"الطهورية: اختيار اللبن الخالص"

"الطهورية: اختيار اللبن الخالص"
الإثنين 4 يونيو 2018 - 12:11

استئذان:

يقول سوسير: “وجهة النظر تخلق الموضوع”، واختلاف المقاربات قد يفيد في معالجة المشاكل، ولا يوجد مشكل بدون حل، إنما الأمر “إرادة واختيار”، والشعوب قد تواجه قضايا أعقد تهم مصير الحياة وتتغلب عليها بالليل قبل النهار، فلماذا نحن نحتاج إلى الشهور كي نلوي عنق المشكل؟ ولماذا نجر وراءنا الآثار والتبعات والمخلفات التي لا بد أن تتراكم في انتظار أسباب مباشرة أو خفية؟ أليست هذه نتائج “البلوكاج” الماضي؟ أليست الحسابات الشخصية يؤدي ثمنها الجميع؟ أليست مصلحة الوطن فوق الكل؟ ألا نستفيد من الدروس والعبر والتاريخ والشعوب؟ ألم نضيع طعم رمضان أمام مشاكلنا الاقتصادية؟

إن الرمزية بعد تعبدي، وأغلب الشعائر لا تستوعب في ظاهرها الشكلي الحركي، فلكل طقس عمق أصلي، كما لكل مشكل أصل وقد نتيه أحيانا في الجزئيات والمظاهر وتبقى حركتنا تتمحور حول الوسائل لا الأهداف، وإذا لم نعرف مصدر النعم سنجحد الواهب ونعتبر الأمر بأيدينا بينما نحن لا نملك سوى “إرادة الفعل”، بينما الفاعل الحقيقي هو صاحب النعم، وإذا لم ندرك مهمة الاستخلاف في النعم سيضيع من بين أيدينا الأمر، فالرزق يضمنه الله تعالى، فقد تعوض المواد والمنتوجات ويبقى الله تعالى هو الرزاق، فالعرب لم يكونوا يحلمون بالبترول وكانوا يخافون من الكساد الاقتصادي ومن فرص الرواج بمكة فأغناهم الله من فضله وأصبحوا لا يعرفون قيمة للمال الذي هو مال الله وبترول الله، وما الإنسان إلا مستخلف فيه، فمعرفة أصل النعم جزء من تصور المشكل.

الطهورية: اختيار اللبن الخالص

وأنا أتأمل الأطنان من “اللبن الحليب” للفلاحين المستعاض عنه، بدت لي “آية الحليب” كأنني أقرأها أول مرة: (وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) النحل 66، وبدا لي سؤال “العبرة” النكرة، فعبرة واحدة لم نقو على إدراكها، وعبر الله لا تعد ولا تحصى، وبدت لي “إشكالية النعم” كيف لا يستطيع البشر أن يستفيدوا من نعم الله ونعم الله لا تعد ولا تحصى، وبدت لي “الطهورية” في صيغة “اللبن الخالص” وتوالدت المشتقات اللبنية اللغوية، ببعدها الواقعي.

فخالص فعل رباعي مصدره: مخالصة، “خالصه الود”: صافاه، خالص الدائن المدين: أبراه من دينه، والجمع: خالصون وخالصات وخلص، وذهب خالص: ذهب من عيار حقيقي، صاف. ولبس ثوبا خالصا: شديد البياض ناصع اللون، وبضائع خالصة من الجمرك: معفاة من الرسوم، ونسب خالص: لا شائبة فيه. وخالصه: عامله بإخلاص.

والخلوصية من النجاة والسلامة، وأخلص الشيء إذا اختاره، وجاء في قراءة (إلا عبادك منهم المخلَصين) الذين أخلصهم الله تعالى والمخلٍصين الذين أخلصوا العبادة لله تعالى، وقرئ في موسى إنه كان مخلصا ومخلَصا أي الذي جعله الله مختارا، وقد سميت سورة الإخلاص بذلك لأنها خالصة في صفة الله تعالى.

أما أصل الكلمة فهو اللبن ويسمى الحليب لأنه يحلب، جاء في لسان العرب مادة “حلب”: والحليب كالحَلَب، وقيل: الحَلَب: المحلوب من اللبن، والحليب ما لم يتغير طعمه، واستعار بعض الشعراء الحليب لشراب التمر فقال يصف النخل:

لها حليب كأن المسك خالطه يغشى** الندامى عليه الجود والرهق

والإحلابة: أن تحلب لأهلك وأنت في المرعى لبنا، ثم تبعث به إليهم.

وفي القاموس المحيط مادة “الحلب”، والحليب: اللبن المحلوب، أو الحليب: ما لم يتغير طعمه، وشراب التمر.

ولهذا أغلب الدول تقسمه إلى نوعين: اللبن الحليب (الباقي على خلقته) وتسميه “حليب”، واللبن المخيض وتسميه “لبنا”.

ويختلف إقبال الشعوب على ألبان الحيوانات، فسكان خط الاستواء في الجنوب يشربون ألبان الماعز والإبل، وسكان الإسكيمو في الشمال يشربون لبن الغزلان، ولبن الخيول يستعمل في آسيا، ولبن الجاموس في إفريقيا وشبه القارة الهندية، وتستعمل ألبان البقر والغنم في معظم بلدان العالم.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن اللبن الرائب فيه مضادات حيوية ويقضي على الجراثيم المسببة للتسمم الغذائي، ويصلح للأطفال المصابين بالإسهال، كما يقوي اللبن وظيفة جهاز المناعة في خلايا الجسم، وتشير بعض الدراسات إلى أنه يفيد في الوقاية من سرطان القولون، وأن النساء اللواتي يتناولن اللبن أقل عرضة لسرطان الثدي.

والمئة غرام من اللبن الرائب تساوي خمسة وعشرين سعرا حراريا، يفيد الرضع حين البدء في تناول الطعام، ويفيد في فترة النقاهة من بعض الأمراض، ويقوي العظام التي تعرف هشاشة والأسنان المنخورة.

وفيه من البروتين والدهون والصوديوم والبوتسيوم والمغنزيوم والفوسفور والكلورو حمض النيكوتين وبعض أنواع الفيتامينات، وهذا سر الحديث النبوي: (اللهم زدنا منه).

ويطلق عليه في بلاد البلقان: غذاء العمر المديد، حيث يساعد الشيوخ بمواده البروتينية ذات القيمة الحيوية العالية وبمواده المعدنية اللازمة، لهذا لا تخلو مائدة من لبن، عند من أدرك أهميته.

وما يدفعنا إلى التفكير في هذه النعمة هو كيف يتحول طعام الأنعام إلى لبن خالص سائغ للشاربين، يقول تعالى: (وإن لكم في الأنعام لعبرة) أي بمقدوركم أن تصلوا إلى قدرة الله وعظمته في خلقه، فتكوين اللبن يتم بالتنسيق المحكم بين الجهاز الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من الأجهزة التي جعل الله لها وظيفة خاصة وعملا تقوم به، ولإنتاج لتر واحد من الحليب في الضرع يجب أن تمر عشرات اللترات من الدم لامتصاص المواد اللازمة من البروتينات والدهون والهرمونات والفيتامينات.

وقد صمم سبحانه ضروع الأنعام والحيوانات الثديية بحكمة وفق “رباعية” تمكن من إرضاع صغارها، وتستطيع رفع الضروع وحمايتها خاصة عندما تمتلئ.

للأسف أننا نستعيض عن اللبن بشراب كله مواد كيماوية ليس فيه مادة طبيعية ويأتينا من بلاد بعيدة لا نعلم أصل موادها ولا أسرارها، تملك علينا ذوقنا وإحساسنا وتصبح رمزا للحضارة والقوة، بينما لدينا “الطهورية” في مشروبنا الذي جعله الله لنا وفي أيدينا وبأثمنة معقولة ويمكننا أن نتناوله ونسوقه بالطريقة التي تخدم مصالحنا بعيدا عن الاستغلال والاستعباد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • زينون الرواقي
    الإثنين 4 يونيو 2018 - 13:53

    بعد الاستدلال بسورة الأَنْعَام والفوائد الصحية للبن في البلقان والاسكيمو والهند وعلى خط الاستواء نقرأ في خاتمة المقال " جعله الله لنا وفي أيدينا وبأثمنة معقولة " نعم لقد سخر الله لنا الانعام وتجلت قدرته في تصميم ضروعها ووظائفها فتسلطت سنطرال على هذه الضروع وما يخرج منها فامتنع العبد عن تناول اللبن الذي سخره الله وتسلط عليه العبد الاحتكاري .. فما مناسبة هذا المقال ؟ ارى في الامر دعوة للعدول عن مقاطعة حليب سنطرال وإلباس استهلاكه لبوسا دينيا بما يوحي بأننا امام فتوى حداثية تعزف على الوتر الوجداني للالتفاف على والواقع لكن المواطن لا يشاطر الكاتب الرأي في ان اللبن في متناول يده وانه بأثمنة معقولة فالباري عز وجل لم يحدد سعر اللتر المنزوع البروتين والقيمة الغذائية ..

  • saccco
    الإثنين 4 يونيو 2018 - 17:49

    وأنا أقرا الموضوع تسائلت ما السر في تناول موضوع الحليبب بصيغة دينية وهو موضوع يدرك اهميته للحياة حتى الرضيع آدمي او غيره فهو يدرك فوائده غرائزيا ،فإن اعطيت لرضيع جائع رضّاعة بها جعة او كوكا لَرماها وإن أعطيته رضاعة بها حليب دافئ سينقض عليها ولن يتركها حتى تمتلئ معدته
    فربط موضوع الحليب بالدين زاد من إستغرابي كون موضوع الحليب موضوع راهن يشغل طبقة مداويخ داخت بثمنه وشغلت ايضا طبقة إغتنت برضع ضروع البقرة الحلوب
    وعندما أنهيت قراءة النص الذي إنتهى بآية انزلها الكاتب :" مشروبنا الحليب الذي جعله الله لنا وفي أيدينا وبأثمنة معقولة ويمكننا أن نتناوله ونسوقه بالطريقة التي تخدم مصالحنا بعيدا عن الاستغلال والاستعباد"
    تذكرت في هذه اللحظة قولة برنارد شو "عندما يأتيني احدهم ويبدأ يحدثني عن الدين أتحسس محفظتي "

  • saccco
    الإثنين 4 يونيو 2018 - 18:18

    تصحيح
    قولة برنارد شو "عندما يأتيني أحدهم ويبدأ يحدثني عن الدين أتحسس محفظة نقودي"

  • ابن طنجة
    الإثنين 4 يونيو 2018 - 19:26

    أنا لا أشرب الحليب ولا اللبن الخالص ولا سنطرال الا نادرا لان الحليب غذاء مضر بالصحة فهو غني بالدهنيات المشبعة التي تزيد في وزن الجسم وفي ارتفاع نسبة الكولسترول في الدم وغني بسكر اللكتوز مما يسبب الامساك بسبب صعوبة امتصاصه عبر الامعاء الدقيقة كما انه يحتوي على كمية عالية من مضادات الاجسام والهرمونات اكثر مما هو مسموح به في حدود% 0.09
    مصدرها حقن الابقار بهذه المضادات والهرمونات لتسمينها ونفخها سريعا فأي لبن خالص 100% تتحدث عنه وتلبسه لبوس الدين وصدق من قال عندما ياتيني احدهم ويحدثني عن الدين اتحسس محفظة نقودي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 2

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 4

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 2

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36 1

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03 2

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30 3

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"