أسئلة لا تحتمل الصمت

أسئلة لا تحتمل الصمت
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 23:29

تتوالى حوادث الغرق، وتختفي بعض قوارب الصيد الصغيرة في عرض البحر، مخلفة وراءها مآسي إنسانية وأسرًا تجد نفسها فجأة أمام فقدان معيلها، في انتظار ما قد تكشف عنه عمليات البحث والإنقاذ.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي تسجيل هذه الحوادث والتعاطف مع ضحاياها، أم أن الأمر يتطلب نقاشًا مهنيًا جادًا لتحديد أسبابها، ومراجعة الاختلالات المحتملة، واتخاذ إجراءات تحول دون تكرارها؟

إن استمرار وقوع مثل هذه الحوادث يستدعي وقفة مسؤولة من جميع المتدخلين في قطاع الصيد البحري، بعيدًا عن المجاملة والحسابات الضيقة.

أولًا: هل تتناسب شروط الإبحار مع حجم القوارب وطبيعة رحلاتها؟

هل من المقبول أن تقطع قوارب صغيرة لا يتجاوز طولها خمسة أو ستة أمتار، وحمولتها نحو طنّين، مسافات تصل إلى 40 أو 50 ميلًا بحريًا بعيدًا عن الميناء، وفي مناطق قد تعرف ظروفًا بحرية صعبة؟

وهنا لا بد من التحقق من مدى مطابقة هذه الرحلات للتصنيف البحري للقوارب، وشروط الترخيص، ومناطق الإبحار المسموح بها، والتجهيزات الإلزامية المفروضة عليها.

وأين هي وسائل السلامة الضرورية لمواجهة مخاطر الملاحة، خصوصًا أثناء الليل، وفي حالات الضباب وضعف الرؤية، وعند وجود سفن كبيرة قد تشكل خطرًا على القوارب الصغيرة؟

وهل تتوفر هذه القوارب، بحسب طبيعة رحلاتها والتزاماتها التنظيمية، على الأضواء الملاحية المناسبة، ووسائل الاتصال والاستغاثة، وأجهزة تحديد الموقع، والتجهيزات الضرورية التي تساعد على رصد المخاطر وطلب النجدة عند الحاجة؟

ثانيًا: دعم مهنيي الصيد التقليدي بوسائل الإنقاذ

إن الحديث عن السلامة البحرية لا يعني أن يقتصر الأمر على مراقبة القوارب أو مطالبة البحارة باحترام شروط الإبحار، بل يجب أن يشمل أيضًا توفير وسائل الإنقاذ الضرورية لهذه الشريحة الواسعة من المهنيين.

فمهنيو الصيد التقليدي يشتغلون في ظروف صعبة، وعلى متن قوارب صغيرة، ويواجهون مخاطر البحر بشكل يومي. لذلك، من الضروري دعمهم بوسائل إنقاذ ملائمة لطبيعة عملهم، مثل سترات النجاة، وأجهزة الاتصال والاستغاثة، وأجهزة تحديد الموقع، وأدوات الإضاءة والإشارة، ووسائل الإطفاء، وغيرها من التجهيزات التي قد تنقذ الأرواح في اللحظات الحرجة.

كما ينبغي التفكير في وضع برامج عملية لتوفير هذه المعدات أو دعم اقتنائها، مع تنظيم دورات تكوينية لفائدة البحارة والربابنة حول استعمالها، والتصرف في حالات الطوارئ، وتقديم الإسعافات الأولية، والتعامل مع انقلاب القارب أو تسرب المياه أو فقدان الاتصال.

إن دعم هذه الفئة بوسائل الإنقاذ ليس امتيازًا، بل هو إجراء وقائي واستثمار مباشر في حماية الأرواح. ولا يمكن مطالبة البحارة بتحمل مخاطر البحر دون تمكينهم من الحد الأدنى من الوسائل التي تساعدهم على النجاة وطلب المساعدة.

ثالثًا: أين دور منظومة الإنقاذ والسلامة البحرية؟

توجد جمعيات للإنقاذ والسلامة البحرية في عدد من الموانئ، كما توجد مصالح إدارية مختصة داخل مندوبيات الصيد البحري.

لكن من حق المهنيين أن يتساءلوا عن مدى جاهزية هذه المنظومة، والإمكانات المتوفرة لديها، وسرعة الاستجابة لنداءات الاستغاثة، ومستوى التنسيق بين مختلف الجهات المعنية بالبحث والإنقاذ.

