - 10:27 4

مدرسة عتيقة بحلة جديدة

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 8

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 7

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي