تحولت الاحتجاجات التي انطلقت من الثانويات الفرنسية مع بداية الموسم الدراسي إلى حركة اجتماعية واسعة، بعدما التحقت بها تنظيمات طلابية ونقابية وفئات مهنية مختلفة، في سياق تصاعد النقاش بشأن أوضاع التعليم العمومي والفوارق الاجتماعية وتكاليف المعيشة، وتزامن ذلك مع مناقشة ميزانية سنة 2027 وما تتضمنه من إجراءات لتقليص الإنفاق العام.
وبدأت التعبئة في أواخر غشت ومطلع شتنبر 2026، عبر إغلاق مؤسسات تعليمية وتنظيم احتجاجات محلية سرعان ما امتدت إلى مدن ومناطق مختلفة، قبل أن تبلغ مرحلة أكثر اتساعا خلال أكتوبر، خصوصا في مظاهرات يومي 17 و24 من الشهر نفسه، التي شارك فيها تلاميذ وطلبة وعمال وموظفون ومتقاعدون، إلى جانب نشطاء من حركة “السترات الصفراء”.
وكشفت مجموعة من الدراسات والتحليلات التي نشرتها “لوموند ديبلوماتيك” الفرنسية أن الاحتجاجات جاءت على خلفية مشكلات متراكمة داخل المؤسسات التعليمية، تشمل الاكتظاظ ونقص المدرسين وعدم تعويض المتغيبين وتدهور بعض المباني، فضلا عن الصعوبات المرتبطة بالتوجيه المدرسي والجامعي، وهي مطالب اتسع نطاقها مع انضمام فئات اجتماعية تواجه بدورها ضغوطا اقتصادية.
من فصول الدراسة إلى الجامعات.. الفوارق الاجتماعية تؤجج الغضب
يربط باحثون فرنسيون هذه الاحتجاجات باستمرار الفوارق الاجتماعية داخل المنظومة التعليمية، رغم التوسع الذي عرفه الولوج إلى التعليم الثانوي والجامعي خلال العقود الماضية، مستحضرين أعمال عالمي الاجتماع بيير بورديو وجان كلود باسرون، خصوصا كتاب “الورثة” الصادر سنة 1964 و”إعادة الإنتاج” المنشور سنة 1970، اللذين تناولا تأثير الانتماء الاجتماعي للأسرة في المسار الدراسي والفرص المهنية للأبناء.
وأوضح الباحثون جيروم كامو وبيير كليمان وبرتران جاي وبييريغ هومو، أن الفوارق بين التلاميذ تظهر منذ المراحل الأولى للتمدرس، وتتسع مع الانتقال إلى التعليم الثانوي والعالي، حيث يتمكن أبناء الأسر الميسورة من الولوج بصورة أكبر إلى التخصصات العلمية والمؤسسات الأكثر انتقائية.
وتكشف بيانات فرنسية منشورة سنة 2023 أن التلاميذ المنتمين إلى الأوساط الاجتماعية الأكثر يسرا يمثلون نحو 42 في المائة من المسجلين بالإعداديات الخاصة، مقابل 20 في المائة بالمؤسسات العمومية، في وقت تتجه فيه أسر عديدة إلى البحث عن المؤسسات والمسارات التي تمنح أبناءها فرصا أفضل، مستفيدة من إمكاناتها المالية وقدرتها على الحصول على المعلومات وخدمات الدعم والتوجيه.
وتوقف عالم الاجتماع بول باسكالي عند تأثير الإصلاحات التعليمية التي اعتمدتها فرنسا منذ سنة 2018، خصوصا مراجعة نظام البكالوريا وإحداث منصة “باركورسوب” لتوجيه حاملي الشهادة نحو التعليم العالي، معتبرا أن توسيع الاختيارات الفردية وآليات الانتقاء زاد أهمية الموارد الثقافية والاقتصادية التي تتوفر عليها الأسر في تحديد مستقبل أبنائها.

واستند الباحث إلى معطيات تفيد بتراجع نسبة أبناء العمال داخل الجامعات الفرنسية من 11,4 في المائة سنة 2009 إلى 8,7 في المائة سنة 2024، فيما بلغت نسبة الشباب الذين تابعوا دراسات عليا، ضمن الفئة العمرية بين 25 و29 سنة، نحو 68 في المائة لدى الأسر الميسورة، مقابل 36 في المائة لدى الأسر الأقل حظا.
وتظهر الفوارق بصورة أوضح في المدارس العليا المرموقة، إذ بلغت نسبة خريجيها من الشباب المنحدرين من الطبقات العليا 10,9 في المائة سنة 2024، مقابل 2,7 في المائة فقط لدى المنتمين إلى الأوساط الشعبية، بحسب الأرقام التي أوردها باسكالي.
وتزامنت هذه التحولات مع ضغوط مالية متزايدة على التعليم العمومي، حيث تشير الدراسة إلى انخفاض التمويل العام المخصص لكل طالب في التعليم العالي بنسبة 23 في المائة منذ سنة 2012، مقابل استمرار ارتفاع أعداد المسجلين، وما يرتبط بذلك من تحديات تخص الموارد البشرية والتجهيزات والقدرة الاستيعابية للجامعات.
وأثار مشروع ميزانية 2027 مزيدا من الجدل، بعدما تضمن تدابير لتقليص الإنفاق تمس بعض المساعدات الموجهة إلى الطلبة وتمويل الجامعات، ما ساهم في انتقال الاحتجاج من مطالب تحسين ظروف الدراسة إلى نقاش أوسع بشأن أولويات الإنفاق العمومي وتكافؤ الفرص التعليمية.

الغضب يعبر أسوار المدارس.. والشارع يدخل مواجهة مع الأمن
لفت بنوا بريفيل، مدير “لوموند ديبلوماتيك”، إلى مشاركة شباب من الضواحي والمناطق القروية والمدن الصغيرة في حركة احتجاجية واحدة، رغم الاختلافات الجغرافية والاجتماعية بينهم، مستحضرا حالة تلميذين من مدينة روديز شاركا في مظاهرة يوم 17 أكتوبر تضامنا مع زملاء يدرسون في ظروف أصعب، رغم أن مؤسستهما خضعت للتجديد ولا تعاني اكتظاظا كبيرا.
وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في توسيع التعبئة عبر تبادل الشهادات والصور المتعلقة بأوضاع المؤسسات التعليمية، فيما وجدت فئات مختلفة من الشباب نقاط التقاء بين مطالبها، خصوصا ما يرتبط بفرص الشغل واستمرار الخدمات العمومية والقدرة على متابعة الدراسة في ظروف مناسبة.
وبلغت الحركة الاحتجاجية مرحلة بارزة خلال مظاهرات 17 أكتوبر، بعدما تجاوز عدد المشاركين التقديرات الأولية للسلطات، التي تراوحت بين 150 ألفا و200 ألف متظاهر، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة الفرنسية، غير أن التجمعات شهدت أيضا أعمال تخريب ونهب طالت محلات تجارية ومباني عمومية، وأدت إلى تصاعد الخلافات بشأن طبيعة الاحتجاج وسبل التعامل معه.
واتهم مسؤولون حكوميون مجموعات سياسية يسارية بالمساهمة في تأجيج الاضطرابات، بينما طالب سياسيون من المعارضة اليمينية بتشديد الإجراءات الأمنية والعقوبات، وتوسع النقاش الإعلامي ليشمل قضايا الهجرة والأمن في الضواحي، مقابل تحذيرات باحثين من تقديم تفسيرات اجتماعية أو عرقية للأحداث دون الاستناد إلى معطيات دقيقة بشأن المشاركين فيها.
وفي هذا السياق، استحضر بريفيل أعمال الشغب التي شهدتها بريطانيا سنة 2011، حيث أظهرت التحقيقات القضائية اللاحقة اختلاف الخلفيات الاجتماعية والعرقية للمشاركين من مدينة إلى أخرى، مع تأثير واضح للتركيبة السكانية المحلية، معتبرا أن تفسير الاضطرابات يتطلب دراسة ظروفها الاجتماعية وأسباب مشاركة الأفراد فيها.

أما عالم السياسة لوران بونيلي، الأستاذ بجامعة باريس نانتير، فتناول تطور أساليب التدخل الأمني خلال الاحتجاجات، مستندا إلى تسجيل 6547 عملية توقيف بين 28 شتنبر و6 أكتوبر 2026، بمعدل يومي يقارب 727 توقيفا، مقابل 4544 توقيفا خلال احتجاجات رفض عقد العمل الأول سنة 2006، بمعدل 106 توقيفات يوميا.
وأورد بونيلي ارتفاعا مماثلا في إجراءات الحراسة النظرية، إذ انتقل المعدل اليومي من 46 حالة سنة 2006 إلى 418 حالة خلال احتجاجات 2026، بينما سجلت نحو 2700 حالة حراسة نظرية خلال يومي 17 و18 أكتوبر وحدهما، مشيرا إلى توسع الاعتماد على وحدات التدخل التابعة للشرطة الحضرية، إلى جانب القوات المتخصصة في حفظ النظام.
وتقول السلطات الفرنسية إن الإجراءات الأمنية تستهدف حماية الأشخاص والممتلكات ومنع الاعتداءات وأعمال التخريب، فيما تنتقد منظمات حقوقية ونشطاء احتجاجيون ما يعتبرونه توسعا في استعمال القوة والقيود المفروضة على التظاهر، خصوصا بعد منع تجمعات في بعض المدن وتشديد المراقبة الأمنية قبيل مظاهرات 24 أكتوبر.
ورغم هذه التدابير، استمرت التعبئة بمشاركة فئات مهنية واجتماعية مختلفة، بعدما أصبحت المطالب المتعلقة بالتعليم جزءا من احتجاج أوسع يشمل الأوضاع الاقتصادية والخدمات العمومية.

أكثر من 100 ألف مساهمة رقمية.. الحكومة أمام اختبار الاستجابة
أمام استمرار التحركات، أعلنت وزارة التربية الوطنية الفرنسية فتح منصة رقمية لتلقي شكاوى التلاميذ ومقترحاتهم، في خطوة قدمتها باعتبارها وسيلة للاستماع إلى انشغالات الشباب بشأن ظروف الدراسة والتوجيه والتجهيزات داخل المؤسسات التعليمية.
وبحسب دراسة أعدتها الباحثة ماغالي ديلا سودا والباحث غريغوري رزيبسكي، استقبلت منصة “أغورا” 101217 مساهمة خلال الفترة الممتدة من 5 إلى 23 أكتوبر، متجاوزة حصيلة عدد من المشاورات الرقمية السابقة، غير أن الباحثين أوضحا أن هذه المشاركات لا يمكن نسبتها جميعا إلى التلاميذ بصورة مؤكدة، وأنها تعادل نحو 5 في المائة من مجموع تلاميذ الثانويات إذا افترض أن جميع أصحابها ينتمون إلى هذه الفئة.
وأعادت المبادرة النقاش بشأن فعالية المشاورات الرقمية، خصوصا بعد تجربة الحوار الذي أطلقته السلطات الفرنسية خلال احتجاجات “السترات الصفراء” سنة 2019، حيث يرى الباحثان أن استقبال المساهمات لا يكفي لتقييم نجاح العملية ما لم تتبعه إجراءات تستجيب للمطالب المطروحة.
وتشمل مطالب المحتجين تعويض المدرسين المتغيبين وتحسين المباني المدرسية ومراجعة آليات التوجيه والانتقاء الجامعي وتعزيز الموارد المخصصة للتعليم العمومي، فيما تواجه الحكومة تحدي ضبط النفقات وتقليص العجز، في سياق اقتصادي يتسم باستمرار الضغوط على القدرة الشرائية للأسر.

ويربط عدد من التحليلات اتساع الاحتجاجات بتراجع بعض الخدمات العمومية وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، إلى جانب قلق الشباب بشأن مستقبلهم المهني، وهي قضايا ساهمت في التحاق فئات لا ترتبط مباشرة بالقطاع التعليمي بالتظاهرات.
وتستحضر الدراسات الفرنسية محطات احتجاجية سابقة، من أحداث ماي 1968 إلى مظاهرات سنة 1986 ثم الحركة الرافضة لعقد العمل الأول سنة 2006، غير أن احتجاجات خريف 2026 تختلف عنها في عدم ارتباطها بمشروع إصلاح واحد، واتساع مطالبها منذ البداية لتشمل قضايا التعليم والتشغيل والعدالة الاجتماعية.
وأعلنت الحكومة الفرنسية فتح ملفات تتعلق بتعويض المدرسين وتحسين التجهيزات وتنظيم الزمن المدرسي وآليات التوجيه، بينما يظل توفير الموارد اللازمة لتنفيذ الإجراءات المرتقبة مرتبطا بالمناقشات الجارية بشأن ميزانية 2027، في ظل استمرار الخلاف بين المطالبين بزيادة الإنفاق على التعليم العمومي والمؤيدين لإجراءات ضبط النفقات العامة.
احيانا الحرية الزايدة لا تصلح تعطيك اجيال لا يريدون العمل او البناء همهم هوا كل شي سهل و بلا عناء