القري: نجاح صناعة كرة القدم بالمغرب يقدم درسا بليغاً للقطاعات الثقافية والفنية

القري: نجاح صناعة كرة القدم بالمغرب يقدم درسا بليغاً للقطاعات الثقافية والفنية
صورة: أرشيف
الجمعة 8 دجنبر 2023 - 04:00

يرى الباحث إدريس القري المتخصص في الجماليات البصرية أن قطاعي الصناعات الثقافية عموما والصناعات الفنية على وجه الخصوص، لا يواكبان “المسيرة التحديثية بنفس الإيقاع ولا بنفس القوة المتسارعة، التي تتسم بها القرارات والمشاريع التحديثية في البنيات الاستراتيجية ذات الأولوية”، بالبلاد.

ويقارن القري قطاع السينما وواقعه بقطاع كرة القدم ومنجزاته، منبها إلى ما أدى إلى نجاح هذا الأخير، ولعبه دورا مهما على المستوى العالمي، وتسويقه صورة المغرب.

ومع استحضار جانب الإمكانيات الضعيفة المرصودة لقطاعات الصناعات الثقافية والفنية، يقدّر الباحث أيضا أن هناك مشكلا تدبيريا في القطاعات الثقافية والفنية “من حيث الأفكار والعقلانية والبراغماتية، وشيء من غياب الشجاعة السياسية ومن صرامة المعايير في إسناد المهام والمسؤوليات”، مما يتطلب جعله يواكب المسيرة التحديثية للعديد من قطاعات البلاد؛ لأن “قطاع السينما يتموقع في قلب عالم الصورة ولا حاجة للتذكير بالأهمية الاستراتيجية اليوم التي تحتلها الصورة في الحرب والسلم”.

هذا نص مقال إدريس القري “درسُ صناعة كرة القدم لصناعة السينما بالمغرب”

توطئة:

تتطور المملكة المغربية كدولة وكمجتمع بشكل حثيث منذ حصول البلاد على الاستقلال عموما، ومنذ بضع عشاريات على وجه الخصوص.

يلاحظ الكثير من الدارسين أن مسلسل التحديث والعصرنة بالمملكة، كاستراتيجية بنيوية وشاملة، يسير بسرعات مختلفة. يرجع تعدد سرعات مسلسل التحديث إلى درجة أهمية القطاعات المستهدفة ضمن لائحة أولويات. وتتحدد لائحة الأولويات حسب الاستراتيجية المُتبنّاة، حيث تحتل البنيات التحتية والدبلوماسية والعلاقات الخارجية والأمن والدفاع أساسا، المكانة الأولى.

لا يعني ما سبق إهمال القطاعات الأخرى كالتعليم والصحة والإعلام والثقافة، بقدر ما يعني احتلالها مكانة تابعة، مقارنة بما تعتبره الدولة قطاعات حيوية وأساسية، تُشكل أساس التحديث والتّمْدِين والتنمية الشاملة، في ارتباطها باستمرارية الدولة القطرية، قويةً ومُستقرةً وقادِرة وحاضِنة.

جدير بالذكر أن الوضع الجيوسياسي العام للمملكة يتسم بالصعوبة وبعدوانية الجوار وبشح الموارد الطاقية والمائي… لكن الدولة العريقة والثابتة استطاعت تعويض ذلك بذكاء سياسي، وبقدرة ابتكارية وبشجاعة سياسية وبفطنة جيوسياسية، بّوأت المملكة مكانة قوة اقتصادية وسياسية وتجارية صاعدة، امتدادا لتاريخ عملي برهنت على إمكانية تجديده وتجدده، تحت قيادة رشيدة وإدارة حكيمة وثاقبة النظر الاستراتيجي.

ومع ذلك، فالملاحظ أن قطاعي الصناعات الثقافية عموما والصناعات الفنية على وجه الخصوص، لا تواكب المسيرة التحديثية بالإيقاع نفسه ولا بنفس القوة المتسارعة، التي تتسم بها القرارات والمشاريع التحديثية في البنيات الاستراتيجية ذات الأولوية.

قد يتعلق الأمر بالإمكانيات الضعيفة المرصودة لهذه القطاعات. لكن ألا يمكن القول أيضا بأن هناك مشكل تدبيرٍ من حيث الأفكار والعقلانية والبراغماتية، وشيء من غياب الشجاعة السياسية ومن صرامة المعايير في إسناد المهام والمسؤوليات؟

لندخل باب المقارنة الطريفة بين كرة القدم والسينما، وما تم إنجازه على مدار عشاريات في الحقلين، على الرغم من اختلاف طبيعة الحقلين وأهميتهما بالنسبة للدولة، بسبب قوة اشعاعهما وطبيعة الخدمات التي يؤديانها للدولة وللمجتمع معا، أيديولوجيا واجتماعيا وإعلاميا ونفسيا.

كرة القدم.

نعتبر المنتخب المغربي لكرة القدم، من منظور بنيوي، بمثابة “قاطرة” ترافقها عربات الفرق الوطنية المحترفة، مكونة بذلك قطار القوة الرياضية المغربية بين الأمم كرويا.

حقق منتخبنا الوطني نتائج قوية وعالمية، نرى أنها نتيجةٌ حتمِيةٌ كانت مُنتظرة بسبب عاملين اثنين:

يتمثل العامل الأول في تعامل “المُدبِّر المُفكر” للقطاع الكروي بالمملكة المغربية، بذكاءٍ وبمعايير الاستحقاق والإنجاز والفعَاليّة، مع طاقات خزان الشباب المُهاجر. يتعلق الأمر بجيل أبلى حسنًا في التحويل الإيجابي لتضحيات أجيال سبقته، عانت الأمرين في التأقلم وفي شق طريق بين ثقافتين إحداهما مُهيمنة، وثانيتُهما، وهي الثقافة التي حملها ويحملها المهاجرون، وهي واقعةٌ تحت سلطة الاستشراق البغيض.

الشروع في تشييد بنية تحتية لممارسة اللعبة في المملكة من شقين:

– شق نخبوي تمثل في الأكاديمية الملكية للمواهب الكروية بمجمع المعمورة، وبإمكانات احتضان ورعاية وتأطير وتدريب وتوجيه وازنة.

– شق جماهيري يتمثل في بنيات تحتية من ملاعب متنوعة في مختلف جهات المملكة، لكُمُ البحث عن تفاصيلها، تفتح المجال لِكَمٍّ هائل من الشباب والبراعم لتفتيق قدراتهم، باعتبار هذه الملاعب فضاءات ومنجما لاكتشاف واصطياد المواهب.

السينما

ماذا عن وضعية السينما الوطنية بالمقارنة مع حالة كرة القدم الوطنية، التي بلغت العالمية ليس فرديا ولا بالصدفة، بل جماعيا وبنيويا وبالتخطيط الاستراتيجي المتوسط والبعيد المدى؟

– ما الذي فعله “المُدبِّر المُفكر” في قطاع السينما منذ عشاريات- وبالضبط منذ تأسيس صندوق الدعم، باعتباره دليلا عمليا على تدخل الدولة ورغبتها في تأسيس صناعة سينمائية بالمملكة، في تعامله مع القدرات والمواهب الشبابية التي نجلبها من منجم المهاجرين، لصناعة السينما الوطنية، وما المعايير في ميادين الاتصال والتواصل والتأطير والاحتضان، التي بها تم بها التعامل مع هذا المنجم، الذي شكل منعطفا نوعيا في ميدان كرة القدم، ولم يشكل أي إضافة نوعية لحد الآن في ميدان السينما؟

لعل الجواب واضح في عدد الوافدين إلى ميدان السينما من الشباب المهاجر، وفي نوعية الأفلام التي ينتجونها ويضيفونها لمتن فيلموغرافيا السينما المغربية، وفي اللغط والثرثرة وأحكام القيمة الأخلاقية والمعيارية التي قامت حول أفلامهم.

أهم من كل ما سبق ومن المنظور البنيوى:

– ما البنيات التحتية التي تم تشييدها باعتبارها أساس أي صناعة سينمائية تستدعي بالضرورة دورة تجارية واستثمارية مالية كاملة؟

– هل من المعقول جعل أي قرار أو إجراء أو دعم للصناعة السينمائية المغربية فعّالا، في غياب شبكة قاعات كافية لرواج الفيلم السينمائي المغربي، ولاسترداده لتكلُفتِه ولتحقيقه أرباحا تمنح للجدوى الاقتصادية معنى ودلالة؟

لا يسير التوزيع لوحده ولو توفرت شبكة قاعات كافية، فللمواكبة بالتوزيع، وهو قطب الرحى، لا بد من الإعلام والتأطير والتأهيل والتكوين والتوعية والإنعاش، لفائدة السينما المغربية عموما كحقل فني وتعبيري اجتماعي وثقافي، وللفيلم المغربي بالتحديد باعتباره المادة الناتجة عن الصناعة الفنية، حامل الفرجة ومجسد نسق النجوم الذي لا نتوفر عليه لحد الآن بل على أفراد معروفين لكل سبب يمكن تخيله إلا الإنجاز الفني والعمق الفكري والقدرة الإبداعية المفكر فيها والقابلة للدفاع عنها.

إن قطاع السينما قطاع يتموقع في قلب عالم الصورة ولا حاجة للتذكير بالأهمية الاستراتيجية اليوم التي تحتلها الصورة في الحرب والسلم.

الرهان

يقبع الرهان الأكبر اليوم في عالم الصورة، حيث أضحت اليوم كما كانت بالأمس وستكون غدا، أداة “حرب” وآلية تنمية ووسيلة تواصل. في بلادنا ولحد الآن يبدو أننا تركناها لـ”أغنياء حرب” يكسبون منها ببُؤس، على حساب مجتمع لا يعي أهميتها، وفي ظل قطاع عمومي لم يتمكن بعد من استيعاب الفرق بين الوعي الشعبي والجماهيري السطحي بالصورة، ووظيفيتها وطبيعتها وخطورتها على المستوى التواصلي، وعلى مستوى تكوين الذوق والرأي العامين، وبين الوعي في الخطاب البصري، والمسخر له ولدلالاته لرسائله، لخدمة الاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة في مسيرتها التحديثية بالداخل والخارج.

نعلم جميعا أن تغييرا بنيويا، من منظور السياسات العمومية يحتاج وسائل وقرارات، ليست متوفرة لقطاعات الثقافة والتواصل كما هو الأمر متاح لكرة القدم، لكننا نثق في الآتي وفي بوادره الواعدة، في ما تحقق لحد الآن على قلته، وفي الوعود الآتية حسبما يبدو، لأن الوضع العام داخليا وخارجيا يتطلب ذلك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • ادريس الاول
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 04:49

    لما الدولة تكون جادة في إنجاح مشروع تستطيع أن تتغلب على كل الحواجز و كرة القدم خير دليل . ملاعب بالملايين مراكز دات جودة عالمية أطر متكونة رحلات مباشرة خاصة اجتماعات دولية وقارية للتاطير و النهوض بالقطاع . سؤالي لمادا لا نقوم بنفس المجهود في قطاع التعليم و الصحة . ام انهم قطاعات تانوية ؟ انشري هسبريس ليس المهم النشر و لكن الأهم انا بعض المغاربة يفكرون مثلي . شكرآ

  • سعد
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 06:48

    متى سننجح في محاربة المفسدين والبطالة وتحسين الوضعية الاجتماعية للمواطن. كرة القدم لم تكن يوما معيارا لنهضة الشعوب وتقدمها بل التعليم والصحة والعدل هم اساس تقدم الدول لذا نحن للاسف نحتل المرتبة 126 عالميا على مستوى التنمية البشرية الذي يشمل التعليم والصحة والدخل الفردي. الكرة لن تحل مشاكل البلاد. الدول تنهض بالصناعة والاقتصاد القوي

  • واحد
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 07:58

    الكرة خسرتو عليها الفلوس و قدرتو تمشيو بيها القدام اما التعليم جاكوم صعيب اودي الله ياخد الحق

  • رباطي
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 10:37

    واقيلا حنا معايشينش معكم على هذ الكوكب اشمن رياضة واش كتشوف منتوج البطولة الوطنية رديء غياب التنافسية سوء البرمجة والتحكيم النقطة المضيئة الوحيدة في البطولة هي الحمهور اصبحو يحاربونه

  • مهزلة التعليم والكرة.
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 10:50

    نجاح كرة القدم بميزانية التعليم طبعا، من العيب أن تدعي دولة في 2024 بأنها دولة في طريق النمو وهي تشرك ميزانية كرة القدم مع ميزانية التعليم، تكذب في فواتير وتكاليف قطاع التعليم لتمول قطاع الرياضة تمهيدا لتخدير العقول، وزير التلعيم يترك الأقسام والمدارس والمديريات ويزور مباريات كرة القدم لفئات سنية صغيرة جدا قصد أخذ صور…
    نحن لسنا ضد تفوق الرياضة المغربية، بل سعداء جدا بما حققه منتخبنا الوطني، لكن نريد فصل ميزانية الرياضة عن ميزانية التعليم لكي تتم محاسبة كل مسؤول حسب ما أنجزه في قطاعه.

  • صلاح
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 14:10

    لا نريد نجاح الكرة نريد نجاح الوطن اقتصاديا صناعيا نريد كفاءات تعليم تطبيب لكل مواطن كرة القدم موهبة و رياضة لكن بناء الوطن تخطيط و تنضيم نريد محاربة الرشوة التي نخرت قطاع الدولة و أرهقت الاقتصاد

  • الشلح
    الجمعة 8 دجنبر 2023 - 14:57

    كرة القدم المغربية وسمعتها الدولية ليست صناعة مغربية وانما صنعت بايدي الشباب المغربي الذي ازداد وتربى بين أيادي الغربيين خارج المغرب ، ولولا هؤلاء الشباب لما كنا قد تأهلنا أصلا لنلعب ادوار نهاية كأس العالم ،
    فما يقوله هذا القري كذب ودر للرماد في العيون ، لان مسؤلي الكرة المغربية لم ينتجوا او يحققوا اي تقدم للكرة المغربية بل سطوا على الإنجازات والمستويات الآتية من الخارج التي لمعت بلدنا امام العالم ، وهؤلاء المسؤولين سرقوا الإنجازات وتلبسوها كما يتلبس الجن جسد الأنسي ، وهذا كله نتيجة إنجازات في الفساد الذي نعاني منه

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 3

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 9

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق