الفيلسوف الألماني هابرماس والسلاح الأوروبي .. منعطف في عقل التنوير

الفيلسوف الألماني هابرماس والسلاح الأوروبي .. منعطف في عقل التنوير
صورة: أرشيف
الإثنين 4 غشت 2025 - 04:00

في مقال نُشر مؤخرًا في صحيفة “زود دويتشه تسايتونغ”، طرح يورغن هابرماس ضرورة تعزيز التسلح العسكري للاتحاد الأوروبي. يجادل الفيلسوف المرموق بأن على الاتحاد الأوروبي أن يثبت نفسه كـ”قوة عسكرية مستقلة” لحماية قيمه المعيارية الأساسية والحفاظ على وزنه الجيو-سياسي. هذه الأطروحة تمثل تحولًا ملحوظًا في فكر أشهر ممثلي النظرية النقدية، وتثير توترات نظرية عميقة.

يتناول هذا المقال التحول النظري الحاد في موقف الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس تجاه التسلح والسياسة العسكرية الأوروبية، كما عبّر عنه في مقاله الأخير بصحيفة “زود دويتشه تسايتونغ”. بعد أن اشتهر بدفاعه عن الديمقراطية التداولية ورفضه استخدام العنف وسيلة لحل النزاعات، يدعو هابرماس اليوم إلى تعزيز القدرات العسكرية للاتحاد الأوروبي لمواجهة التهديدات الجيو-سياسية، ولا سيما في ظل الحرب الروسية الأوكرانية.

من التداولية إلى سياسة القوة

لطالما عُرف هابرماس كمدافع عن نظام سياسي سلمي قائم على الديمقراطية التداولية واحتواء العنف عبر القانون الدولي. لكن مطالبه الحالية بتعزيز القوة العسكرية لأوروبا – دون التركيز الموازي على آليات الدولة القانونية والسياسة السلمية – تمثل تحولًا كبيرًا. فحل النزاعات لم يعد يُرى في الفضاء التداولي، بل في إطار إسقاط القوة الاستراتيجية. يطرح هذا التساؤل: هل أصبح العنف وسيلة مشروعة عندما تفشل العمليات التداولية؟

التناقضات المعيارية والواقع السياسي

قد يُعتَذر لهابرماس بأنه يستجيب لتحديات الواقع، خاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا. لكن يبقى السؤال: كيف يمكن لهذا التوجه العسكري أن يتماشى مع رؤيته الكونية لنظام قانوني عالمي؟ غياب موازاة واضحة بين التسلح والدبلوماسية يعيدنا إلى منطق القوة الذي طالما انتقده هابرماس نفسه.

التناقضات الاستراتيجية في الموقف من الحرب

تبرز إشكالية إضافية في دفاع هابرماس الضمني عن الحرب الأوكرانية. الاعتماد على الخيار العسكري وحده يتجاهل معضلات الحروب المعاصرة، مثل خطر الركود أو الاستنزاف. تصريحات فاليري زالوجني تؤكد أن روسيا لا تزال تملك القدرة على الهجوم. وهذا يثير تساؤلات حول غياب تصور معياري لخروج سلمي من النزاع.

بين الاستقلال الأوروبي والتبعية الأطلسية

دعوة هابرماس إلى سيادة دفاعية أوروبية تستدعي سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لأوروبا أن تصبح فاعلًا مستقلًا أم إنها تبقى تابعة للناتو؟ في ظل استمرار الاعتماد على القدرات الأمريكية في مجالات حيوية، يبقى مشروع الدفاع الأوروبي عرضة للتبعية. فمن دون تكامل سياسي أعمق، تبقى هذه المشاريع مجازفة غير محسوبة.

انزياح عن مشروع العقلانية السياسية

تمثل دعوة يورغن هابرماس إلى تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية انعطافًا إشكاليًا عن مشروعه الفكري الأصلي، لا سيما ما يتعلق بنظرية العقلانية التواصلية والسياسة التداولية. فبينما قام مشروعه الفلسفي على تصور السياسة بوصفها ممارسة عقلانية قائمة على الحوار العمومي، والتوافق المعياري، يبدو أن موقفه الجديد يفتقر إلى الربط المبدئي بين القوة والعقل السياسي، وبين الردع ومشروعية الفعل.

إن الاستجابة للتهديدات الجيو-سياسية، وإن كانت ضرورية، لا تبرر تقويض البنية المعيارية التي أسّس عليها هابرماس مفهومه للشرعية الديمقراطية. فالخطر الخارجي، بما في ذلك العدوان الروسي، لا يُعالج فقط من خلال منطق التسلح، بل يستدعي رؤية أمنية شاملة، تؤسس على التكامل بين الردع المشروع والدبلوماسية متعددة الأطراف، إضافة إلى الوقاية الاستباقية من النزاعات.

بهذا المعنى، فإن القطيعة بين دعوته إلى التسلح وبين مفهوم “السياسة العقلانية” تمثل انزياحًا عن طموحه الأصلي بجعل العقل هو مرجعية القرار السياسي. ما يتطلبه السياق الأوروبي الراهن ليس مجرد امتلاك أدوات القوة، بل هندسة أمنية قائمة على الشرعية التداولية، والانسجام بين الوسائل العسكرية والغايات السلمية. ففقط عبر هذا التكامل، يمكن الحفاظ على جوهر المشروع الهبرماسي، وتجنيب أوروبا الانزلاق نحو منطق استراتيجي محض يُفرغ السياسة من بعدها القيمي.

*باحث في جامعة أوسنابروك الألمانية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • يوسف ناوري
    الإثنين 4 غشت 2025 - 11:45

    أي عقلٍ هوَ؟ عقلٌ زكى من مكانهِ التنويري المزعوم جرائم إسرائيل في الفلسطينيين، وداس بنعال المصالح على قيم الفكر والإنسانية عندما اعتبر المجازر في غزة عملاً خيِراً من أجل السلام ومن أجل حق اليهود في أن يكونوا على تلك الأرض.
    يا لصلافة المنطق المزدوج، ويا لعارِنا في اتخاذِه نموذجاً لنداء التحديث والتغيير لأوطانِنا الخَرِبة

  • البرنوصي
    الإثنين 4 غشت 2025 - 14:06

    تاريخ بلاده الامبريالي الذي لا يؤمن إلا بالقوة والعنف يسيطر على روحه الأولى وتفكيره.
    كان يتكلم على السلمية في العلاقات لما كانت ألمانيا تسيطر على الاقتصاد الاوروبي وكانت العلاقات الدولية تجعلها تحت مظلة الحلف الاطلسي في توازن الحرب الباردة .
    الآن وقد أزيل الستار عن اختبائها وراء الأطلسي وبدأت تظهر علامات الركود على اقتصادها وانفظحت كيولاتها الجديدة اليمينية واليمينية العنصرية وأحست بالانزلاقة التي وقعت فيها عبر تأييدها لتسابح الدول المتاخمة لروسيا كأوكرانيا وانفظحت أيضا سياستها العنصرية ضد خصوم الصهاينة أي ضد المسلمين، تحولت الى بلد يتجه من جديد للتسلح بمبرر الخطر الروسي على أبوابها وتململ الوقاية الأمريكية لأوروبا.
    فيلسوف يعود بنفسه إلى الانتماء الرو حي، أكاذ أقول” الجيني السياسي” إلى استعادة القوة التي لا تكتفي بالدفاع ولكن التي يمكن لها من جديد السيطرة والتفوق وتخويف الآخرين .
    تاريخ الحضارة الغربية منذ النهضة التي عرفوها بفضل كبير لما حصلوا عليه من الحضارة الإسلامية ( أمازيغية، عربية، فارسية، كردية…) إلى يومنا هذا مبنية على الحروب فيما بينها والحروب على باقي دول العالم والابادات .

  • مغرربي
    الإثنين 4 غشت 2025 - 15:52

    فلاسفة إلى مزبلة التاريخ.
    فلاسفة ينظرون للفكر الغربي ظاهره الديمقراطية حقو ق الإنسان حقوق المرأة حقوق الطفل العدل المساواة .
    لكن هذه الحقوق تخص الغربي الابيض فقط ، حتى الغربي الغير الابيض في الغرب يعيش التميز سواء في العدالة أو الحقوق ولكن في الواجبات يطلب منه ما يطلب من الابيض .
    فاما الديمقراطية و التداول السلمي على السلطة يخص الغربي الابيض فقط .
    اما فلسطين غزة مصر تونس الجزائر … ما أن يقول الشعب كلمته حتى ينظر امثال هذا الشخص أن الديمقراطية لا تصلح لدول العالم الثالث ووجب التدخل بالعقوبات أو عسكريا لإرجاع الديكتاتورية التي هي في خدمة الغرب .
    لا حماس ولا اخوان ولا عسكر مع الشعب كل من يقف ضد الغرب ويرى مصلحة شعبه يجب إزالته حسب هذا الفيلسوف.
    حتى ما يحدث في غزة لا يعتبره محزة وجريمة حرب لا يعتبر أن الصهاينة عليه الدفاع عن أنفسهم حسب تعبيره .
    بلده وأوروبا الدين اظطهدوا اليهود وإخرجوهم من أوروبا أدلة ولم يفعل المسلمة أو الفلسطينين ذلك.
    كل ما يهم اوكرانيا أنا غزة لا نفاق وأسلوب قذر.

  • الغفاري
    الإثنين 4 غشت 2025 - 16:01

    يا ليث الكاتب أشار إلى ما كتبته أسبوعية دير شبيغل عن هذا المتفلسف، و رميه لكل ما كتبه منذ سبعة عقود و ارتماءه في أحضان بني أمه و إن غرقوا في دماء الأطفال.
    لكني أفهم حذر كاتب المقال

  • الحسن لشهاب
    الإثنين 4 غشت 2025 - 17:13

    في الواقع اذا كانت الحكامة التداولية وحدها القادرة على تحقيق الاستقرار الداخلي ،فان سياسة القوة هي وحدها الضامنة للاستقرار الخارجي ،لا توجد فلسفة تهمش دور سياسة القوة خصوصا مع غياب قانون دولي عادل و صارم يضمن و حدة و سيادة الدول ،و كون الفيلسون جد واع بعدم وجود قانون دولي يحمي اوروبا من الخارج،فهو بالطبع يطالب بتعزيز القوة الاوروبية الاسلحتية ،خصوصا مع تهديدات المعسكر الشرقي ،و الاهانات التي يقدمها المعسكر الغربي,منذ انتصاره بالحرب الباردة,,

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح