المغرب ينجح في موازنة استقطاب الاستثمارات الصينية والشراكات التقليدية

المغرب ينجح في موازنة استقطاب الاستثمارات الصينية والشراكات التقليدية
صورة: و.م.ع
الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 07:00

في مشهد دولي يعيد رسم خرائط القوة وفق منطق متعدد الأقطاب، واشتداد التنافس الدولي، يسعى المغرب إلى الاستفادة من موقعه الجيو-سياسي الفريد واستقراره النادر في محيط مضطرب، لجلب الاستثمارات الدولية، ومنها الصينية التي لم تعد تقتصر على الأسواق التقليدية، بل امتدت إلى صناعات السيادة كبطاريات السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة، الشيء الذي يسائل مدى قدرة الرباط على إدارة هذا التوافد الهائل لرأس المال الصيني، ومعه التدافع الدولي بين الشرق والغرب، دون أن تخل بتوازناتها التاريخية مع أوروبا والمعسكر الغربي.

ويرى مهتمون أن الاستثمار الصيني في المغرب يتجاوز منطق الاستثمار التقليدي إلى إعادة هندسة كاملة لسلاسل الإمداد العالمية، جاعلة من المملكة قاعدة تصنيع متقدمة ومنصة قانونية للالتفاف على القيود الجمركية الأوروبية والأمريكية، مشددين في الوقت ذاته على أهمية بناء مصالح متشابكة ومتكافئة مع جميع القوى الكبرى في العالم، دون السقوط في فخ التبعية أو الانغلاق.

تحولات جيو-سياسية وقوة سيادية

في هذا الصدد، أكد هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن “ما تقوم به بكين اليوم داخل المملكة يندرج ضمن إعادة هندسة واسعة لسلاسل الإمداد العالمية، فرضتها التحولات الجيو-سياسية المتسارعة، من الحرب التجارية مع الولايات المتحدة إلى هشاشة سلاسل الإنتاج بعد جائحة كوفيد والتوترات في الممرات البحرية. فالصين لم تعد تبحث فقط عن أسواق لتصريف منتجاتها، بل عن منصات إنتاج مستقرة وقريبة من مراكز الاستهلاك الكبرى، وهنا تحديدا يبرز المغرب كأحد أكثر المواقع الجيو-اقتصادية جاذبية في جنوب المتوسط”.

وأضاف قائلا: “حين نستحضر الاهتمام الصيني المتزايد بقطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية، والصناعة المرتبطة بالطاقة النظيفة، فإننا لا نتحدث عن استثمارات معزولة، بل عن رهان استراتيجي على المستقبل الصناعي العالمي”، مبرزا أن “بكين تدرك أن المنافسة الكبرى خلال العقود المقبلة لن تكون فقط على النفط أو الغاز، بل على من يتحكم في سلسلة القيمة الخاصة بالتحول الطاقي: الليثيوم، الكوبالت، البطاريات، السيارات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.

والمغرب، بما يمتلكه من موقع جغرافي قريب من أوروبا، واتفاقيات تجارة حرة، وبنية لوجستية متقدمة، ومؤهلات صناعية متنامية، يتحول بالنسبة للصين إلى ما يشبه ‘منصة تصنيع متقدمة’ تسمح بالولوج إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية بأقل تكلفة جيو-سياسية ممكنة”.

وشدد المصرح لهسبريس على أن “ما يميز المقاربة المغربية هو أنها لا تتعامل مع الصين بمنطق الارتهان أو الاستبدال، بل بمنطق تنويع الشركاء وتعظيم هامش الاستقلالية الاستراتيجية. فالمغرب ظل خلال العقدين الأخيرين حريصا على الحفاظ على علاقاته المتقدمة مع أوروبا والولايات المتحدة، سواء أمنيا أو اقتصاديا، وفي الوقت نفسه انفتح بقوة على قوى صاعدة مثل الصين والهند ودول الخليج. هذه ليست براغماتية ظرفية، بل فلسفة دبلوماسية تقوم على إدراك عميق لتحولات النظام الدولي، حيث لم يعد ممكنا لدولة متوسطة الحجم أن تراهن على شريك واحد في عالم متعدد مراكز القوة”.

سياسيا، أوضح معتضد أن “الرباط نجحت حتى الآن في إدارة معادلة دقيقة للغاية: الحفاظ على صفة ‘الشريك المتقدم’ مع الاتحاد الأوروبي، مع الانخراط في مبادرة ‘الحزام والطريق’ الصينية دون إثارة توتر بنيوي مع الغرب. وهذا يعود إلى أن المغرب يقدم نفسه كشريك موثوق للمنظومة الغربية أمنيا واستراتيجيا، لكنه في الآن ذاته يرفض الانغلاق الاقتصادي أو الدخول في منطق الاستقطاب الصفري”، مشددا على أن “الرهان الحقيقي للمغرب لا يكمن فقط في النجاح في التوازن بين الشركاء، بل في تحويل هذا التوازن نفسه إلى مصدر قوة سيادية. فالعالم القادم لن يكافئ الدول التي تصطف بسرعة، بل تلك التي تفهم كيف تدير التعقيد، وتبني مصالح متشابكة تجعل جميع القوى الكبرى ترى في استقرار علاقتها معها مصلحة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها”.

تحول جذري وانتقال تدريجي

من جهته، أبرز رشيد ساري، باحث في الشؤون الاقتصادية الدولية، أن “الاستثمارات الصينية في المغرب شهدت تحولا جذريا؛ إذ لم تعد مجرد بحث عن سوق استهلاكي محدود أو منصة عبور عابرة للمنتجات نحو إفريقيا كما كان عليه الحال في الماضي، بل إننا نشهد اليوم انتقالا تدريجيا نحو جعل المملكة قاعدة تصنيع دائمة، لا سيما في قطاعات استراتيجية وحيوية تتقدمها صناعة السيارات الكهربائية، والطاقات المتجددة، والإلكترونيات المتقدمة”، معتبرا أن “الصين ترى في المغرب بوابة قانونية وآمنة للولوج إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، مستفيدة من اتفاقيات التبادل الحر التي أبرمتها المملكة، وهو ما يمنح الاستثمارات الصينية وسيلة فعالة لتجاوز القيود الجمركية المفروضة عليها عالميا”.

وأضاف ساري، في تصريح لهسبريس، أن “المنظور الصيني الجديد لإعادة تشكيل سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا جعل من المغرب ركيزة أساسية. ويتجلى ذلك بوضوح في خارطة المصالح الاقتصادية الصينية المتنامية بالمملكة، التي تشمل مشاريع ضخمة في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات، أبرزها مشروع Gotion High-Tech لإنشاء مصنع للبطاريات قرب العاصمة الرباط بقيمة تناهز مليارا و300 مليون دولار، فضلا عن إنشاء مصانع متخصصة في مكونات الكاثود والأنود بالاعتماد على الفوسفاط المغربي”.

في سياق متصل، أكد الباحث ذاته أن “قطاع الطاقات المتجددة يشهد دينامية كبرى بنشاط أكثر من 150 شركة صينية في مشاريع الطاقة الريحية والشمسية، مما يساهم بشكل مباشر في دعم الطموح المغربي المتمثل في توليد 52 في المائة من احتياجاته الطاقية من مصادر متجددة بحلول عام 2030″، مبرزا أن “الشراكة المغربية الصينية تمتد أيضا لتشمل تطوير البنية التحتية من طرق وموانئ، حيث تساهم الصين أيضا في التحضيرات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030. ويرجع هذا الاختيار الصيني إلى المؤهلات اللوجستية الفريدة التي يمتلكها المغرب، والتي تجعل من المملكة نقطة وصل محورية تربط الصين ليس بالقارة الإفريقية فحسب، بل بمختلف دول العالم”.

وخلص ساري إلى أن “المغرب هو تلك النقطة التي تصل الصين بمجموعة من الدول، ولكن يجب التأكيد على أن هناك مخاطر وتحديات مرتبطة بخطر التبعية إلى بكين والحد من القدرات المحلية، وبالتالي يجب أن تؤخذ التعاملات أو العلاقات الاقتصادية والصناعية مع الصين بحذر، وأن يتم استغلال العلاقات مع الصينيين لتطوير الكفاءة الوطنية في المجال الصناعي”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • مول الفيرمة
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 07:37

    الاستثمارات الصينية قد تؤجج الوضع مع أمريكا وأوروبا
    الاستثمار مع أوروبا وأميركا احسن بكثير من الصين التي ستأتي على الاخضر واليابس كالجراد
    الصين تشتغل في صمت وستغرق المغرب في وحلها كل شيء لدى الصين مزور حتى أكلهم
    وزيادة على ذلك هل الصين اعترفت لنا بصحرائنا كامريكا والدول الأوروبية فعلا لا ولهذا على المغرب اليقضة
    الصين لا يأتي منها سوى الدمار والخراب والايام بيننا
    خربت الجزائر والان الدور على المغرب

  • بوغطاط
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 07:53

    المغرب ينجح في تفريخ الناس يثمن الأضحية في إطار إستراتيجية خيرنا ما يديه غيرنا.منتهى الأنانية في التسيير

  • عبدالكريم بوشيخي
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 08:14

    الاستثمارات الصينية و الأمريكية و الأوروبية خصوصا الفرنسية و الاسبانية و الألمانية مرشحة للنمو أكثر في في المغرب بفضل مناخ الاستثمار و اليد العاملة المؤهلة و الكفاءات الهندسية و البنية التحتية المتطورة و الموقع الجغرافي المتميز على المتوسط و الساحل الأطلسي الشاسع أن تدفق رؤوس الأموال و الاستثمارات الخارجية سينمو أكثر بعد تشغيل ميناء الناظور غرب المتوسط و ميناء الداخلة الأطلسي هذين العملاقين مع ميناء طنجة المتوسط و الدار البيضاء و أكادير سيدخلون المغرب بدون مبالغة الى نادي الدول الأكثر تصنيعا و تطورا في العالم، الصين ستضاعف استثماراتها و استثماراتها اليوم في المغرب هي الأضخم في أفريقيا و الأكثر قيمة للاقتصاد المغربي.

  • عادل تغزوت
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 09:08

    جلب الاستتمارات الاجنبية الى بلادنا شيئ مهم جدا وخلق أماكن للشغل والاحسن من كل ذالك نقل الخبرة والتكنولوجيا الى بلادنا لخلق شركات مغربية خالصة قادرة على المنافسة وغزو الاسواق الخارجية ؟

  • الحيحي
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 10:18

    .”..بدون التخلي عن الشراكات التقليدية”أي عدم المس بمصالح فرنسا بالخصوص و تركها تنهي و تعبث في بلدنا هي أذنابها الخونة…ههه

  • جامعي
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 11:48

    يجب تجهيز و تشغيل ميناء القنيطرة الأطلسي في أقرب وقت ممكن .

  • عبد الله
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 12:05

    معلوم مايجيو المستثمرين يستثمرو فالمغرب، ما دامت اليد العاملة كاتخلص بالسميك و كاتقام رخيصة. حنا رخاص

  • Mounir
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 12:26

    يجب التقارب اكثر مع الصين لان لديها التقنية والتكنولوجيا واقتصاد قوي و الابتعاد ما أمكن من اوروبا لان الارتباط الكلي بها سيعصف باستقرار المغرب غاوروبا اما ان تنتمي اليها واما ان تكون منافس لها ليس هناك شراكة حقيقية مع اوروبا مجرد وهم والاستثمارات الأوروبية ممكن ان تدخل الى المغرب ولو بدون اي اتفاقية الشراكة بسبب تنافسية االمغرب و موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية كالفسفات العلاقة مع الصين اقتصاديا والعلاقات الاستراتجية والعسكرية مع امريكا واسرائيل تخدم مصالح المغرب واعرف ان بعض الكوفيين سيتهموني بالصهبونية

  • Ichou Ichouali
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 14:15

    مشروع Gotion High-Tech لإنشاء مصنع للبطاريات قرب العاصمة الرباط بقيمة تناهز مليارا و300 مليون دولار، فضلا عن إنشاء مصانع متخصصة في مكونات الكاثود والأنود بالاعتماد على الفوسفاط المغربي
    المغرب هو تلك النقطة التي تصل الصين بمجموعة من الدول، ولكن يجب التأكيد على أن هناك مخاطر وتحديات مرتبطة بخطر التبعية إلى بكين والحد من القدرات المحلية، وبالتالي يجب أن تؤخذ التعاملات أو العلاقات الاقتصادية والصناعية مع الصين بحذر، وأن يتم استغلال العلاقات مع الصينيين لتطوير الكفاءة الوطنية في المجال الصناعي.

  • Ichou Ichouali
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 14:20

    المغرب مطالب اليوم أن بوازن بحنكة وذكاء بين القوى الأقتصادية الكبرى،وألا يسقط في التبعية العمياء،والحمد لله أنه خلال العقدين الأخيرين اكتسب المغاربة دبلوماسية مرنة محترفة وذكية تعلمت كيف تناور في عالب كله ذئاب.
    مشروع Gotion High-Tech لإنشاء مصنع للبطاريات قرب العاصمة الرباط بقيمة تناهز مليارا و300 مليون دولار، فضلا عن إنشاء مصانع متخصصة في مكونات الكاثود والأنود بالاعتماد على الفوسفاط المغربي
    المغرب هو تلك النقطة التي تصل الصين بمجموعة من الدول، ولكن يجب التأكيد على أن هناك مخاطر وتحديات مرتبطة بخطر التبعية إلى بكين والحد من القدرات المحلية، وبالتالي يجب أن تؤخذ التعاملات أو العلاقات الاقتصادية والصناعية مع الصين بحذر، وأن يتم استغلال العلاقات مع الصينيين لتطوير الكفاءة الوطنية في المجال الصناعي.

  • عبد العلي
    الثلاثاء 2 يونيو 2026 - 16:27

    الحمد لله المغرب ناجح في أن يكون منصة تصنيع عالمية وهذا مهم لكنه لا يكفي. نتمنى أن يتجه المغرب جديا كما فعلت ماليزيا و تركيا لمجال البحث و التطوير و يفتح عدة جامعات جديدة متخصصة و مراكز بحوث في الميادين العلمية و التقنية و يخرج أضعاف عدد المهندسين و المخترعين و تكون عندنا شركاتنا المغربية الخاصة التي تستثمر في التكنولوجيات الحديثة في البلاد. البحث و التطوير هو ما يحدد السيادة و يعطي القيمة المضافة. أضعنا الفرصة في النسيج و السياحة و اللوجيستيك و و و. إن شاء الله يستثمر أغنياء المغرب في المستقبل.

صوت وصورة
ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:20 4

ترانسبارنسي تقرأ برامج الأحزاب

صوت وصورة
نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 16:11

نهائي ''أورنج تالنتس'' بالدار البيضاء

صوت وصورة
حشود تستقبل أخنوش بتافراوت
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 14:24 30

حشود تستقبل أخنوش بتافراوت

صوت وصورة
الإقبال على الشاطئ في شتنبر
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 11:31 6

الإقبال على الشاطئ في شتنبر

صوت وصورة
"النخلة" تتواصل في بنمنصور
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 09:30 4

"النخلة" تتواصل في بنمنصور

صوت وصورة
"السنبلة" يعد بدعم الفلاحين الصغار
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 00:00 4

"السنبلة" يعد بدعم الفلاحين الصغار