العقوبات البديلة بالمغرب تصطدم بتحفظ قضائي وفعالية بنيوية محدودة

العقوبات البديلة بالمغرب تصطدم بتحفظ قضائي وفعالية بنيوية محدودة
صورة: أرشيف
الأحد 22 مارس 2026 - 12:00

تكشف قراءة حصيلة ستة أشهرٍ من تنزيل العقوبات البديلة في المغرب “نوعا من التحفظ القضائي في اعتماد هذه الممارسات العقابية”، كما تبين عن عدم بلوغها “الفاعلية البنيوية المرجوة” لعدم وصول التنفيذ الفعلي مستوى الأحكام الصادرة، وفق أساتذة القانون الجنائي والعلوم الجنائية.

فمن الفترة الممتدة من 22 غشت 2025، حيث دخل قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ، إلى غاية 11 فبراير الماضي، لم يتجاوز عدد العقوبات البديلة المحكوم بها، وفق جوابٍ كتابي حديث لوزير العدل عبد اللطيف وهبي، 1392 حكما، ساهمت مقرراتها المنفذة بواقع 838 مقررا في الإفراج عن 782 معتقلا.

يأتي ذلك فيما يعتبر تخفيف اكتظاظ السجون، التي فاق عدد ساكنتها إلى حدود شتنبر المنصرم 95 ألفا سجينا، أحد أبرز الرهانات الرسمية على العقوبات البديلة.

تحفظ قضائي

قالت الدكتورة نهاد أفقير، أستاذة القانون الجنائي بكلية العلوم القانونية والسياسية جامعة الحسن الأول- سطات، إن قراءة الحصيلة سالفة الذكر تكشف أن تجربة العقوبات البديلة في المغرب “لا تزال في بداياتها، ولم تحقق بعد الأثر المأمول”.

أفقير أبرزت، في تصريح لهسبريس، أنه من حيث عدد الأحكام يتضح أن “اللجوء إلى العقوبات البديلة لا يزال محدودا مقارنة بالأحكام السالبة للحرية؛ وهو ما يعكس استمرار هيمنة المقاربة الزجرية التقليدية، أو نوعا من التحفظ القضائي في اعتماد هذه الآليات الحديثة”.

وسجّلت أستاذة القانون الجنائي أن “نسبة تنفيذ هذه الأحكام تظل ضئيلة عن المستوى المنتظر؛ مما يدل على وجود فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي”. كما أن “عدد المعتقلين الذين أُفرِج عنهم في إطار هذه العقوبات يبقى محدودا؛ وهو ما يعني أن تأثيرها على ظاهرة الاكتظاظ السجني لا يزال ضعيفا، ولم يرقَ بعد إلى مستوى الرهانات التي وُضعت عند اعتمادها”، وفق المصرحة عينها.

فعالية بنيوية؟

في الاتجاه نفسه سار تصريح يونس باعدي، الأستاذ الباحث في العلوم الجنائية، الذي قال إن “الحكم، خلال الفترة المذكورة، بـ1392 عقوبة بديلة يعكس أن القضاء بدأ يتفاعل مع هذا الاختيار التشريعي الجديد”؛ لكنه اعتبر أن “هذا الرقم يبقى مؤشرا على انطلاقة تدريجية أكثر منه دليلا على تحول واسع في السياسة العقابية”.

وأضاف باعدي، في تصريح لهسبريس: “تزداد هذه القراءة وضوحا إذا استحضرنا أن التنفيذ الفعلي ظل دون مستوى عدد الأحكام الصادرة، بما يجعل السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط كم حكما صدر؛ بل كم عقوبة بديلة استطاعت أن تنتج أثرها الكامل على أرض الواقع”.

وسجل الأستاذ الباحث في العلوم الجنائية أن “تنفيذ 838 مقررا تنفيذيا وما ترتب عنه من الإفراج عن 782 معتقلا يثبت أن العقوبات البديلة أسهمت عمليا في تخفيف جزء من الضغط على المؤسسات السجنية؛ لكنه يكشف أيضا أن هذا الإسهام لا يزال نسبيا، ولم يبلغ بعد مستوى الفعالية البنيوية التي كان يؤمل أن تحققها هذه الآلية”.

وبخصوص تسجيل 85 حالة إخلال أو امتناع عن التنفيذ، فقد برز للمصرح عينه أن “نجاح العقوبات البديلة لا يتوقف عند إصدارها؛ بل يقتضي مواكبة دقيقة تضمن احترامها وتمنع تعثرها”.

وخلص يونس باعدي إلى أن “من بين الحلول الأساسية تقوية التتبع العملي للمحكوم عليهم، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في مسطرة التنفيذ، مع إيلاء عناية خاصة للعقوبات التي تعرف صعوبات أكبر؛ وعلى رأسها الغرامة اليومية التي أشار الوزير إلى أن عددا من مقرراتها ما يزال في انتظار التنفيذ”.

المراقبة والجاهزية

عن ضعف اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية (15 عقوبة و10 مقررات تنفيذية)، فأورد باعدي أن “ذلك يعني أن هذا البديل لا يزال الحلقة الأضعف ضمن المنظومة الجديدة”.

ووفق الأستاذ الباحث في العلوم الجنائية، فإن “هذا الضعف لا يرتبط فقط بحداثة الآلية؛ بل يثير أيضا مسألة الجاهزية المادية وتوفر الموارد البشرية القادرة على ضمان التتبع والمواكبة والتنفيذ الفعلي”.

وبدورها، أكدّت نهاد أفقير أن “ضعف اللجوء إلى المراقبة الإلكترونية، التي تعد من أهم صور العقوبات البديلة وأكثرها قدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات الردع وضمان الحرية خصوصا حرية التنقل، يُعزى إلى عوامل عديدة؛ في مقدمتها الكلفة التقنية والمالية المرتبطة بتوفير أجهزة التتبع والمراقبة، إضافة إلى غياب بنية تنظيمية مكتملة قادرة على ضمان التتبع الفعلي للمحكوم عليهم”.

وشددت الأستاذ الجامعية المتخصصة في القانون الجنائي على أن “حداثة هذه الآلية تفسر نوعا من التحفظ في اعتمادها من لدن القضاء.

كما لا يمكن إغفال بعض الإكراهات المرتبطة بالمستفيدين أنفسهم؛ كغياب السكن القار أو ضعف البنية التحتية التقنية في بعض المناطق، فضلا عن محدودية الوعي المجتمعي بطبيعة هذه العقوبة التي لا تزال تُفهم أحيانا كبديل “مخفف” بدل اعتبارها نمطا حديثا للعقاب”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • مواطن
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:03

    جنا عاد بدبنا مزال يتقاد هادشي

  • حسن
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:13

    العقوبات البديلة يتم تطبيقها فقط عند دفع رشوى و في نظري وسيلة لاغتناء السريع و كلمة تحفظ ربما تكون لاسبباب قنونية و على وزارة العدل الاسراع في اخراج نصوص ملزمة بتطبيق العقوبات البديلة في اجل معقول ،لان المماطل تجعل المواطن يدفع الرشوة من اجل الاستفادة.

  • مسكين
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:19

    مسكين هذا الوزير جميع مشاريعه على طول هذه الولاية كان مصيرها الفشل

  • شاهد على غياب العدالة
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:39

    حينما يصبح القتل العمد بسبب التهور والسرعة الحارقة وسط المدينة رغم التشوير ولا يعتقل الجاني …فهذا يدل على غياب العدالة والتواطؤ …وخير دليل ماوقع في مدينة اوطاط الحاج في شهر يونيو 2025 حين تم قتل عون سلطة دون محاسبة. لتبقى دماءه في رقبة القاتل وكل من كان مسؤول على الإجراءات القضائية التي تمت ….

  • عبد المطلب
    الأحد 22 مارس 2026 - 12:47

    لابد من قانون یحدد بدقۃ من بامكانهم الاستفادۃ من العقوبۃ البدیلۃ,الذین لا ینطبق علیهم اسم مجرم,كأصحاب النفقۃ في حالۃ العوز یخدم مع البلدیۃ مثلا عوض اعطاے المال للصندوق و المعطلین والذین تكون في حقهم تهم التجمهر والتظاهر والاضراب واهانۃ موظف ….هولاے لیسوا مجرمین بل مطالبین بحقوق لا ینبغي اختلاطهم مع المجرمین.أما ترك الباب للبیع والشراے فأكید مول الشكارۃ یشري الحریۃ دیالو من عند القاضي بأي ثمن بدعوی العقوبۃ البدیلۃ

  • Aziz
    الأحد 22 مارس 2026 - 13:04

    وجب تقليص الى حد العدم السلطة التقديرية للقضاة ومراقبتهم بشكل لصيق ومراقبة احكامهم مادام لا يمكن ان يحضر jury الدي يمثل الشعب كما في الدول المتقدمة ليرى ويىاقب القاضي ..فلن ننعم بالعدل… كما وجب تطبيق من اين لك هدا ؟ لكل قاض ولدويه ايضا… و وجب رقمنة كل المعاملات مع المحكمة حتى يتقلص الى اقصى درجة لقاء المتقاضي و المحكمة

  • Mohamed
    الأحد 22 مارس 2026 - 13:42

    في مجتمع لا تُطبَّق فيه القوانين، يصبح الحديث عن “العدالة البديلة” نوعًا من الترف النظري. فالوساطة والتحكيم يقومان أساسًا على احترام الاتفاق، لكن عندما يغيب احترام القانون أصلًا، من يضمن تنفيذ هذه الاتفاقات؟

  • في الكسل الفكري
    الأحد 22 مارس 2026 - 16:43

    اتفق بشدة مع فكرة تقليص السلطة التقديرية للقضاة خاصة أن أغلب قضاة المغرب هم محافظون بما فيهم قضاة المحكمة الدستورية . المحافظة فيروس و كسل فكري يخترق حتى المحامين و الرميد خير دليل على ذلك !

  • عادل
    الأحد 22 مارس 2026 - 20:06

    في الوقت الذي ننتظر في زجر المجرمين بعقوبات رادعة نرجع الى الوراء بقانون عقوبات بديلة اتفق مع من يقول بتقليص سلطة القاضي في الحكم بالعقوبة ذلك انه يطغى كثيرا الحكم بعقوبة موقوفة التنفيذ في الوقت الذي يكون فيه الفعل خطيرا كالعنف ضد الاطفال او التهور في الطريق يجب العمل على استثناء جرائم خطيرة من العقوبة الموقوفة بقانون واضح.

  • مواطن مغرب
    الأحد 22 مارس 2026 - 20:58

    العقوبات البديلة بالمغرب تصطدم بتحفظ قضائي وفعالية بنيوية محدودة هذا مؤشر إيجابي لا يمكن فتح الباب على مصراعيه اكتظاظ السجون راجع إلى ضعف المراقبة الأمنية أولا و أخيرا مما يؤدي إلى التسيب و الإجرام في بعض البلدان الأجنبية لا توجد رحمة بالمجرمين على عكس ما نحن فيه رغم الحملات على الدراجات النارية لا تزال العربدة سيدة الموقف فانتهاء الحملات تعني حرية أكبر للمتهورين وهذا ما يؤدي إلى الجريمة بشكل غير مباشر أما محاولة تخفيف اكتظاظ السجون بالعقوبات البديلة ففعاليته محدودة

صوت وصورة
بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:39

بنعبد الله وبنسعيد يحددان الأولويات

صوت وصورة
بدون عنوان | العنف ضد الرجال
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 21:00

بدون عنوان | العنف ضد الرجال

صوت وصورة
الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 20:37

الحرس الملكي يستعرض الإرث بالجديدة

صوت وصورة
مراسيم تسليم السلط
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 19:34

مراسيم تسليم السلط

صوت وصورة
المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:41

المنصوري تعد ببرنامج حكومي طموح

صوت وصورة
مراسيم تعيين الحكومة الجديدة
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 16:26

مراسيم تعيين الحكومة الجديدة