العقل في مواجهة الوصاية

العقل في مواجهة الوصاية
الجمعة 10 يوليوز 2026 - 23:55

العقل في مواجهة الوصاية: لماذا يخاف أصحاب السلطة من التفكير الحر؟

منذ أن بدأ الإنسان يطرح الأسئلة، بدأ الصراع الحقيقي في التاريخ. لم يكن الصراع بين الإيمان والكفر، ولا بين الشرق والغرب، ولا بين القديم والحديث، بل كان ـ في جوهره ـ صراعًا بين من يريد للإنسان أن يفكر، ومن يريد له أن يكتفي بالطاعة.

فكل سلطة، مهما كان نوعها، تدرك أن العقل الحر هو أخطر ما يمكن أن تواجهه. الإنسان الذي يسأل، ويحلل، ويقارن، ويشك، ويبحث عن الدليل، يصعب إخضاعه. أما الإنسان الذي يتلقى الأفكار كما يتلقى الأوامر، فإنه يصبح جزءًا من منظومة الطاعة، لا من منظومة المعرفة.

ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول التفكير، في كثير من المحطات التاريخية، إلى تهمة، وأن يصبح السؤال نوعًا من التمرد، وأن يُنظر إلى الشك المنهجي باعتباره خطرًا يجب القضاء عليه، لا خطوة ضرورية للوصول إلى الحقيقة.

في المجال الديني، تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحًا. فالنصوص الدينية، في أصلها، جاءت لتخاطب الإنسان العاقل، وتدعوه إلى التأمل والنظر والتفكر. لكن المشكلة لم تكن غالبًا في النص، بل في احتكار تفسير النص. فبمجرد أن يتحول التفسير إلى سلطة مغلقة، يصبح التفكير المستقل تهديدًا مباشرًا لهذه السلطة.

ولهذا نجد أن بعض الاتجاهات التراثية لم تكن تخشى الجهل بقدر ما كانت تخشى الاجتهاد. فالجاهل يمكن توجيهه، أما المفكر فيستطيع أن يناقش، ويعارض، ويطالب بالدليل. ومن هنا ظهرت ثقافة تقديس السابقين، وتحويل أقوال البشر إلى حقائق لا يجوز الاقتراب منها، حتى أصبح كثير من الناس يعرفون أسماء المفسرين والفقهاء أكثر مما يعرفون النصوص نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي سلطة دينية ليس أن تمنع الناس من القراءة، بل أن تقنعهم بأنهم غير مؤهلين للفهم. فحين يقتنع الإنسان بأن التفكير ليس من حقه، وأن دوره يقتصر على الاتباع، يكون قد تخلى طوعًا عن أهم ما يميزه بوصفه إنسانًا: عقله.

وهذا ما أدركه عدد من كبار مفكري الإسلام منذ قرون. فقد رأى ابن رشد أن العقل ليس خصمًا للوحي، بل هو الوسيلة التي بها يفهم الإنسان الوحي فهمًا صحيحًا. واعتبر أن الحقيقة لا يمكن أن تناقض الحقيقة، فإذا بدا التعارض بين العقل والنص، فإن الخلل يكون في الفهم لا في النص نفسه. ولذلك دافع عن البرهان العقلي في مواجهة التقليد، ودفع ثمن ذلك نفيًا وإقصاءً وحرقًا لكتبه.

أما المعتزلة فقد جعلوا العقل أصلًا في فهم العقيدة، واعتبروا أن الإنسان مسؤول عن استعماله، وأن التقليد الأعمى لا يمكن أن يكون طريقًا إلى اليقين. ولم يكن رفضهم نابعًا من رغبة في معارضة الدين، بل من إيمانهم بأن الدين الذي يخشى العقل لا يمكن أن يكون دينًا واثقًا من نفسه.

واللافت أن الفلسفة الغربية وصلت إلى النتيجة نفسها، وإن انطلقت من سياقات مختلفة. فقد رفع ديكارت شعار الشك المنهجي ليحرر العقل من سلطة الموروث، ثم جاء كانط ليجعل شعار عصر التنوير: “لتجرؤ على استعمال عقلك.” لم يكن يقصد الثورة على الدين، بل الثورة على الوصاية الفكرية، أي على كل من يطلب من الإنسان أن يسلّم دون أن يفهم.

ولم يتوقف الأمر عند الفلاسفة. فقد بيّن ميشيل فوكو أن المعرفة والسلطة كثيرًا ما تتحالفان، وأن إنتاج “الحقيقة” قد يتحول إلى وسيلة للهيمنة على المجتمع. وعندما تحتكر مؤسسة ما حق تفسير الحقيقة، فإنها تحتكر في الوقت نفسه حق توجيه العقول.

من هنا يمكن فهم سبب العداء الذي يواجهه التفكير النقدي في كثير من المجتمعات. فالقضية ليست أن العقل يقود بالضرورة إلى نتائج معينة، وإنما لأنه يمنح الإنسان استقلاله. والسلطة، أي سلطة، تخشى الإنسان المستقل أكثر مما تخشى الإنسان المختلف.

ولا يعني ذلك أن كل رجال الدين يعادون العقل، ولا أن كل التراث قائم على التقليد. ففي تاريخ الحضارة الإسلامية مدارس عقلية عظيمة، كما أن في كل عصر علماء جمعوا بين الإيمان العميق والبحث العقلي الرصين. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الدين من دعوة إلى التفكير إلى أداة لإلغاء التفكير، وعندما يصبح السؤال جريمة، والاختلاف انحرافًا، والاجتهاد تهديدًا.

إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الحفظة، بل تلك التي تمتلك أكبر عدد من المفكرين. فالحفظ يحفظ الماضي، أما التفكير فيصنع المستقبل. والتقليد يعيد إنتاج ما كان، بينما العقل يفتح الطريق لما يمكن أن يكون.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في عالمنا العربي ليست بين الإيمان والإلحاد، ولا بين الأصالة والحداثة، بل بين ثقافة تعتبر العقل نعمة يجب استخدامها، وثقافة تعتبره خطرًا يجب تعطيله. وما لم ننتصر للعقل، سيظل الماضي يحكم الحاضر، وسيظل الإنسان العربي يكرر إجابات قديمة عن أسئلة جديدة.

لقد منح الله الإنسان العقل قبل أن يطالبه بالمسؤولية، لأن التكليف لا معنى له من دون قدرة على الفهم والاختيار. ومن هنا، فإن الدفاع عن العقل ليس خروجًا على الدين، بل دفاع عن الشرط الذي يجعل الإيمان نفسه فعلًا واعيًا لا مجرد تقليد موروث. فالإيمان الذي يولد من التفكير يكون أكثر رسوخًا، أما الإيمان الذي يقوم على الخوف من السؤال، فإنه يظل هشًا، يخشى كل فكرة جديدة، ويرى في كل عقل حر خصمًا ينبغي إسكات صوته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • fatima
    الإثنين 13 يوليوز 2026 - 08:41

    أمام هذا الإغفال، لا يُعلّق أحد على المنطق الكامن وراءه. وهذا يكشف عن غياب المنطق الذي يُهيمن على مجتمعنا المعاصر. فنحن نُقدّر الماضي والنقاشات التي دارت فيه، ونتجاهل المستقبل. وقد قدّمت هذه المقالة أمثلة ملموسة لما مرّ به مجتمعنا من الماضي إلى الحاضر. ومع ذلك، ما زلنا نُفكّر بالطريقة نفسها، مُجرّدين من أي منطق، بل ومُخالفين له؛ فالمنطق هو أساس كل شيء.

  • fatima
    الإثنين 13 يوليوز 2026 - 08:43

    Face à cet oubli, personne ne s’interroge sur la logique sous-jacente. Ceci révèle l’absence de logique qui imprègne notre société contemporaine. Nous valorisons le passé et les débats qui l’ont marqué, tout en ignorant l’avenir. Cet article a fourni des exemples concrets de ce qu’a connu notre société, du passé à nos jours. Pourtant, nous continuons de penser de la même manière, dénués de toute logique, voire nous la rejetons ; car la logique est le fondement de tout.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة