استحواذ تاريخي غير متوقَّع
الحادثة التي سأرويها هنا عرضتُها لأول مرة في البرنامج الثقافي التلفزيوني “كان يا مكان” الذي بثته القناة المغربية الثانية 2M في غشت 2024. وهي تتعلق بواقعة استحواذ غير متوقَّع اكتشفتُها أثناء بحثي في الأرشيف القنصلي المخطوط والذي يتضمن المراسلات القنصلية الخاصة بجوزيف دي ماريا، نائب القنصل البلجيكي في مازغان، الذي شغل هذا المنصب من 17 يونيو 1887 إلى حين وفاته في 5 مارس 1918.
وقد مكنتنا هذه الوثائق من كشف خبايا قضية مثيرة للاستغراب. فقد آل سجلان مخطوطان من أرشيف دي ماريا، فيما بعد، إلى الفرنسي أندري أديغار دي غوتري، الذي كان وكيلاً قنصلياً ما بين 10 فبراير 1936 و1939. ويغطي السجل الأول الفترة الممتدة من 22 نوفمبر 1886 إلى 28 نوفمبر 1904، بينما يشمل السجل الثاني الفترة من 2 يناير 1912 إلى 27 يناير 1919. ففي سنة 2006، سلمتْني ألين كوزينيري-أديغار، ابنة أندري والمقيمة في مراكش، هذين السجلين من أجل الاستفادة منهما في أبحاثي ضمن مشروع «دفاتر الجديدة». وحتى يستفيد من هذه الوثائق باحثون آخرون فقد وضعْتها بدوري، يوم الخميس 21 يوليوز 2022، إلى جانب وثائق أخرى، لدى مؤسسة “أرشيف المغرب” في الرباط.
لقد لعبت مدينة الجديدة مازغان، بفضل مينائها وثروات مجالها الخلفي، دوراً مهماً في انفتاح المغرب على العالم الخارجي. وأفرز هذا الانفتاح نشاطاً تجارياً وبحرياً مكثفاً، تجسد في إنشاء فروع للاستيراد والتصدير وخطوط بحرية وبنوك ووكالات قنصلية أجنبية.
وخلال الفترة الممتدة من 1820 إلى 1960 استقرت بالمدينة نحو ثلاثين قنصلية أوروبية وأمريكية. وقد عُيِّن فيها وكلاء قنصليون أوروبيون لتمثيل بلدانهم (انظر كتابي “مازغان: قرنان من التاريخ القنصلي”،2011). كما افتُتحتْ وكالة قنصلية بلجيكية سنة 1857، غير أن بلجيكا قررت سنة 1868 رفعها إلى مستوى نيابة قنصلية. وفي 30 يونيو 1868 عُيِّن فيليكس إدوار-غيوم جوزيف ديغان أول نائب قنصلي لبلجيكا بالجديدة.
وكان هذا الأخير قد أسّس أيضاً داراً تجارية باسم “ديغان وجورج”. وظل يمارس مهامه إلى أن غادر المدينة نهائياً سنة 1879، بينما آلت مُمتلكاته الكائنة بالحي البرتغالي، ومن بينها منزلان، إلى الأخوين ريدْمان من أصل بريطاني على سبيل الكراء.
بعد وفاة فيليكس ديغان في مدينة أنفرس ببلجيكا سنة 1889، عيّنتْ زوجته، السيدة ديغان، مُسيرا للممتلكات واستمرت في الاستفادة من مداخيل الإيجار. غير أن المشكلة التي ظهرت لاحقاً كانت التالية: كيف استطاعت هذه السيدة أن ترث المسقاة البرتغالية المشيدة في القرن السادس عشر، الكائنة تحت عقاراتها، وأن تحوّلها إلى حفرة ضخمة للصرف الصحي؟ لقد استمرت هذه الحالة من الاستحواذ غير المسبوق ما يقارب ثلاثين سنة، أي منذ وفاة زوجها إلى غاية سنة 1915.
ومن خلال قراءة هذه الأرشيفات يتضح أن هذه القضية بدأت تظهر في المراسلات القنصلية ابتداءً من فاتح دجنبر 1887، حين كتب جوزيف دي ماريا إلى الوزير البلجيكي المقيم في طنجة، قائلاً: “تنفيذاً لأوامركم سلّمتُ للسيد مورتيّو (النائب القنصلي الإيطالي) مفتاح منزل ديغان وكذلك الوثيقة الموقعة من طرف أرملته والمصادق عليها من طرف معاليكم”. كما ردّ أيضاً على رسالة طُلب منه فيها «إبداء رأيه حول مقدار الزيادة التي يمكن فرضها على مستأجري عقارات السيدة ديغان دون أن يؤدي ذلك إلى إفراغها”.
وكان النائب القنصلي قد تسلم وثائق الديون المتعلقة بتركة ديغان، وكذا رسالة من وزير الخارجية المغربي موجهة إلى عامل الجديدة. وكانت تلك الأملاك عبارة عن مساكن خاصة، غير أن النائب القنصلي البلجيكي وقد كُلّف بتحصيل مستحقاتها، واجه صعوبات في استخلاصها من بعض المستأجرين الممتنعين عن الدفع.
واستمرت قضية الكراء إلى غاية أبريل 1888، عندما أمرت المفوضية البلجيكية في طنجة جوزيف دي ماريا بمطالبة زميله ألفريد ريدمان، نائب القنصل البريطاني في مازغان، بما تبقى من عائدات الإيجار لفائدة السيدة ديغان. وتبين حينها أن هذه الأخيرة كانت قد رهنتْ جزءاً من أملاكها لفائدة شخص يدعى شارل موردوك من آسفي.
وقبل ذلك كانت تلك العقارات قد أُدرجت في رأسمال إرنست جورج عند تأسيس شركة “ديغان وجورج”، واستمر نشاطهما التجاري إلى حين وفاة هذا الأخير سنة 1879. وكان الرهن قد أُبرم مع ريدمان. وعند تصفية الشركة قدّم ديغان دفاتره إلى ألفريد ريدمان الذي منحه، بعد فحصها، شهادة مطابقة تُثبت أن العقارات أصبحت ملكاً لمواطن بلجيكي وأن اقتناءها تم بموافقة السلطة البريطانية.
وتواصل تبادل المراسلات إلى غاية 12 غشت 1888، إذ كتب دي ماريا:
“يشرفني أن أخبركم بأن ألفريد ريدمان سلمني حساب عائدات أملاك السيدة ديغان المستحقة إلى غاية 31 يوليوز الماضي، وكذلك الرصيد المتبقي منها. وقد أطلعتُ السيدة ديغان على الأمر”.
ولعدة سنوات، بعد ذلك، اختفت الإشارات إلى هذا العقار إلى غاية 30 دجنبر 1903 عندما كتب دي ماريا إلى جوزيف برودو، الوكيل القنصلي الفرنسي في مازغان، ليسلمه رسالة من السيدة ديغان تشتكي فيها من مستأجرها إسحاق برودو.
ومع فرض الحماية الفرنسية على المغرب سنة 1912 أخذت الأمور منحى جديداً. فقد أُقيمتْ إدارة محلية وبلدية حديثة، وعُيّن الطبيب فريدريك فايسغيربر مراقباً مدنياً في مازغان. وأشرف هذا الأخير على ترميم المباني وتنظيم حفريات أثرية في المدينة البرتغالية. وبحسب المؤرخ لوران فيدال في كتابه “مازغان، المدينة التي قطعت الأطلسي”، الصادر سنة 2005، فإن جوزيف غولفن، الحاصل على الدكتوراه في القانون ومساعد رئيس المصالح البلدية بالمدينة، كان المحرك الرئيسي لهذه العملية الواسعة. وقد لاحظ المسؤولون المحليون أن المسقاة البرتغالية المغلقة والمستعملة كمجرى للصرف الصحي أصبحت مشكلة للصحة العامة. فكان لا بد من معالجتها. وهكذا، في 12 دجنبر 1915 حضر رئيس المصالح البلدية إلى المنزل الذي يشغله الدكتور لابورد، المملوك للسيدة ديغان، من أجل وضع اليد على المسقاة الموجودة في الطابق الأرضي. وكان مرفوقاً بغريق العمال وبقارب صغير للنزول به إلى داخل المسقاة.
وفي عين المكان طالب نائب المالكة بإبراز موافقة السيدة ديغان، غير أن رئيس المصالح البلدية رد عليه بأن المسقاة ملك للمخزن، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى إذنها.
وفي 18 دجنبر 1915 بعث النائب القنصلي الفرنسي في مازغان رسالة إلى جوزيف دي ماريا أوضح فيها أن “الصهريج بُني في زمن الاحتلال البرتغالي، فوق موقع القلعة، كما يدل على ذلك نوع المواد التي شُيّدت بها أقبية البناء. ومن المؤكد أنه كان في الأصل ملكاً جماعياً، وعلى السيدة ديغان أن تثبت أنه عندما اشترت المباني التي تعلوه قد اقتنت أيضاً المسقاة. ذلك أنه يوجد تحت بيوت يملكها عدة أشخاص، وبالتالي يمكن لكل واحد منهم أن يدّعي جزءاً منه. وعلى كل حال، فعلى السيدة ديغان أن تدلي بسندات ملكيتها”. وكان الأساس القانوني لهذا الطرح هو أن ملكية الأرض وإن كانت تشمل ما فوقها وما تحتها، فإن المسقاة لا يمكن اعتبارها جزءاً من باطن الأرض، لأنها تحتوي على منشآت أقيمت لخدمة المصلحة العامة، وبالتالي فهي ملك جماعي وليس فردياً.
وأوضح رئيس المصالح البلدية أن القرار الذي اتخذه لا يعدو أن يكون تنفيذًا لمشروع صحي تأجل سابقاً. إذ إن مياه المسقاة كانت تشكل بؤرة لتكاثر أعداد هائلة من البعوض، فضلاً عن أن بعض المنازل كانت تصرف مياهها المستعملة فيه، مما أدى إلى تكوين بؤرة تلوث قد تشكل خطراً حقيقياً على الصحة العامة.
وفي 22 دجنبر 1915 اجتمعت لجنة الصحة في مازغان وحررت محضراً رسمياً، حيث ناقشت حالة المسقاة غير الصحية الملاصقة لمجموعة من المنازل التي كانت السيدة ديغان تدّعي ملكيتها. وقد أجمعتْ اللجنة على ضرورة الشروع فوراً في الأشغال اللازمة لتفريغ المسقاة وتنظيفها «دون التوقف عند اعتراض السيدة ديغان، على أن يُفصل في ادعائها عبر المساطر القانونية”.
وقد أخبر جوزيف دي ماريا القائم بالأعمال البلجيكي في طنجة بهذا القرار في رسالة بتاريخ 31 دجنبر1915. وبعد أقل من شهرين أُنجزت الأشغال. وتكشف الأرشيفات أن النائب القنصلي قام في 7 فبراير 1916 بزيارة عقارات السيدة ديغان ولاحظ أن الدكان المكتَرى لموسى بنعطار أصبح فارغاً، بعدما أجبرت البلدية المستأجر على مغادرته لمدة ثمانية أيام لإنجاز الأشغال. وقد فُتح ثقب في جدار الدكان أُدخلت عبره مضخة ميكانيكية لتفريغ المياه. وهكذا نفهم اليوم أصل الرواية الشائعة التي تزعم أن بنعطار هو الذي اكتشف المسقاة عندما كان ينوي إجراء أشغال في دكانه، بينما الحقيقة أن البلدية هي التي قامت بالأشغال.
وقدم جوزيف غولفن، نائب رئيس المصالح البلدية في مازغان، تفاصيل هذه العملية في كتابه “مازغان إبان الاحتلال البرتغالي”، الصادر في باريس سنة 1917، حيث أوضح أن أسباباً صحية دفعت رئيس المصالح البلدية إلى تنظيف المسقاة التي تحولتْ إلى مجمع لمياه الصرف الخاصة بسكان الحي.
وعندما بدأت الأشغال في 23 يناير 1916 كان لا بد من تصريف كتلة مائية تبلغ نحو 2.500 متر مكعب، إضافة إلى إزالة طبقة سميكة من الطين الأسود المختلط بالحجارة والنفايات. وانتهت عملية التنظيف في 30 أبريل بعدما استلزمت 997 يوم عمل، و2.300 عربة لنقل المخلفات، أي ما يقارب 1.150 متراً مكعباً.
وتشير الباحثة دونيز فاليرو في كتابها “تاريخ المآثر البرتغالية بالمغرب” الصادر بالدار البيضاء سنة 1952، إلى أن البلدية اضطرت إلى القيام بأعمال تنظيف واسعة قبل أن تكشف للزوار جمال هذا المعلمة المخفية.
ومع ذلك ظلت المسقاة مغلقة إلى حدود عشرينيات القرن العشرين، وكانت زيارته تتطلب ترخيصاً من مفوضية الشرطة.
كما تذكر الكاتبة السويسرية غريت آوير، التي عاشت في مازغان بين 1898 و1904، في سيرتها الذاتية بالألمانية، الصادرة في برلين سنة 1995، أن زيارة المسقاة، في زمنها، كانت شبه مستحيلة، إذ لم يكن الوصول إليها ممكناً إلا عبر حديقة البعثة الفرنسيسكانية، ولم يكن يُرى من داخلها سوى منظر موحل، كما أن الفتحات التي كانت تستعمل لضخ المياه أُغلقت لاحقاً بسبب الروائح الكريهة المنبعثة منها.
وإذا كانت المسقاة قد استُرجعت لصالح الدولة منذ 1916 وصُنّفت معلمة وطنية منذ 1919، فإن عقارات أخرى مرتبطة بها كانت في ملكية أرملة ديغان وأجانب آخرين، ستتعرض لاحقاً لنزع الملكية بقرار وزيري صدر في 20 دجنبر 1943. ويتعلق الأمر بالقاعات المقبّبة المجاورة للمسقاة التي جرى تحويلها لاحقاً إلى متحف. وكان مالكوها من الأوروبيين الذين أقاموا في مازغان منذ القرن التاسع عشر وهم ورثة أرملة ديغان، وورثة كارارا، وورثة إلياس بوتلر.
أما المسقاة فهي قبو واسع يُعد تحفة معمارية خالصة من الطراز القوطي-المانويلي. وقد سحرت هذه المعلمة عدداً من الفنانين العالميين، واستُخدمها المخرج الأمريكي أورسن ويلز، سنة 1949، لتصوير فيلمه “عطيل” المقتبس عن مسرحية وليام شكسبير.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.