المغاربة والأوبئة بعيون طبيب فرنسي

المغاربة والأوبئة بعيون طبيب فرنسي
السبت 26 فبراير 2022 - 01:37

في سياق وباء كورونا الذي باغث العالم -برمته- على حين غرة منذ شتنبر عام 2019، لاحظنا عودة جماعية من قبل الباحثين والمثقفين والإعلاميين وغيرهم، إلى تاريخ الأوبئة والأمراض. على أن هذه “العودات” لم تكن بغاية المتعة والتسلية وتمضية الوقت، في إطار الفراغ الذي حتمته الإجراءات الاحترازية لمجابهة وباء كورونا، ولكنها “عودات” حتمية ومفروضة، بقصد قراءة واكتشاف مختلف الأوبئة التي ضربت البشرية على مر التاريخ، وذلك بغاية فهم طبيعة تلك الأوبئة، وأنواعها، وخطورتها، وكيفية انتشارها، وتوزيعها الزمني والجغرافي، ثم خسائرها المترتبة بشريا واجتماعيا واقتصاديا وسيكولوجيا. ومن هنا تبينت أهمية تلك المقولة التي طالما دافع عنها أهل التاريخ وهي أن “التعرف على التاريخ شرط لفهم الحاضر واستشراف المستقبل”. لهذا، فقد شكل التاريخ، زمن كورونا، “قاعدة بيانات” لدى الباحثين والأطباء ورجال الدين وعامة الناس، لأخذ فكرة عن الأوبئة عموما، وكيفية التعامل مع وباء كورونا على وجه التحديد.

لقد تميزت الأوبئة عبر التاريخ بطابعها “المعولم”، بمعنى أن هذه الأخيرة لم تكن لتنحسر في دولة أو قارة دون أخرى، بل كانت ما إن تظهر في منطقة ما، حتى تنتشر في جميع بقاع المعمور. والسبب في ذلك، المواصلات والمبادلات التجارية التي كانت تتم بين المناطق، إذ نشير على سبيل المثال لا الحصر، أن الطاعون الأسود ظهر في الصين خلال القرن 14م، ومنها انتقل إلى إيطاليا ثم أوروبا عبر السفن التجارية، علاوة عن الرحلات الحجية بالنسبة للمسلمين، التي كانت تنقل الوباء من المناطق الموبوءة إلى مواطنها الأصلية. والنموذج هنا المغرب، الذي غالبا ما كان يكتسحه الوباء عبر الحجاج المغاربة العائدين من المشرق، حيث يتفشى أولا في المناطق الشمالية والساحلية، ثم يعم باقي المناطق الداخلية حتى تصبح البلاد موبوءة بالكامل.

وبالمجمل، فقد شكلت الأوبئة ثابتا من الثوابت والتحديات التي لازمت تاريخ المغرب، والتي كانت تضربه بصفة دورية ومتلاحقة، بحيث ما يكاد ينعم بفترة راحة قصيرة (لا تتجاوز أحيانا سنتين) حتى يعاوده الوباء. هذا في ظل غياب الوعي الصحي، وبأهمية الإجراءات الاحترازية، ناهيك عن التخلف الطبي والعلمي بالبلاد. ولعل جانب من هذه الملاحظات وغيرها، هي التي حاول أن يبرزها الطبيب الفرنسي (Lucien Raynoud) في دراسته حول واقع الصحة والطب بالمغرب في بداية القرن العشرين.

ويذكر أن (Lucien Raynoud) طبيب فرنسي، أرسلته فرنسا عام 1900 م إلى طنجة قصد دراسة والاطلاع على تنظيم المحاجر الصحية الخاصة بالحجاج العائدين من الحج. دامت مهمة هذا الطبيب سبعة أشهر، التقط خلالها ما تيسر من معلومات وملاحظات حول الأوضاع الصحية بالمغرب قبيل الحماية الفرنسية والإسبانية. وفي سنة 1901م – 1902م، عاد إلى المغرب في إطار بعثتين، مما ساهم في توسيع معرفته بالواقع الصحي والطبي بالمغرب، والتي جمعها في كتابه: (Etude sur l’hgiène et la medcine au Maroc suivie d’une notice sur la climatologie des principales villes de l’Empire)، ونشره عام 1902 م، ونال به جائزتين من أكاديمية الطب بباريس.

يشير المؤلف إلى أن المغاربة كانوا يتبعون في علاج ذواتهم ودوابهم من الأوبئة والأمراض التي كانت تلم بهم، مجموعة من الأساليب التي تعتمد على ما يسمى بـ “الطب الشعبي”. ومنها: اللجوء إلى استخدام بعض أعضاء الحيوانات، لعلاج بعض الأمراض، أو قصد تحصيل خاصية من خصائص ذاك الحيوان. ومن الحيوانات المستخدمة في هذا الشأن: الضبع، الأسد، العقرب الحمراء… إلخ..

ويشير المؤلف الفرنسي أيضا، إلى أن المغاربة يجهلون الطب البيطري، كما يجهلون أغلب الأمراض، ويستخدمون نفس الوصفات لعلاج جميع الأمراض التي تتفشى بينهم. وتتم هذه العلاجات باستعمال المواد التالية: القطران، الصابون الأسود، الحناء، الصبار، الكبريت، إضافة إلى خلط الحلبة بالشعير لتقوية بنية الدابة.

وفي الأخير يفيدنا المؤلف بأن البغال هي وسيلة النقل الرئيسية بالمغرب، علما أن هذه الأخيرة تعاني من غياب الطرق، والإصطبلات، كما تبيت الدواب دون فراش، وتتغذى جميع الدواب بالمغرب على التبن أو الشعير أو في المراعي. ويثير هذا الطبيب ملاحظتين مثيرتين: أولاهما أن الكلاب في المغرب صعبة، وأنها تعاني الجوع وبالتالي فهي تهاجم المارة زمن المجاعات. وأما الثانية فهي أن الحيوانات بالمغرب لا تعامل برفق، وحالة البغال والحمير يرثى لها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Marocain de sud
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 16:58

    Y A RIEN QUI CHANGÉ JUSQU A PRESENT .SI NOTRE AMI RETOURNERA AU MAROC AUJOURDHUI IL VA ETRE CHOQUE ,YA RIEN QUI A CHNGE

  • ben Arabix
    الأربعاء 2 مارس 2022 - 06:23

    ويشير المؤلف الفرنسي أيضا، إلى أن المغاربة يجهلون الطب البيطري، كما يجهلون أغلب الأمراض، ويستخدمون نفس الوصفات لعلاج جميع الأمراض التي تتفشى بينهم. وتتم هذه العلاجات باستعمال المواد التالية: القطران، الصابون الأسود، الحناء، الصبار، الكبريت، إضافة إلى خلط الحلبة بالشعير لتقوية بنية الدابة.وفي الأخير يفيدنا المؤلف بأن البغال هي وسيلة النقل الرئيسية بالمغرب، علما أن هذه الأخيرة تعاني من غياب الطرق، والإصطبلات، كما تبيت الدواب دون فراش، وتتغذى جميع الدواب بالمغرب على التبن أو الشعير أو في المراعي…. ويثير هذا الطبيب ملاحظتين مثيرتين: أولاهما أن الكلاب في المغرب صعبة، وأنها تعاني الجوع وبالتالي فهي تهاجم المارة زمن المجاعات. وأما الثانية فهي أن الحيوانات بالمغرب لا تعامل برفق، وحالة البغال والحمير يرثى لها.

  • Amaghrabi
    الأربعاء 2 مارس 2022 - 18:42

    صراحة ان الطب العصري ضروري في كثير من الامراض المزمنة والتي لا تأثير للطب التقليدي اطلاقا لعلاجها ,مثل المرض السكري لا يحتاج الا الى الاقراص اليومية او للابرة ان كان المرض تضاعف لا تؤثر فيه الاقراص اما استعمال الطب الشعبي في هذا المرض وامراض اخرى مزمنة فهو ضياع للمال وربما ضياع للصحة لانه في كثير من الاحيان يضر اعضاء اخرى في الجسم وبالتالي انصح اخواني المغاربة ان يهاجروا الطب التقليدي او الاعشاب لانه لا يجدي وربما يضر اكثر مما ينفع.والطب العصري هو كذلك له اخفاقات في كثير من الامراض بحيث ربما يخفف الالم ولا يعالجها ومع ذلك يبقى الوسيلة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها من اجل العلاج ,وفي اعتقادي يجب الابتعاد عن الطب التقليدي اطلاقا,والمصيبة الكبرى حينما ترى بعض المرضى يبذرون اموالهم على رقاة الدجل الذي يسرقون اموال المرضى وعينهم مفتوحة وبرضاهم ولا يقدمون اي خدمة تذكر في العلاج.الطب الشعبي سواء كان من اطباء تقليديين نزهاء او من اصحاب الدجل والشعوذة والكذب على المرضى.اما الاعشاب فهي في نظري خطيرة الا بعض الاعشاب التي اعتاد ممارستها ولم تضر كالثوم او الحلبة او او ومع ذلك التجنب احسن

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام