الشّيخَة والشّيخ

الشّيخَة والشّيخ
صورة: مواقع التواصل الاجتماعي
الأحد 23 غشت 2026 - 17:21

في العُرس تدخُل الشّيخات إلى السّاحة وهنّ يعرفْنَ تمامًا ما ينتظره الجمهور. الدّفوف تضرب، الكمان يئنّ، الخصْرُ يعلن التمرّد على هندسة الجَسد، والعيون تتوزع بين من يصفّقُ علنًا ومن يُراقب خلسةً حتى لا يضبطه الوَقار مُتلبسًا بالفَرح.

تهزّ الشيخة كتفيْها، تَدُور، ترفع يدها، ترمي ابتسامة محسوبة نحو الصفوف الأولى، فيندفعُ أحدهم إلى لَصْق ورقة نقدية على جبينها كأنه يمنح وسام الاستحقاق الوطني للفن الشّعبي.

لا أحَد يحْتار في اسم ما يحدث؛ هذه رقصة، لها إيقاعها، حركاتها، جمهورها، أجرها، وفرجتها الصّريحة.

لا تدّعي الشيخة أنها جاءت لإنقاذ الأمّة، ولا تزعُم أن دورانها حول نفسها مشروعُ إصلاحٍ اجتماعي؛ جاءت لترقص، والناس جاؤوا ليتفرّجوا، والصّفقة واضحة إلى حدّ يبعثُ على الاحترام.

حين تتحوَّل الرّقصة إلى «حَال»

ثم يأتي الموسم. هناك تتغير الملابس، وتبقى أشياء كثيرة كما هي. تدخل جماعة الشيوخ وسط الغبار والخيول والخيام والباعة وروائح الشواء.

الجلابيب أوسع، اللّحى أطول، الوجوه أكثر جدِّية، والنظرات تُوحي بأن البشرية كلها تنتظرُ من هذه الحلقة قَرارًا مَصيريًا.

تبدأُ الأكْتاف في الاهْتزاز، تتحرَّكُ الرؤوس يمينًا ويسارًا، ترتفِع الأيدي، تتسارعُ الخطوات، يدورُ الرجال حول مركز غير مرئي، ويعلُو الصّياح كلما اشتدَّ الإيقاع.

واحد يقفز، آخر ينحني، ثالث يدور حتى تكاد عمامته تسبق رأسه، ورابعٌ يغلق عينيه ويرفع ذقنه إلى السماء كأن جوابًا عاجلًا وصل إليه مباشرة من الغيْب.

الفرق أن الشّيخة، حين تهتز، لا تطلبُ منك أن تسمي اهتزازها “حَالًا”؛ وحين تدور لا تضع أمام الدَّوران حاشية لُغوية ترفعُه من الحركة إلى المقام، وحين تصرخ لا يحتاج أحد إلى لجنة من المفسرين ليشرح أن الصّرخة تجاوزت حدود الحنجرة وأصبحت كشفًا.

في العرس، يهتز الجسَد فيسمّونه رقصًا. وفي الموسم، يهتزّ الجسد نفسه، فتبدأ عملية إعادة الهيكلة اللغوية: هذا ذِكر، وهذا جَذب، وهذه برَكة، وهذا رجل “أَخذتْه الحَضْرة”، وكأن اللّغة نفسها مُكلَّفة بحراسة الهَيْبة.

الشيخة تهز رأسها فيقولون: تتمايلُ. الشيخُ يهز رأسه بالطريقة نفسها فيقولون: دخَل في الوَجْد.

تَدور الشيخة فيصفّق الناس. يَدور الشّيخ فيفتَحُ بعضُهم فَمَه إعْجابًا وكأن قوانين الجاذبية توقفت لحظة احترامًا له. تتصبَّب الشيخة عرقًا لأن الرّقصة طويلة.

يتصبَّب الشّيخ عرقًا فتبدأ التأويلات: حرارةُ الرُّوح، قوة الحَال، ثقل السِّر، فيْضُ البَركة؛ حتى العَرق يحصلُ على ترقية اجتماعية حين ينزلُ من جَبين شَيْخ.

بين الأجْر والنَّذر

توجدُ في العُرس أوراق نقدية. يخرج الرّجل ماله، يقترب من الشّيخة، يمنحه لها من غير فلسفة كثيرة. في الموسم تتغير طريقة الدّفع فقط، تظهر الصدقات والهبات والذبائح والنذور، ويصبح المال أكثر وقارًا لأنه دخل جيْبًا يحيطُ به الدُّعاء.

والجمهور في الحالتين يلعب دوره بإتْقان: في العُرس يصرخ أحدهم: “زيدي!”؛ في الموسم يصرخُ آخر: “الله!”؛ أما المعنى العَمَلي فمُتقارب جِدًا: استمِرُّوا، نحن مُسْتَمتعُونَ.

الهزّةُ التي غَفَرُوا لها

ثم تأتي المفارقة الكبرى حين يخرج بعض رجال الموسم من الحلقة ليحاكموا أخلاَق العُرس. يتحدثون عن تمايُل النساء، وعن الفِتنة، وعن ضياع الحَياء، بينما لا تزال أكتافُهم ساخنةً من اهتزازٍ دَام نصف سَاعة، ولا يزال واحد منهم يحاول استعادةَ توازنِه بعد دَورانٍ كان سيُؤهل الشّيخة المحترفة لفقَرة خِتامية ممتازة.

لا يعرف الجسدُ المسكينُ كلَّ هذه التّصنيفات؛ ولا يعرف أن اهتزاز الكَتف في قاعة الأعراس قد يصبح خِفة، وأن الحركَة نفسها قُرب ضريحٍ قد تحصلُ على شَهادة حُسن سُلوك.

لا يعرفُ أنّ دوران امرأة يمكن أن يُثير خُطبة كاملةً عن الأخلاق، وأن دورَان رجُل مُلْتحٍ يمكن أن يثير خطبة كاملة عن الصَّفاء.

يتحرَّك الجسدُ فقط. المجتمع هو الذي يضع العَمامة على حركة، ويضعُ اللَّوم على حركة أخرى. لهذا تبدو الشّيخة في نهاية الأمر أكثر وضوحًا من كثير من الشُّيوخ.

هي لا تخفي الرّقص وراء قامُوس ضخم. لا تحتاج إلى استدعاء الغَيب كي تبرِّر حركة قَدَمٍ، ولا تُحوّل الإيقاع إلى عقيدة ولا التصفيق إلى كَرامة. تدخل، تغني، ترقص، تأخذ أجرها، وتنصرف.

أما الشّيخ في بعض المواسم فيبدأ من حركة كتف، ثم يترك الجمهور يبني فوقها عمارة كاملة من الرُّموز والأسرار والبركات، حتى إذا اكتملت العِمارة نسيَ الجميعُ أن الحكاية بَدأت برَجُلٍ يهزُّ كتفيه على وقْع الطَّبل.

الحركَةُ نفسها… والهَالَةُ لمن؟

ربما لهذا يستحقُّ المشهدَان أن يُوضعا جنبًا إلى جَنب، ليس للسُّخرية من الفَرح، ولا من الذِّكْر، ولا من تُراث النَّاس.

إنما للسُّخرية من تلك العَبقرية الاجتماعية التي تستطيعُ أن ترى الحَركة نفسَها مرَّتين، ثمَّ تمنحُها في المرة الأولى تُهْمةً، وفي المرة الثَّانية هَالَةً.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

12
  • عمر
    الأحد 23 غشت 2026 - 17:36

    ” إنما للسُّخرية من تلك العَبقرية الاجتماعية التي تستطيعُ أن ترى الحَركة نفسَها مرَّتين، ثمَّ تمنحُها في المرة الأولى تُهْمةً، وفي المرة الثَّانية هَالَةً”…رائع جدا…قراءة ممتعة للجميع.

  • مراقب من بعيد
    الأحد 23 غشت 2026 - 17:37

    في المغرب العربي تجد اسماء أعلى الرتب في دول المشرق يحملها أشخاص من العوام. هنا عندنا المقدم والشيخ والشيخة وهنالك عندهم المقدم أعلى رتبة في الجيش والشيخ أعلى رتبة القبيلة والشيخة تكون السيدة الأولى في البلد

  • jijiboum
    الأحد 23 غشت 2026 - 17:42

    مقارنة شاملة كاملة معبرة عن الحالتين. بقي الاختيار و الإعجاب. هل إلى هؤلاء أم إلى هؤلاء؟ أم لكل مقام مقال؟

  • نجيم
    الأحد 23 غشت 2026 - 18:49

    صورة معبرة .وكأنها حصان يتبورد على نفوس عطشى محرومة .

  • الشيخ والشيخة .
    الأحد 23 غشت 2026 - 19:16

    لماذا اهتزاز الشيخة يفتح بابا لنقاش الأخلاق ، ببنما اهتزاز ملتحي يدل على الصفاء، ببساطة لأن اهتزاز الشيخة يكون من أجل إثارة النفوس وتهييج الشهوات . فالرجل الذي يلقي المال على جسد الشيخة وإن كان فوق السبعين فإنه ضمنيا يريد أن يرسل رسالة إلى الحاضرين أن لازال له في النساء رغبة وأنه يعجب ويثار . بينما رقصة المريد تجعلك تسبح في الملكوت وما يتخللها من امداح يجعلك تستحضر عظمة الإله .

  • شدو لجام شوية
    الأحد 23 غشت 2026 - 20:51

    ياريث لو ان شيخة تهز كتفيها فقط. خصوصا هذا العام جل الفرق الشعبية تعتمد على شيخات ” هزو نيفو اكثر من الازم والمتعارف عليه ” خصوصا امام المنصات المفتوحة تجد فيها الاسر مع جميع افرادها جاءوا يتابعون وفي لحظة يتفاجؤون وكأنهم داخل كباري او حانة.

  • الورزازي
    الأحد 23 غشت 2026 - 21:03

    شيخات الرقص إحدى تجليات الانحراف عن المجتمع، بدليل أن لا أحد يرضى لأمه أو أخته أو زوجته أو ابنته أن تكون شيخة، بل هي الحاجة الملحة التي تقود إلى ذلك الوضع. هناك من قادته الحاجة إلى السرقة، و هناك من قادتها الحاجة إلى البغاء، و هناك من قادتهم الحاجة إلى النصب و الاحتيال و القمار…
    و شيوخ المواسم إحدى تجليات الانحراف عن الدين، بدليل أن سلوك هؤلاء مِدان من أهل العلم الشرعي المعتبرين.

  • عدنان الشعبي من الصويرة
    الأحد 23 غشت 2026 - 21:45

    مقالة الأستاذ لحجمري نصّ عميق وذكي، يكشف ببراعة مفارقات نظرتنا إلى الجسد والرقص: فنحن ندين رقصة الشيخة ونحاصرها بالأحكام، بينما نُضفي على رقصة الشيخ وجذبته مسحةً من القداسة. بأسلوب رصين ونفَس نقدي لافت، يفتح المقال باباً واسعاً للتأمل في ازدواجية المجتمع وفي الحدود الملتبسة بين الفن والطقس، وبين الحرية والتحريم.
    شكرا لجريدة هسبريس على هذه الزاوية الحادة برااااااااااااااافو

  • إلى الشيخة والشيخ
    الإثنين 24 غشت 2026 - 00:20

    إلى المعلق الشيخة والشيخة بل بينما رقصة المريد تدخلك في الشرك بالله لأنه يدعوك للقيام بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان كتقببل أرجله والسجود له بينما السجود لله وحده وزيد زيد واللائحة طويلة وعقاب الشيخة أقل من عقاب اللذي يشرك بالله ويدعو علانية بطريقة غير مباشرة لهذا الشرك عبر ما يمليه على مريديه من خرافات خزعبلات لا توجد لا في الدين الاسلامي ولا في القرآن ولم يأمر بها حتى الرسول صلى الله عليه وسلم نهائيا وكلنا نعلم ما يحدث من مسخ في المواسم والاضرحة

  • مصطفى
    الإثنين 24 غشت 2026 - 00:42

    ردا على نجيم ورقص الملتحين كأنهم يدعون الناس إلى الشرك بالله عبر ملء أدمغتهم بأشياء لم ينزلها الله أبدا كالسجود للمريد وتنفيد أوامره التي لم يذكرها الله أبدا في القرآن بل يعيدهم إلى الجاهلية حيث عبادة الأصنام والشمس والقمر مادام يأمرهم بتقبيل الاكتاف والقدمين والعياذ بالله

  • محمد
    الإثنين 24 غشت 2026 - 14:34

    كلما قرأت لك مقالة من مقالاتك إلا وفرحت بفحوى العبارات الصادقة والألفاظ
    النيرة وحمدت الله أن في المغرب العزيز رجال يفكرون ويبدعون ويتفلسفون
    احيانا ، ويعرفن الصواب من الخطأ.

  • طيف عابر
    الإثنين 24 غشت 2026 - 14:44

    بين فرقة الراقصة وفرقة المتصوفة هناك فرقة ناجية.

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 2

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 10

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 8

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة

صوت وصورة
صقور السعودية في سماء مراكش
السبت 10 أكتوبر 2026 - 16:32 3

صقور السعودية في سماء مراكش