مساء الأربعاء 16 شتنبر 2026، وعلى هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، جمع لقاء ثلاثي وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي غدعون ساعر وبمندوب الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وخرج اللقاء بإعلان رفع مكتبي الاتصال إلى مستوى السفارات وتعيين سفيرين، وتوسيع الرحلات الجوية، واستكمال اتفاقيتي حماية الاستثمار ومنع الازدواج الضريبي قبل نهاية 2026.
صدر الإعلان عن وزارة الخارجية الإسرائيلية، في الذكرى السادسة للاتفاقيات الإبراهيمية، وتناقلته رويترز وفرانس برس وفرانس24 والصحافة المغربية والدولية.
ولم يصدر عن الرباط، إلى حدود كتابة هذه السطور، بلاغ يؤكد أو ينفي. وتقرأ هذه التدوينة الواقعة في حركتين: الضغط كما يَرِد من الخارج، ثم كيف يُستقبَل في الداخل.
الحركة الأولى: توافد القراريات الخارجية
الخبر من الخارج مرة أخرى
ليست هذه المرة الأولى في شهر واحد: قبل أسبوعين علم المغاربة بوجود تحقيق في أحداث الفنيدق من منبر البرلمان الإسباني، واليوم يعلمون بترقية التمثيل الدبلوماسي من بلاغ وزارة خارجية أجنبية. وليست الملاحظة بروتوكولية: مَن يُعلَم أولا ليس تفصيلا في التواصل، بل مؤشر على توزيع المِلكية الرمزية للحدث. وحين يتكرر أن يكون الداخل آخر العالمين، تصير الواقعة قاعدة لا صدفة.
قرارية داخل قرارية
وهنا يلزم توسيع ما قلناه في حلقات سابقة. كنا نعاين صاحب القرار وهو يختار زمان الجواب ومكانه ومخاطَبه؛ والواقعة الأخيرة تطرح سؤالا أدق: هل اختار الزمان، أم اختاره داخل نافذة فتحها غيره؟ فالذكرى السادسة للاتفاقيات الإبراهيمية ليست تقويمه، والانتخابات الأمريكية والإسرائيلية ليستا ساعته، والمكان نيويورك بدعوة من مندوب واشنطن. ما يملكه هو الاختيار داخل النافذة؛ وما لا يملكه هو فتحها وإغلاقها. إنها قرارية من الدرجة الثانية: حقيقية، لكنها مشتقة. وللمفهوم أصل في متن شميت بعد 1936: نظرية المجال الكبير ثم «قانون الأرض» (1950)، وخلاصتها أن النظام الدولي مجالات تحدد فيها قوة موجهة الإطارَ، وتحتفظ الدول داخلها بسيادة شكلية كاملة مع قرار يجري ضمن حدود لم تضعها.
ولجعل هذا التراتب قابلا للاختبار، ثلاثة معايير: من يملك تسمية الوضع، فالإطار المفاهيمي كله صناعة واشنطن؛ ومن يملك حق الإعلان، وقد رأيناه؛ ثم أقواها، تفاوت قابلية الرجوع — فاعتراف واشنطن بمغربية الصحراء قرار تنفيذي تراجعه إدارة لاحقة بجرة قلم، أما التطبيع فمسار مؤسسي تراكمي يصعب فكه. ويبقى الاعتراض الواجب الإقرار به: للرباط سوابق في القرار المستقل، وقد أجلت هذه الترقية ست سنوات رغم الإلحاح، والتأجيل نفسه قرار. فالتراتب لا يعني الغياب؛ والصيغة الدقيقة أنها تملك قرارية التوقيت لا قرارية الإطار.
مجالان في الضفة الدولية
ولا يكتمل الرسم دون الضفة الأوروبية. في مطلع شتنبر حل رئيس سبتة خوان بيباس ببروكسل طالبا إجراءات ضد المغرب، فعاد بلا التزام بأي عقوبة ومعه غلاف مالي للمدينة بلغ 115 مليون أورو، فيما تواصل المفوضية معاملة المغرب شريكا في ملف الهجرة. ثم انتقل الملف إلى المسار البرلماني: مناقشة يوم 16 شتنبر وتصويت على قرار يوم 18، سبقتهما رسالة من بعثة المغرب لدى الاتحاد إلى نواب أوروبيين إسبان يوم 14. والملاحظة التي لا ينبغي أن تمر: اجتماع نيويورك انعقد يوم 16 نفسه، أي يوم مناقشة سبتة في بروكسل. لا نزعم أن أحد الحدثين سبب الآخر؛ لكن تكرار النمط — جواب في ليلة المولد بعد الصمت، وإعلان من مدريد لا من الرباط، والآن إعلان من نيويورك يوم المناقشة الأوروبية — يجعل فرضية الصدفة أضعف الفرضيات وأثقلها على من يدافع عنها.
غير أن الصورة الأدق ليست ثلاث قراريات متنازعة، بل مجالين مختلفين في الطبيعة. فالرافعة الأوروبية قضائية-تشريعية: حكم محكمة العدل الأوروبية في أكتوبر 2024، وقرارات البرلمان، ومساطر تعديل بروتوكولات الشراكة — بطيئة، تراكمية، عصية على السحب. والرافعة الأمريكية-الإسرائيلية تنفيذية: اعتراف بمرسوم، وصفقة في اجتماع ثلاثي — سريعة، قابلة للسحب. فالمغرب بين مجال يُلزمه بالقانون ومجال يُغريه بالقرار؛ ومن يختار الثاني يشتري سرعة بثمن قابلية الرجوع. والتقاويم الثلاثة تلخص الموقف: تصويت أوروبي يوم 18 شتنبر، واقتراع مغربي يوم 23، وجلسة لمجلس الأمن حول الصحراء نهاية أكتوبر — ثلاثة مواعيد لا يملك المغرب أن يحدد أيا منها.
الحركة الثانية: الاستقبال المغربي بين الشارع والدولة
الزمن الانتخابي مقلوبا
لاحظنا في حلقات سابقة كيف يبتلع الزمنُ الانتخابي الملفاتِ الاستراتيجية. وهنا تنقلب الملاحظة: القرار اتُّخذ في قلب الحملة الانتخابية المغربية — انطلقت في 10 شتنبر والاقتراع يوم 23 بمقتضى المرسوم 2.26.190 — ولم يدخل الحملة أصلا. لم يُعلن قبلها ولم يؤجَّل إلى ما بعدها. وأوضح من ذلك أن القرار مرّ من سلطة تنفيذية إلى سلطة تنفيذية إلى سلطة تنفيذية، ولم يمر بأي من البرلمانات الثلاثة: الكونغرس الأمريكي خارج الصفقة، والكنيست خارجها، والبرلمان المغربي في عطلته الانتخابية. فلسنا أمام دولة قرارية واحدة، بل أمام شبكة قرارية عابرة للحدود تتصل فيها الأجهزة التنفيذية بعضها ببعض — وبهذا يرتفع نموذج الدولة الإدارية القرارية من الحالة الوطنية إلى نمط في النظام الدولي.
الشارع والتمثيل: سابقة 2020
وقد يُقال إن هذا الصنف من القرار يقع في المجال المحفوظ فلا يمر بالوساطة الحزبية أصلا. غير أن سابقة 2020 تمنع إغلاق النقاش عند هذا الحد: فالإعلان الثلاثي في 22 دجنبر 2020 وُقّع بالقصر الملكي بالرباط، بحضور الملك، ووقّعه عن المغرب رئيس الحكومة آنذاك سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب ذي مرجعية إسلامية تقوم قاعدته على رفض التطبيع. أي أن المؤسسة التمثيلية لم تُتجاوَز في تلك اللحظة المؤسِّسة؛ بل استُدعيت إلى الوثيقة ووُضع توقيعها فيها.
وهنا موضع السؤال الحقيقي. فالقناة لم تكن غائبة، بل اشتغلت في اتجاه واحد: نزل القرار إليها فصادقت عليه، ولم يصعد إليها ما يقوله الجمهور الذي انتخبها. ثم جاء الجزاء في صناديق شتنبر 2021 حين هوى الحزب نفسه من 125 مقعدا إلى 13 — ولأسباب متعددة لا يُختزل فيها هذا الملف وحده، لكنه كان في صدارتها. وهو جزاء لاحق لا يرجع في شيء مما وُقّع. فالمعادلة إذن ليست مؤسسة تمثيلية مقصاة، بل مؤسسة حاضرة بصفة المصادق لا بصفة الممثل، يدفع فاعلوها كلفة انتخابية بعد وقوع الفعل، من غير أن تملك المراجعة. وهذا، لا غياب الوسيط، هو ما يستحق أن يُدرس في العلاقة بين الشارع والقرار.
منظومة الرفض: أربعة أعمدة
ولا يستقيم تحليل الاستقبال الداخلي دون عرض حجج الرافضين في أقوى صورها، لا في أضعفها. فهي ليست انفعالا عابرا بل منظومة حجاج ذات أربعة أعمدة. أولها أخلاقي-إنساني: يجري التطبيع وحرب غزة مستمرة بما رافقها من قتل وتهجير وتدمير، والملف معروض أمام محكمة العدل الدولية في دعوى إبادة. وثانيها قانوني: الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليوز 2024 خلص إلى عدم مشروعية استمرار الاحتلال وإلى بطلان ضم الأراضي بالقوة، وهو المبدأ ذاته الذي يستند إليه المغرب في ملفاته الترابية — فالحجة هنا مبدئية لا انتقائية.
وثالثها سيادي: التجربة العملية، ومنها ما كشفته قضية التجسس ببرنامج بيغاسوس سنة 2021، تُظهر أن الشراكة مع هذا الطرف لا تحمل ضمانة، وقد حذر كثيرون من أن الذاهبين إلى التطبيع لا يجنون من طرف لا عهد له إلا الخراب .
ورابعها تاريخي-وطني، وهو الأعمق في الوجدان المغربي: القدس والمسجد الأقصى حاضران في الذاكرة الدينية المغربية منذ قرون، ولمغاربة القدس فيها حارة تحمل اسمهم هُدمت سنة 1967. ومن هذا الرصيد التاريخي، لا من الأيديولوجيا، خرجت المسيرات والوقفات التي تكررت ست سنوات بشعار «فلسطين أمانة والتطبيع خيانة».
والملاحظة التحليلية التي تعنينا: هذه حجج ذات بنية قانونية وتاريخية قابلة للنقاش العمومي، لا مجرد عاطفة تُدار كلفتها الرمزية. وحين يُستقبَل خطاب بهذه البنية بوصفه معطى لا بوصفه حجة، فإن ما يُؤجَّل ليس التعبير بل النقاش نفسه.
ويلزم بعد زمني: ما يسميه علم السياسة أثر المسار، إذ يتحول الخيار الظرفي مع الزمن إلى محدد بنيوي. وبه تتسع فكرة قابلية الرجوع: فما يصعب استرجاعه ليس السفارات والاتفاقيات فحسب، بل هامش القرار نفسه.
خريطة الصراع: تمثيليتان وثلاث قراريات
ولنجمع الخيوط في خريطة واحدة. على جهة التمثيل كفتان تتنازعان الصفة نفسها: تمثيلٌ مؤسسي داخل البرلمان والأحزاب، حاضر بصفته الشكلية وغائب عن هذا الصنف من الملفات فيُستدعى للمصادقة لا للتقرير؛ وتمثيلٌ اجتماعي في الشارع، يملك الحجة والعدد ولا يملك موقعا في نظام القرار. والصراع بينهما ليس صراع مشروعيتين متكافئتين، بل صراع على نفس المورد النادر: صفة الناطق باسم ما يريده المغاربة.
وعلى جهة القرار ثلاث دوائر لا واحدة. دائرة وطنية تملك التوقيت والتقدير وتحتفظ بحق التأجيل، وقد استعملته ست سنوات. ودائرة إقليمية تحدد السعر الرمزي للخطوة: تنافسٌ مغاربي دائم يجعل كل حركة نحو واشنطن حركةً في ميزان الجوار، وسوابقُ خليجية صنعت القالب الذي يُدرَج فيه المغرب، ومقامات جامعة كلجنة القدس ترفع كلفة ما يُقدَم عليه. ودائرة دولية تملك الإطار نفسه، منقسمة إلى مجالين: مجال تنفيذي يمنح بسرعة ويسحب بسرعة، ومجال قضائي-تشريعي يُلزم ببطء ولا يُسحب.
