المدرسة العمومية... أولا ودائما وأبدا

المدرسة العمومية... أولا ودائما وأبدا
الإثنين 18 دجنبر 2023 - 17:38

كشفت معركة رجال التعليم البطولية ضد “نظام المآسي” القناع عن حقائق صادمة ومرة ظلت محجوبة متوارية عن الأنظار طوال عقود عجاف شكلت العمر الحقيقي لأزمة منظومة التعليم المغربي، ولعل أهم هذه الحقاائق -في تقديري الشخصي المتواضع- ما يلي:

1- انعدام الإرادة السياسية في تغيير حقيقي يجفف الفساد من منابعه، ويستأصل خلاياه السرطانية المستشرية في كل أنحاء جسد منظومة التربية والتعليم، والدليل على ذلك هذا الكم الهائل من محاولات الإصلاح، ومشاريع إصلاح الإصلاح، التي تنتهي بتقارير وطنية ودولية تعترف بالفشل وبالفشل المتكرر والمضاعف.

2- ملفات الفساد المادي والإداري المتراكمة عبر مختلف برامج الإصلاح المتعاقبة، خاصة ما يتعلق بمشاريع البرنامج الاستعجالي 2009-2012 الذي أهدرت بين ثناياه مبالغ مالية تقدر بالملايير “44 مليار درهم”. إضافة إلى لوبيات الفساد المتنفذة في أعماق الوزارة، والمتحكمة في دواليبها، والتي يصبح الوزير معها مجرد دمية أو آلة يُتَحَكَّمُ فيها، وتكون ملزمة بتنفيذ الأوامر والتعليمات، وقد يُعْفَى أو يُعْزَلُ في أي لحظة من اللحظات.

3- أن المستهدف الأكبر من تمرير هذا النظام المشؤوم أساسا هو “المدرسة العمومية”، ولذلك بدت للعيان -في خضم هذه المعركة الشرسة- طَرَفا لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه، انطلاقا من حقيقة يستوعبها الخصم/الحكم جيدا مفادها أن تجويد معطيات ومقومات وأجواء المدرسة العمومية سيسحب البساط تلقائيا من تحت أرجل التعليم الخصوصي، وبمنطق المخالفة فإن الإساءة إلى المدرسة العمومية وتلويث أجوائها وخنق أنفاسها وتأزيمها حد الاختناق يعني بالضرورة إعطاء مزيد من الشرعية ومن الجاذبية والإشعاع لمؤسسات التعليم الخصوصي.

تنكشف أوراق التمويه تباعا، وتتهاوى أبراج الخداع سراعا، وتبدو الحقيقة المرة للعيان: “الصراع المحتدم بين المدرسة العمومية ولوبيات التعليم الخصوصي”، انقطع حبل الكذب، وأصبح لزاما على ذوي المروءات وكل ذوي الضمائر الحية أن يترافعوا بكل أوتوا من قوة عن “المدرسة العمومية”، لم يعد الأمر مجرد ترف لغوي أو فكري، إنها مسألة وجود، مسألة إما أن نكون أو نكون.

“المدرسة العمومية” هي الأصل الذي لا ينبغي التنازل عنه، “المدرسة العمومية” هي الجذر الذي يقوم عليها وجودنا والذي نستمد منه كينونتنا، إنها البساتين والحقول الممتدة التي احتضنت البذور الطيبة والشتلات المباركة التي أثمرت كفاءات دافعت باستماتة عن كرامة وعزة هذا الوطن، إنها العين الثرة التي طالما تدفقت مِيَّاها عَذْبَةً رقراقة بثت الحياة في كل شرايين هذا المجتمع، وبناء على ذلك فإن كل تهاون أو تساهل أو تجاهل لقضيتها يعني التنازل عن الحق في الوجود، وعن الحق المشروع في تحقيق الذات، وفي الانخراط الإيجابي في القيادة والسيادة وتحمل المسؤولية، وهذا ما تدعمه دعامات أربع على الأقل:

– الدعامة الشرعية:

تجسدها الكلمة النورانية “اقرأ” التي شكلت أول حلقة وصل بين السماء والأرض، ويجسدها الحديث النبوي الشريف الذي يحث على إلزامية التعليم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، وغني عن التذكير أن اقتناع المغاربة بالإسلام تم بعدما تسللت أنواره إلى أعماقهم، وبعدما اطمأنت قلوبهم إلى تعاليمه السمحة البعيدة عن كل غلو وتطرف، وبعدما تشبعت أفئدتهم بأخلاقه الربانية التي تمثلها الولاة الفاتحون رفقا وتسامحا وعدلا ورحمة.

– الدعامة الواقعية:

ظلت المدرسة العمومية مصدرا ثرا لتكوين أطر على مستوى عال من الكفاءة والفعالية والإيجابية، أطر أعطت أروع الأمثلة في البذل والعطاء والبناء والوطنية الصادقة، تكفي العودة إلى تاريخ المغرب القريب غداة الاستقلال للتأكد من هذا المعطى، فقد استطاعت المدرسة العمومية أن تمد المجتمع بالوزراء والسفراء والعلماء العاملين، كما استطاعت أن تؤطر وتكون نخبة من الأطباء والمهندسين والقضاة والمحاميين ورجال التعليم الذين أعطوا ألف برهان على عظمة وشرف ونزاهة ورفعة التعليم العمومي، ولم يقتصر الأمر على الكفاءة العلمية فقط، بل إن المدرسة العمومية كانت فضاء للتشبع بقيم الاستقامة والجدية والنزاهة والعفة والفاعلية والإيجابية، فاستحقت بذلك أن تكون مركزا لتكوين المفكرين والزعماء السياسيين والنقابيين الذين لعبوا أدوارا طلائعية في التأطير السياسي وفي الاحتجاج النقابي…

– الدعامة الدستورية:

نص الدستور المغربي على دسترة الحق في التعليم من خلال مقتضيات الفصول 31 و32 و33 و168 من دستور 2011 بقوله في الفصل 31: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من الحق في… الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة”؛ إذ جعل هذا الحق مقرونا بالحقوق المرتبطة بالعلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.

وإذا تصفحنا الفقرة الأخيرة من الفصل 32 من الدستور المغربي نجده يؤكد صراحة على هذا الحق بقوله: “التعليم الأساسي حق للطفل وواجب على الأسرة والدولة”.

– الدعامة التاريخية:

تحدثنا كتب التاريخ المغربي أن حضور مؤسسات التعليم العمومي أمر ثابت في هذه الأمة منذ أقدم العصور، فقد حاز المغرب شرف احتضان أقدم جامعة في العالم )جامعة القرويين( “245ه/859م” التي فتحت أبوابها في وجوه طلبة العلم الوافدين إليها من كل المدن ومن كل المداشر والقرى بغض النظر عن انتماءاتهم الطبقية أو العرقية فأعطت بذلك أجمل صور الاندماج بين الجامعة والمجتمع، هذا الاندماج على بساطته الظاهرية مكن المغرب -كما يقول الدكتور محمد الكتاني- من الحفاظ على سيادته واستقلاله السياسي اثني عشر قرنا بموازاة مع دول الخلافة، فقد عايش المغرب دول الخلافة ولم يخضع لها، حافظ على مبادئ الإسلام على الرغم من التطورات التي عرفتها الدولة العباسية والدولة العثمانية وسقطتا في وقت واحد بفارق 12 سنة، دخلت الحماية إلى المغرب سنة 1912، وسقطت الدولة العثمانية سنة 1923.

إن أهداف السياسة التربوية الإسلامية في المغرب خلال 12 قرنا هي التي حققت للعالم الإسلامي والمغرب على الخصوص هذه النتائج، وضمنت له كل هذا الاستقلال وخاصة ما يتعلق بجامعة القرويين.

– الدعامة الوطنية:

كان تعميم التعليم على جميع الأطفال البالغين سن التمدرس (6-7 سنوات) واحدا من المبادئ التي رفعتها الحركة الوطنية بعد الاستقلال، فبالإضافة إلى المبادئ: التعريب والمغربة والتوحيد.

وإذا كان مبدآ “المغربة” و”التوحيد” قد عرفا طريقهما إلى التنفيذ واقعيا، فإن الجدال مازال محتدما حول مبدأي “التعريب” و”التعميم” بحكم حساسيتهما المفرطة، وبحكم ما يطرحانه من تحديات فكرية وحضارية واستراتيجية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، يرتبط مبدأ “التعريب” بحرب اللغات أو ما يعرف بالسياسة اللغوية، أما مبدأ “التعميم” فيحيل بالضرورة على ما يشكل موضوع الساعة بامتياز، فرض الرسوم على المتمدرسين الذي يعني بالضرورة وضع حد لما يعرف بـ “مجانية التعليم”، وهو الأمر الذي يشكل مستجدا مثيرا لأكثر من علامة استفهام، فلم يكن ثمة من يجرؤ على التفكير -على الأقل بصوت مرتفع- في فرض رسوم في أي سلك من أسلاك التعليم خلال عقود الخمسينات والستينات والسبعينات والثمانينات، بل بالعكس كانت المنحة معممة على جميع الحاصلين على البكالوريا، وهي المنحة التي اعتبرت في كثير من الحالات بمثابة إعانة اجتماعية، إذ كان الكثير من الطلبة يقتسمونها مع أسرهم وعائلاتهم.

لا بد من تأكيد حقيقة أن التفكير في “التخفيف” من ميزانية الدولة من أجل وضع حد لـ “مجانية التعليم” تفكير غير واقعي بالمرة، لأن الجماهير العريضة من الشعب تعيش تحت خط الفقر، تصارع من أجل لقمة العيش ومن أجل كسب ضرورات المعيش. ولذلك فإن المطلوب حقا هو التطبيق الفعلي والصارم لظهير إجبارية التعليم الصادر منذ أزيد من ثلاثين سنة.

إن التخفيف من وطأة “مجانية التعليم” على ميزانية الدولة، يمكن أن يتم بوسائل ممكنة ومتعددة، يسوقها المرحوم الدكتور محمد عابد الجابري كما يلي:

– التخفيف عن هذه الميزانية من وطأة “مجانيات” أخرى تثقل كاهلها، مثل التهرب من أداء الضريبة بألف وسيلة خصوصا من جانب “الكبار” و”كبار الكبار”.

– التخفيف من النفقات غير المنتجة، سواء على مستوى الدولة أو مستوى الجماعات المحلية، واعتماد سياسة التقشف في ما لا مردودية له.

– تجهيز القطاع الخاص، خصوصا البنوك والشركات والمعامل، على النفقة في ميدان التجهيز بالتعليم مقابل نوع من الإعفاء الضريبي.

– إحداث ضريبة تضامنية خاصة بالتعليم على الكماليات من دخان ومشروبات وعطور وسيارات فارهة.

خلاصة القول إن معركة الشغيلة التعليمية -غير المسبوقة- معركة من أجل إسقاط نظام يسعى مهندسوه إلى الإجهاز التام على الحقوق والمكتسبات، وإلى تحطيم رمزية رجل التعليم، وتجريده من كل رصيده القيمي والأخلاقي والفكري، بل يسعى إلى استعباده وتكبيله بالمهام المضاعفة من جهة وبالعقوبات الرادعة من جهة أخرى. إنها معركة من أجل الحفاظ على كينونة وحضور “المدرسة العمومية” التي كانت المحضن الذي تخرج منه قامات سامقة، تركت بصماتها في كل مجالات حياة هذا الوطن الذي لن يتحرر من أسر التخلف والتبعية والذيلية إلا إذا تحرر أبناؤه من الجهل ومن الأمية بمختلف صورها ومشاهدها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عامر
    الثلاثاء 19 دجنبر 2023 - 21:01

    مات التعليم العمومي
    جيل كامل ضاع بسبب حسابات سياسوية
    على الحكومة كراء المدارس العمومية للخواص
    ودفع لكل تلميذ ممدرس الف وخمسمائة درهم شهريا لتمويل الدراسة في مدارس حرة (تكلفة ان تكون اكبر من نصف ميزانية التعليم)

  • فريد
    الأربعاء 20 دجنبر 2023 - 06:24

    ما تعيشه المدرسة العمومية اليوم هو نتاج ماضيها،والسلف يترك للخلف.الحكومة ليست لديها حلول كثيرة خصوصا بعد أسابيع من الإضرابات والحوارات التي أنتجت كل شيء ولم تنتج أي شيء،لأنها تساهلت مع تفريخ مختلف التنسيقيات التي لا وجود قانوني لها، هاته التنسيقيات حولت الصراع مع التلاميذ،لأنه صراع مع التلميذ وليس مع السلطة،إلى عصيان مدني، وليست هناك إختيارات كثيرة لحل المشكل: البداية بحل التنسيقيات ومتابعة كل من يدعو إلى الإضراب خارج الإطار النقابي، كل من لم يلتحق بمدرسته يطرد.

  • متابع
    الأربعاء 20 دجنبر 2023 - 15:27

    أين مواطن واحد حر يسائل الوزارة عن ميزانيات ضخمة هي من ضرائبه التهمت بدعوى إصلاح التعليم ولم يحاسب عليها أي وزير .
    هذه هي الحكاية التي دمرت المدرسة العمومية وليس إضراب رجال التعليم .
    فالحكومة ترفض هذه الإضرابات لأنها تخاف أن تجر عليها المساءلة .
    لماذا وزارة التربية الوطنية والرياضة تنفق أموالا طائلة ملايير الدراهم بلا حساب على بناء الملاعب بينما يدرس التلاميذ في أقسام بنيت منذ السبعينات؟

  • Amaghrabi
    الأربعاء 20 دجنبر 2023 - 18:13

    صراحة فكرة المعلق رقم 1 في اعتقادي جيدة جدا بحيث من الافضل للدولة ان تسلم المدارس للخواص وتستفيد مثلا ب 20 في المائة من الارباح وتؤدي الواجبات الشهرية على الفقراء ليدرسوا في هذه المدارس التي اصبحت خاصة وبدون شك سترتاح الدولة ماديا ومعنويا وتهتم بالشؤون الاجتماعية الكثيرة التي تنتظرها على الدوام.واقول هذا رغم انني اعلم ان الدولة لها رأي اخر

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 2

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل