لكلِّ بيتٍ نافذةٌ ينفتح منها على العالم، وثُقبُ بابٍ يسْتطلعُ منه أهلُه وجْهَ القَادِمِ. غير أن الفُضُولَ، أيْ بلُغَتِنَا المغربية الجميلة والمعبّرة “التبركَيكْ”، يَقْلبُ وظيفةَ الاثنين: يُغلق النافذة التي تطل على القضايا الكبرى، ثم يُلصق عينه بثقب الباب ليراقبَ الجَارَ، ومَنْ دخلَ، ومن خرجَ، ولماذا تأخّرت البنتُ، ومن أوْصَلَ الابن. لا يسرقُ الفُضوليّ مَالَكَ، يسرقُ المسافةَ التي تجعلُكَ سيِّدَ حياتكَ، ثم يُوزعها على الحيّ بالتَّقسيط.
الفُضُولي، إذَنْ، صاحبُ مِهنة واسعة الاختصاصات: رأسُ ماله أذُن يقظة، وهاتفٌ مشحُون، ووقتٌ طويل لا يعرف أين يضعه. يفتتح كلامه دائمًا بالجملة التي تمنحه رخصةَ اقتحامِكَ: “أنا ما بغيتش ندخل فشؤون الناس”. ما إن ينطقها حتى يدخلَ في شؤونكَ كُلّها، مِن راتبِكَ إلى سَبب غِيابكَ، ومِن لوْنِ سَتائر بيْتكَ إلى النّية التي أخفَيْتَها عن نفْسك.
لا ينقلُ الخبرَ كما وجَدَه، يضيفُ إليه الملح والفُلفل وشاهِدَيْنِ لم يحْضرا، ثم يُقسم لكَ أنه يَكْرهُ “الهَدْرة الخاوية”. كما أنّ العائلة تُوفِّرُ لَهُ مقرًّا دائمًا، لذلكَ تتحوّل مجموعة الأسرة في الهاتف إلى وكالة أنباء لا تنام: مَن سافر؟ مَن اشترى؟ مَن تأخر في الإنجاب؟ مَن لم يرد على المكالمة؟ يبدأ الخبر بسُؤال عن الصحة، ثم ينتهي بتحقيق في الحساب البنكي.
وحين يرفض أحدُهم الإجابة، لا يحترم الأقاربُ صمْته؛ يفسِّرُونه بمَنْهجِهم الخَاصّ. يصبحُ الصَّمْت خِصَامًا، والغياب تكبُّرًا، والخُصوصية دليلًا على وجودِ فضيحَة لذيذةٍ لم تَنضجْ بَعْدُ.
حين يصبح الفُضول مؤسّسة
في السّياسة، يرتقي الفضول من هِواية فردية إلى أسلوبٍ في إدارة النّفوذ. لا يسأل الفُضولي: ماذا أنجز المسؤول؟ يسأل: مع مَن تناول الغداء؟ ومَن صفق له واقفًا؟ ومَن ظل جالسًا نصف ثانية أكثر مما ينبغي؟ يدخل الاجتماع وفي يده فكرة، ثم يخرج وفي جيبه لائحة بمَن هز رأسه، ومَن عبَس، ومَن ذكر اسم الرّئيس بحَرارة ناقِصَةٍ.
داخل بعض الأحزاب، يراقبُ الرّفيق رفيقه أكثر مما يراقب الحُكومة. يحصي طُول التّصفيق، ويرصد ترتيب المقاعد، ويفسِّر الغياب كما يفسر المنجِّمُ حركة الكواكب. هكذا يتحول التنظيم الذي جاء كي يجمع الناس حول فكرة إلى شبكة تجمع الأفكار عن الناس. يتحدّث الجميع عن الديمقراطية في القاعة، ثم يبدأ التحقيق في الممَرّ: شكون قال؟ شكون كان حاضر؟ وشكون ما عَجْبوشْ الحال؟
وفي مكان العمل، يرتدي الفضولي بطاقة موظّف ويحصلُ على مكتبٍ قريبٍ من آلة القَهوة. يعرفُ مَن تأخَّر سبع دقائق، ومَن خرج مع المدير، ومَن أرسل سيرته الذاتية إلى شركة أخرى، ومَن أغلق شاشة حاسُوبه حين دخل زميل. لا يطوِّر مهارته المهنية بقدر ما يُطوِّر جهاز رَادَاره.
وإذا اقترب موعد التّرقية، تحوّلت الاستراحة إلى غُرفة عمليات، وتحوَّلت المجاملة إلى استثمار، وتحوَّل كل خطأ صغير إلى مِلفٍّ ينتظرُ صاحبه اللّحظة المناسبة كي يفتحه. وقد يشجع المدير هذا السلوك حين يكافئ ناقلَ الأخبار ويُهمل صاحبَ الرّأي الصّريح. عندها يتعلَّم الموظفون أن الطّريق إلى المكتب الأعْلى لا يمرُّ عبر جَوْدَة العَمل؛ يمرُّ عبر جودة التَّقرير عن العامِلين.
وفي الأعراس، لا ترقُص الفُضولية كثيرًا، فالرّقص يَشْغلُها عن العمل. تَمسحُ القاعة بعينيها، تُحصي الذَّهبَ، وتُقدّر ثمن الطعام، وتُراقب مَن سلَّمتْ على مَن، ومَن تجاهلتْ مَن، ومَن ارتدت لباسًا يليقُ بها أكثر. تعودُ إلى البيت ومعها تقريرٌ يفوق تقرير مُنظم الحفل دِقّةً، ثم تبدأ التوزيع: العروس جميلة “ولكن…”، والعريس محترم “غيرْ هُو…”، والطعام لذيذ “كُونْ غير…”. لا يمنح الفضولُ فرحًا كاملًا، يتركُ دائمًا نافذة صغيرة يَدخلُ منها السُّمّ.
ومع المنصات الرقمية حصلَ الفُضولِي على ترقية تِقْنية. لم يعُد يحتاج إلى كرسي قرب النافذة، يحتاج اليومَ إلى هاتف وباقة إنترنت وإصبع لا يتعَب. يُراقب آخر ظهور، وعدد الإعجابات، ومَن تابع مَن، ومَن حذف صورة، ومَن أعاد نشر جملة غامِضة. يكبر الخبر من قلب أحمر، وتبدأ أزمة عائلية من متابعة جديدة، ويستخرجُ المحقِّق الرَّقمي من خلفيةِ صُورةٍ ما عجزت الشّرطة العلمية عن استخراجه من مسْرح جَريمة نَكراء.
ثقافة «شْكُون قال؟»
أصلُ الفضول الاجتماعي بسيطٌ وقاسٍ: نخافُ المواجَهة. لا نقول للإنسان ما نراه فيه؛ نقوله عنه. لا نسأله لماذا فعل؛ نسْتدعي غائبًا ثالثًا ونخترعُ معه الجَواب. لا نضعُ الخِلاف على مَائدة أصْحابه؛ نطوفُ به على مَوائد الآخرين. وهكذا، بدَل أن نَطرق بابًا واحِدًا ونُنْهي الحِكاية، نَطرقُ كلَّ الأبواب كي لا نَطرق البابَ الوحيدَ الذي يَعْنيه الأمْر.
هكذا يملأ الفضولُ الفراغَ الذي تركه الحوار، ويجد الجُبنُ في شؤون الآخرين اسمًا أكثر أناقة: المعرفة. فلا يواجهكَ بالحقيقة، بل يبني من حوْلك جمهورًا، ثم يتركُك آخرَ من يسْمعها. لهذا يمثل الفضولُ في العمق بوصلة أصابَها العَطب: عينٌ حادّة أمام البَاب المجاور، وعينٌ ناعَسةٌ أمام الشأن العام. ي
عرف الناس كلَّ شيء عن زواج فنّان، ولا يعرفون ما يكفي عنْ ميزانية الثّقافة. يتابعون خلافَ موظّفين، ولا يتابعون جودَة الإدارة. يحفظون تفَاصيل حياة المدرّس، ولا يسألون عن حَال المدرسة. يستهلكُ المجتمع طاقته الأخلاقية في حِراسة الأفراد، ثمَّ يتركُ المؤسسات تمشي من غير أسْئلة ثقيلة.
لا تكفي مَوعظة عن حُسن النّية لإيقاف هذه الصِّناعة. نحتاجُ إلى مُؤسسات تُقدّم المعلومة في وقتها، وصحافة تُفرّقُ بين الحَقّ العامّ وشهيّة الجُمهُور، ومدرسة تُعلّمُ الطّفل الأمانة من غير أن تحوّله إلى ناقِل أخبار، وأسْرة تحترمُ الحُدود، ومكانُ عملٍ يكافئ الصّراحة لا الوِشَاية. نحتاجُ أيضًا إلى شجاعة يومية بسيطة: قُلْ للإنسان ما تريد قوله عنه، واسأل صاحب القرار أمام الناس، ولا تجعل أذن شخصٍ ثالثٍ جِسْرًا بينكَ وبين مَن تختلفُ معه.
لاَ يسْرقُ الفُضُولي السِّر وحْده؛ يسرقُ الثِّقَة أيضًا. وحين تَضِيعُ الثّقَة، يُغلقُ كلُّ واحِدٍ بابه، ويخفضُ صوته، وينظر إلى أقربِ النّاس إليه كَأنَّهم أجْهزة تسْجِيل. عندهَا يبقَى الفُضولي وحْدهُ في الممرِّ، يحملُ أخبار الجَميع ولا يملكُ علاقةً حقيقية مع أحَدٍ. فالمجتمعُ النّاضج لا يعيشُ في الظلام، ولا يتركُ الفسادَ خلفَ الأبوابِ؛ يفتحُ نوافذَه عَلى الشَّأن العامّ، ويتركُ ثُقوبَ الأبواب بِدُونٍ عُيُونٍ.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديثٍ آخر.
مقال طريف وشيق حقًّا، وقد ذكّرني بظاهرة الفضول وما قد يترتب عنها بقصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح، كما وردت في القرآن الكريم.
فقد اشترط العبد الصالح على موسى عليه السلام ألا يسأله عن شيء حتى يُحدث له منه ذِكرًا، ومع ذلك ظلّ يستحمله مرة بعد أخرى، إلى أن بلغ الأمر مسألة المال. فقال موسى عليه السلام: «لو شئت لاتخذت عليه أجرا»، فكانت تلك هي النهاية، وقال له: «هذا فراق بيني وبينك».
ومغزى القصة، في تقديري، أن الفضول قد يُحتمل في بعض الأمور، وقد يتسامح الإنسان مع الأسئلة والتطفل إلى حدّ معين، لكن حين يتجاوز الفضول حدود الحياة الخاصة، ويصل إلى الأسرار المالية والذمة المالية للإنسان، فإنه يصبح فضولًا من نوع آخر، فضولًا لا يُطاق.
قلة الشيء مع كثرة الجهل و انعدام الوعي تؤدي ليس إلى الفضول بل إلى النميمة و التدخل في شؤون الغير ، وهذا هو حال المسلمين اليوم ، زد على ذلك الغيرة و المنافسة بين العائلات بل حتى مع الإخوة و زوجاتهن، هاداك دار ،هاداك قْرَ ،هاداك خدام ، المهم التبركيك و الحضية
سبحان الله الفضول هو صفة ذميمة في الإنسان عامة،وبوجه خاص فينا نحن دول العالم التالث….سبب الفضول هو الإبتعاد عن الدين،لأن العارف بالدين لايتلصص على الناس ولايتتبع عوراتهم ولايحشر أنفه فيما لا يعنيه…ظاهرة غريبة نعاني منها صباح مساء،هناك قوم لاعمل لهم ولاشغل الا مراقبة الناس،وإعداد تقارير مفصلة عنهم،لاتخاذها وسيلة لملء الفراغ ولتجاذب الحديث في المقاهي والأزقة والدروب،…؟!وبالتالي الدخول في الغيبة والنميمة!!!سؤال أطرحه مع نفسي كثيرا،لماذا الدول المتقدمة كل واحد مهتم بشؤونه،ولايكثرت للبقية من جيرانه أو عائلته أو أقاربه بخصوص وضعهم الإجتماعي،سواء فقراء أو أغنياء…؟!ونحن فئة مقوسة على فئة،والأقارب كالعقارب،والشارع مراقب،والازقة والدروب الجميع مراقب،الأعين في كل مكان سيما النسوة،تتبع الوضع24/24.هههههههه.البق مايزهق.لاحول ولاقوة الا بالله.قلة مايدار،هي من تجر الى مثل هاته السلوكات المشينة!!!!
مقال رااااائع وبديع وقضيته تهم المجتمع والثقافة والتربية
شكرا لكاتب المقال
التبركيك آفة اجتماعية والمقال أحاط بها بأسلوب شيق استمتعت بقراءته
تجدهن من بزوغ الشمس حتى غروبها وهن وراء شرفات ونوافذ البيوت. وعندما يقع امر ما كسرقة او جريمة. الكل ينفي انه لم يرى شيئا. واذا روا فلانة غريبة تدخل دار فلان او فلان غريب دخل دار فلانة. تجد أخبارهم وصلت للحمام والبقال والحلاق
ككل مرة نقرأ مقالات الأستاذ ونستفيد منها و نجد فيها دروسا وواقعية تعبر على ما نعيشه في مجتمعنا. والفضول يجمع التجسس على الغير والنميمة و الغيبة و البهتان و كلها صفات مذمومة.
الفضولي لا يعرف أين تنتهي أسئلته وتبدأ حدود الآخرين. يظن أن معرفة ما يخفونه حق له، فيفتش ويسأل ويتدخل حتى يصل إلى ما لا يعنيه. وخطورة الفضول ليست في كشف الأسرار وحدها، وإنما في أن الفضولي يفقد ثقة الناس كلما اقترب خطوة من مساحة لم يسمحوا له بدخولها.
الفضولي عندو موهبة عجيبة: كيدخل فموضوع ما عندو بيه حتى علاقة، وكيخرج منو عارف التفاصيل أكثر من مولاه
شكرا كاتب المقال عجبني هذ المقال
موضوع رائع أستاذنا لحجمري اسمح لي بهذه النكتة لنضحك قليلا:
قالو لواحد الفضولي المغربي: «خليك فحالك.»
جاوبهم: «واخا… غير قولو ليا شنو وقع باش نخليكم فحالكم!»