والخلاصة التي تعنينا نظريا: التمثيل في هذا الملف وطني النطاق، والقرار عابر للنطاقات؛ ومن هذا التفاوت في المقاييس — لا من سوء نية فاعل بعينه — تنشأ الفجوة التي ترصدها هذه التدوينة. فمن يُحاسَب محليا لا يقرر، ومن يقرر لا يخضع لمحاسبة محلية.
وماذا يقول الطرف الآخر؟
والأمانة تقتضي عرض الحجة المقابلة: الخطوة ليست جديدة في جوهرها، فالعلاقات قائمة منذ دجنبر 2020 والمكتبان يشتغلان منذ ست سنوات، وما جرى تحيين لواقع لا إنشاء له. وللسياسة الخارجية منطقها: مجلس الأمن على موعد بجلسة حاسمة نهاية أكتوبر، والأزمة مع مدريد مفتوحة منذ يوليوز، فالتوقيت في هذه القراءة إدارة لموازين لا تنازل. وتدبير العلاقات الخارجية اختصاص سيادي في كل الدساتير، لا يُستفتى عليه. حجج تستحق أن تُناقش؛ غير أنها لا تجيب عن سؤال هذه التدوينة: ليس من يملك أن يقرر، بل ماذا يبقى من معنى التمثيل حين تُستدعى المؤسسة المنتخبة للتوقيع على ما يرفضه ناخبوها، ثم تُحاسَب عليه بعد فوات الأوان.
خاتمة
يكتمل بهذه الحلقة رسمٌ بدأناه في غشت، ويُصحَّح في آن: صاحب القرار يختار زمان الجواب ومكانه ومخاطَبه وأداته، لكنه يختار داخل مجال لم يرسم حدوده.
ولأختم بما ينبغي أن يُقال صريحا: هذا التحليل يصدر عن رفض لاحتلالين لا لواحد. رفضٌ للوجود الإسباني في سبتة ومليلية والجزر، ورفضٌ للاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية — والمبدأ واحد في الحالتين: بطلان ضم الأرض بالقوة، وهو ما أكده الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليوز 2024. ومن هنا يستمد الموقف اتساقه: مَن يحتج بعدم مشروعية الاحتلال في ثغوره لا يملك أن يسكت عنه في أرض غيره؛ فالمبدأ إذا تجزأ بطل، والانتقائية في القانون الدولي أول ما يُطعن به على أصحاب الحقوق.
وتترتب على ذلك نتيجة تخص الداخل لا الخارج. فإذا كانت الفجوة التي رصدناها ناشئة عن تفاوت المقاييس — تمثيلٌ وطني النطاق وقرارٌ عابر للنطاقات — فإن علاجها لا يكون بمزيد من الانكشاف على الخارج، بل بتقوية الجبهة الداخلية: نقاشٌ عمومي لا يُؤجَّل، وقناةٌ صاعدة لا نازلة فحسب، ووضوحٌ في المبادئ يغني عن الشرح المتأخر. فالدولة التي يقف مجتمعها خلف مبادئها تفاوض بظهر أقوى، والتي يُفاجأ مجتمعها بقراراتها تفاوض وهي تحرس ظهرها.
ويقودنا هذا إلى المسألة الأخيرة: موقع القطب الرمزي والسيادي. فالمؤسسة الملكية في المغرب ليست جهازا في الدولة فحسب؛ إنها حاملة الذاكرة الجمعية التي تنتظم حولها الجماعة — البيعة، وإمارة المؤمنين، ورعاية القدس، والوحدة الترابية. وقوة هذا الموقع لا تأتيه من انفصاله عما يجري تحته، بل من انسجام ما يُقرَّر فيه مع ما تحمله ذاكرة الناس.
ومن هذا الباب يُفهم الالتفاف حول القطب السيادي: لا بوصفه إسكاتا للنقاش، بل بوصفه شرط فعاليته — مقامٌ يستمد متانته من كونه معبرا عما في الوجدان، ومجتمعٌ يجد فيه ترجمة ما يقوله في الشارع.
ويبقى السؤال الذي تعيده هذه السلسلة في كل حلقة: من يقرر؟ ثم السؤال الذي يليه: وداخل أي مجال؟
وأما الجواب الذي أرجحه، فبقدر ما هو تحليلي هو موقف: المجال الخارجي لا يُضيَّق بالمكابرة عليه، بل باتساع المجال الداخلي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.