الشمس تُشرق من الشاوية

الشمس تُشرق من الشاوية
الجمعة 9 أبريل 2021 - 15:35

إلى روح صديقي المهدي قنفوح

قال لي: أشعر بحزن غريب أنني لم أعايش أولئك الرجال الذين تبحث عن تاريخهم المدهش.

قلتُ له: لا تحزن يا صديقي، فنحن نحيا يوما واحدا مستمرا. ذاكرتنا خزّان لنص حياتنا الحقيقية.

يوم السبت ثالث أبريل، نهضتُ باكرا وتوجهتُ رفقة اثنين من أصدقائي نحو قبيلة المذاكرة ثم أولاد آمْحمّد بامزاب في زيارة ميدانية للقاء بعض حفدة رجال صنعوا ملحمة من أجمل الملاحم المغربية في الشهامة والبطولة والتضحية والقيم العليا… بداخلهم أرواح مشتعلة كأنها قطعة من الشمس التي تشرق في الظلمات وفي النهارات.

وصلنا صباحا مدينة الڭـارة برفقة صديقيَّ عبد الحق ولمعاشي فوجدنا في استقبالنا سعيد خومان، رفيق كل الباحثين في تاريخ المذاكرة، ثم انتقلنا إلى مليلة بالمذاكرة حيث كان اجتماعنا مع حفدة الأحمر بن منصور ومسعود ولد ارحيمو وأصدقاء آخرين ممن بحثوا في الروايات الشفوية للتاريخ المحلي، كما حضر معنا السيد محمد العدناني، أحد قدماء شيوخ الرمى، رفيق الشيخ البشير، الذي يؤدي، باقتدار، الأغاني المحلية التي تؤرخ للرجال والنساء والبطولات والأحداث الصغرى والكبرى.

لمدة ست ساعات متواصلة كان الحديث غير منقطع من روايات شفوية يحملها الحفدة في صدورهم كأنها سرّ من أسرار الحياة الممتلئة بالأمل الذي لا تهزمه الأزمنة، شعرتُ خلالها بأنني كنت مع الأحمر ومسعود وبوشعيب بن الغزواني ومحمد ولد المكناسي وولد الساحقة وبوعزة بن السرحاني والفقيه بوعزة بن الشرقي ومحمد ولد بوعبيد وولد العبّاز وبوعزة بن عامر والعشرات من الأبطال الذين يوجدون الآن في السماء طاهرين.

أود أن أشكر الحاج محمد والميلودي بوراس، حفيديْ مسعود ولد رحيمو والسيد أحمد ذاكرة هذه السلالة، وأشكر حفدة الأحمر بنمنصور ممن أسعفتهم ظروفهم للحضور: عبد اللطيف وإبراهيم وعبد الهادي أبناء المكاوي بن بن الجيلالي بن الأحمر بنمنصور، وباقي الحاضرين من سلالة هذه الشجرة الوارفة، كما أشكر علي فقير وسعيد الزويري وعواش فوزية ويوسف الريس والأستاذ سي مصطفى ريحان وكل الذين يعملون معنا من أجل نفض الغبار عن ذاكرتنا الجماعية وتاريخنا المتنور. ذلك أننا ومنذ سنتين نتهيأ لعقد ندوات جديدة في هذا الاتجاه وقد تأجلت السنة الماضية بسبب الوباء، ونستعد هذه السنة لاستئناف عملنا مع باحثين من مجموع المغرب ومن كل التخصصات ومع كل المهتمين من المنطقة.

افتتحنا الحديث عن البشير، جد الأحمر بنمنصور، الذي كان كثير الذكر والتسبيح، مشهورا بالشجاعة ومساعدة الفقراء وإغاثة المظلومين في المذاكرة أو في أولاد لحسن المناصرة بالغرب، وهناك أهدوه زوجته عربية التي ستخلف له منصور. حج معها ومع عدد من الأولياء الموجودين اليوم بالمنطقة. ويُروى مرة كان مُعزّبا ببهائمه في وادي بوعسيلة فاستحرم به سبعة من الشباب جاؤوا فارّين من بطش عبد السلام برشيد بأولاد حريز. ولما قدِمَ مخازنية القائد برشيد وسألوه عنهم أنكر وجودهم، ثم توجهوا عند صديق له من الزكارنة الذي غدر به فاستعادوا السبعة وقطعوا رؤوسهم واعتقلوا البشير بحيلة وحوكم بثلاثين سنة قضى منها إحدى عشر سنة.

أما ابنه منصور فسيتزوج ويُرزق بابن في حوالي سنة 1864 وسيسميه محمد، لكنه سيشتهر بالأحمر، كنية على لونه الذي تشوبه حُمرة خفيفة.

تربى وترعرع بدوار المحَرْڭـة /أحلاف صبيا يتعلم القرآن الكريم في الصباح وفنون ركوب الخيل والحرب في السهل والغابة، كما تعلم الفلاحة والتجارة وكان صدوقا أمينا، محبا للأمانة.