وهل تخضع عمليات الإنقاذ والحوادث المسجلة لتقييم منتظم، بما يسمح بتحديد أوجه القصور، إن وجدت، والعمل على معالجتها؟

كما أن دعم جمعيات الإنقاذ بالزوارق والمعدات والموارد البشرية والتكوين المستمر يظل أمرًا ضروريًا، حتى تتمكن من أداء دورها في أفضل الظروف، خصوصًا في المناطق التي تعرف نشاطًا مكثفًا للصيد التقليدي.

إن الهدف من هذه التساؤلات ليس توجيه الاتهامات، وإنما المطالبة بتوضيح المسؤوليات وتقييم الأداء على أساس معطيات موضوعية ونتائج ملموسة.

رابعًا: من يراجع أسباب الحوادث لمنع تكرارها؟

إن التعامل مع حوادث الغرق واختفاء القوارب لا ينبغي أن يتوقف عند عمليات البحث والإنقاذ، بل يجب أن يمتد إلى دراسة أسباب كل حادثة، في حدود ما تسمح به المعطيات والتحقيقات.

ونحن بحاجة إلى حصيلة واضحة للحوادث المسجلة، والأسباب التي أمكن تحديدها، والتدابير المتخذة لمعالجة الاختلالات، ومدى تنفيذ التوصيات الصادرة بشأنها.

فلا يمكن بناء سياسة فعالة للسلامة البحرية دون تشخيص دقيق للمخاطر، ودون تقييم مستمر لمدى نجاعة الإجراءات المتخذة.

خامسًا: ماذا عن أسر البحارة الذين يفقدون حياتهم في عرض البحر؟

إن فقدان بحار لحياته لا يعني فقدان فرد فحسب، بل قد يعني انهيار الوضع الاجتماعي والاقتصادي لأسرة بأكملها، خصوصًا عندما يكون الضحية هو المعيل الوحيد.

لذلك، من الضروري أيضًا التحقق من مدى استفادة أسر الضحايا من التعويضات والتغطية الاجتماعية المتاحة، وتحديد الحالات التي تواجه صعوبات في الحصول على حقوقها، والعمل على إيجاد حلول تضمن الحماية الاجتماعية اللازمة.

فمن غير المقبول أن ينتهي دور الاهتمام بالضحايا عند لحظة وقوع الحادث، بينما تظل أسرهم تواجه وحدها تبعات الفقدان.
كلمة أخيرة

لست ضد قوارب الصيد التقليدي، ولست ضد حق البحارة في التوجه إلى مناطق الصيد بحثًا عن موارد الرزق والثروة السمكية. بل إنني أدافع عن حقهم في ممارسة مهنتهم في ظروف تحفظ أرواحهم وكرامتهم.

لكن هذا الحق يجب أن يقابله تنظيم واضح، وشروط سلامة مناسبة، ومراقبة فعالة، ومنظومة إنقاذ قادرة على التدخل، وحماية اجتماعية تحفظ حقوق البحارة وأسرهم.

كما يجب دعم هذه الشريحة الواسعة من المهنيين بوسائل الإنقاذ والتجهيزات الأساسية، حتى لا تظل السلامة البحرية مجرد التزام نظري، بل تصبح ممارسة فعلية تحمي البحارة في عرض البحر.

إن قطاع الصيد التقليدي يحتاج إلى دراسة ميدانية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار حجم القوارب، وقدراتها التقنية، والمسافات التي تقطعها، وطبيعة مناطق الصيد، والظروف البحرية التي تعمل فيها.

إن حماية الأرواح ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة تتطلب وضوحًا في الاختصاصات، وصرامة في تطبيق القوانين، وشفافية في تقييم النتائج.

أرواح البحارة ليست مجرد أرقام في سجلات الحوادث، وأسرهم ليست مطالبة بتحمل تبعات الاختلالات المحتملة في منظومة السلامة البحرية.

آن الأوان لفتح نقاش مهني جاد ومسؤول حول واقع الصيد التقليدي وشروط السلامة البحرية بالمغرب، بعيدًا عن المجاملة والمصالح الضيقة.

السؤال الذي أطرحه اليوم على كل مسؤول: هل ننتظر وقوع مآسٍ جديدة لنتحرك، أم نبادر إلى مراجعة منظومة السلامة البحرية، ودعم المهنيين بوسائل الإنقاذ، قبل فوات الأوان؟

-ربان وفاعل جمعوي بقطاع الصيد البحري

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''