منذ فترة مبكرة من حياته كان صديقا حميما لمسعود ولد رحيمو وعدد من أصدقائه الذين كانوا يقضون المساء في التداريب كما لو أنهم يتهيؤون لحروب قدرية، وفي شبابه سافر كثيرا إلى قبائل الشاوية والدار البيضاء ومراكش، وله أصدقاء هناك.

كان الأحمر بنمصور بقامة متوسطة، صموتا لا يتكلم كثيرا ولكنه حينما يغضب يتحول صوته إلى رعد يسمعه البعيدون، لذلك، ومنذ طفولته عُرف قائدا لرفاقه زعيما وحكيما، كلمته مسموعة، له مقدرة على كسب أصدقاء جدد كانوا يطمئنّون إلى جواره. وهو شاب أصبح مالكا لنزالة باسمه هي قصبة بمطاميرها الكثيرة وعين الماء الصافية، يسكنها رفقة أهله وكانت مَحجا للفقراء.

تزوج رقية بنت العربي بنت بوعزة وخديجة بنت المكناسي، وجوهرة، والحمداوية واليسيفية، والفاسية والشبانية والرباطية والزبيرية، لكن زواجه من ابنة عمه الكردة يذكرونه بكثير من الإعجاب لما كان من حب بينهما، وهي التي ستُخلف له الحسن والجيلالي، هذا الأخير الذي سيتزوج ويخلف عددا من الأبناء والبنات، من بينهم المكاوي الذي ازداد أثناء الطواف بمكة (وهو والد الحفدة عبد اللطيف وإبراهيم وعبد الهادي ممن استقبلونا في هذا اللقاء).

في هذا اللقاء توفّرت لنا مجموعة معلومات جديدة عن هذا البطل المغربي سأضيفها إلى ما كنتُ كتبته حوله من قبل حتى تكتمل صورة رجل من زماننا.

صورة الأحمر لا تكتمل إلا بصور أصدقائه الذين دار حولهم حديثنا، أذكر منهم:

مسعود ولد رحيمو الذي تربى، بعد وفاة والده وهو صغير، في كنف جده محمد بن الحاج بدوار الشوادلة المشهور بالمحَرْڭـة والذي سيسمى لاحقا بأحلاف، ويحتمل أن تكون ولادته في سنة 1860 وقد ترعرع على البطولة والشجاعة، فأجاد ركوب الخيل بلا سرج أو لجام كما كان مدهشا في ملاعبة البندقية والدقة في الإصابة بها بشكل غريب، في الرأس تحديدا، وله حكايات كثيرة ما زالت تُروى على الألسنة.

كما كانت القبائل تحترم المذاكرة وتُوقّرها لأن بها الأحمر بنمنصور ومسعود، الرجل الذي لا يرحم وسريع الغضب، لكن قلبه مال في قصة حب لا تتكرر، حينما سمعت به زهرة بنت بوعزة الشرقي، بعدما مات زوجها وتركها صغيرة مع ابنين منها، سمعت والدها يتحدث عن شجاعة مسعود كأنه واحد من أبطال السير الشعبية أو ألف ليلة وليلة، فخطبته لنفسها وأحبها حبا عظيما وخلف منها صالح وحمادي والميلودية والزوهرة والصالحة.

وكانت لمسعود غرائب لأنه رجل نزع الخوف من قلبه إلى أن غدر به الغادرون فأصابوه في مقتل بعدما اختفى القاتل لأيام فوق شجرة بلوط يتربص به قرب ولجة الفرنان. ويوم موته كأن القيامة قامت، وحزن صديقه الأعز الأحمر بنمنصور الذي أحس كأن موته قص جناحه، فاقترح على محمد ولد المكناسي أن يكون إلى جانبه في حماية الأرض والإنسان مما كان في تلك الفترة.

كانت وفاة مسعود حوالي سنة 1902. وقبره معلوم بسيدي بولنوار ببير الورد. كان مسعود من سلالة الشجعان مثل جده ووالدته رحيمو التي كانت عمياء، وأخيه المعطي مول العودة صانع السيوف، أما أخته فكانت في كل المعارك حاضرة وبقيت حية وقاومت ضد الاستعمار في عامي سبعة وثمانية.

بوشعيب بن الغزواني من أشجع من عرفتهم بلاد المذاكرة وزعير، وكان هو الذي درّب الأحمر على فنون القتال كما درّب رجاله، وقد أبان عن شجاعة أذهلت الفرنسيين في عام ثمانية وتسعمائة وألف، في آخر المعارك حيث قرر البقاء مقاتلا في سيدي بارك دون أن يستسلم رغم أنه تأكد من نزول الفرنسيين بكل ثقلهم وعتادهم، فانتقل إلى الغابة ثم إلى صخرة النسور بين الزكارنة وأولاد جحيش وهو يصيح مثل أسد جريح بأنه يفضل الاستشهاد مرتاح البال. اغتالوه في الغابة ثم عادوا بالدبّابة وأفنوا كل من بقي من أصدقائه ونسائه وأبنائه، واعتقلوا من تبقى. قبره معلوم بسيدي بوعبيد.

من أصدقائه أيضا بوعزة السرحاني وبوعزة ولد الساحقة وعبد القادر بن الحاج المزروعي والمئات من الرجال في المذاكرة وكل القبائل بالشاوية وزعير وتادلة والأطلس وفاس.

استقدم الفقيه والقاضي بوعزة بن الشرقي بعد استكمال دراسته من الأزهر، فكان رجل الاستشارة وابنته زهرة هي زوجة مسعود، وله قرابة عائلية مع بوشعيب بن الغزواني.

أما رفيقه محمد ولد المكناسي، فهو من أولاد زيان، استقدمه الاحمر بنمنصور إلى جانبه بعد مقتل مسعود، فكان رمزا عاليا من رموز الجهاد، طويل القامة، فوق المترين، له جرح بيّن في عينه اليسرى. منحه الأحمر أرضا في الميلحة، ثم صاهره متزوجا ابنته خديجة بنت ولد المكناسي.

اختتمنا هذا اليوم بلقاء مع الحاج علي فقير من امزاب، وهو باحث يجمع الرواية الشفوية منذ سنوات طويلة (شأن التجربة المهمة التي تستحق كل التقدير الكبير للأستاذ مصطفى ريحان الذي قدّم حياته وماله في سبيل جمع وتوثيق تاريخ الشاوية، في انتظار من يقدّر هذا العمل غير المسبوق ويخرجه إلى النور ليستفيد منه الباحثون)، جلسنا إليه وتحدثنا عن اللقاء المرتقب بمكارطو أولاد محمد في بحر هذه السنة، كما تحدثنا عن شخصيات الشيخ البوعزاوي ودوره في المقاومة الشعبية بالشاوية، وكذلك الأدوار البطولية لملحمة امزاب مع أسماء لا تقل بأسا وقوة وشجاعة وذكاءً عن رجال الشاوية في تلك الفترة، أذكر منهم: بوعزة بن عامر، بوعزة بن العبّاز، محمد بن بوعبيد، صديق الأحمر بنمنصور الذي اغتيل غدرا بفاس، ولد كابا محمد بن المعطي، أحمد بن العربي العريفي، عبد القادر بن عبد الحليم، بوعزة بن الشافي، ميلود ولد كعيب، المعطي ولد البيراوية، محمد ولد العراش، الجيلالي بن الطاهر، فاطنة القلشة، الحاج عبد السلام، علي بن رحال، والعشرات أو المئات ممن استشهدوا أو زُجَّ بهم في السجون… لائحة من الأبطال يحق على الشاوية، وابن احمد خصوصا، أن تخلدهم بالأسماء في لائحة كبيرة تضيء كل المداخل وتسمى بأسمائهم الساحات والأزقة.

ثلاثة نداءات

النداء الأول: إلى المشتغلين بالفن السينمائي، أمامهم مادة سينمائية رفيعة من البطولة المغربية الحقيقية خلال فترة حاسمة من تاريخ المغرب.

النداء الثاني: إلى الباحثين في تاريخ المغرب والسوسيولوجيا والآثار والثقافات الشعبية للبحث في كنز تاريخي وثقافي غير مطروق.

النداء الثالث: إلى جهة الدار البيضاء سطات وكل مجالس الجماعات والعمالات والمقاطعات كي تسمي الساحات والشوارع والمؤسسات التعليمية بأسماء هؤلاء الأعلام تقديرا رمزيا لما قاموا به، والاهتمام بنزالة الأحمر وكل المواقع التاريخية التي تشكل ذاكرة المنطقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ما هي العلاقة بين
    الجمعة 9 أبريل 2021 - 19:37

    مزاب وشاوية المغرب الاقصى بمزاب وشاوية المغرب الاوسط (الجزائر) ؟.
    ويبدو من الاسماء الواردة في المقال ان هذه القبائل عربية.
    فاذا كان الامر كذلك فمتى دخلت المغرب الاقصى و في اي زمان ؟.

  • السفوكاح
    السبت 10 أبريل 2021 - 00:06

    جوابا على المعلق الأول، اقول لا علاقة بين شاوية المغرب وشاوية الجزائر الا التشابه في الإسم..ويطول الحديث عن تسمية الشاوية …اما امزاب، ففعلا في العهد المريني اوطن المرينيون جزءا من قبائل زناتة ذات الاصل الحزائري منطقة الشاوية مرفوقين بعرب زغبة الهلاليين…غير اين العرب كانوا اكثر ..وحاليا الغالبية العظمى من قبائل مزاب ذات اصل عربي هلالي..من بني جابر ورياح والمعقل وزغبة ..الا ان لجميع غلب عليهم اسم امزاب، لانهم دخلوا في خلف معهم او لجقوا بهم…

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع