في خضم بروز أشكال جديدة من الاحتجاجات، متجاوزة الطابع التقليدي، وظهور مطالب جديدة للمحتجين، طرح مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية هذا الموضوع للنقاش، وذلك في يوم دراسي تحتضنه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، حول موضوع “الحركات الاجتماعية والسياسات العمومية في المغرب”.
عبد الله ساعف، رئيس مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية، اعتبر أن ما يميز الحركات الاجتماعية الحالية تشتتها الجغرافي وتقطّعها، بينما قال محسن الأحمدي، أستاذ التعليم العالي في كلية الحقوق بمراكش، إن الحركات الاجتماعية الراهنة لم تعد راديكالية تهدف إلى تغيير هيكل الدولة، بخلاف الحركات الاجتماعية لسنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وأضاف الأحمدي أن الجيل الحالي لم يعد يتتبع النهج نفسه الذي كان سائدا في السابق، حيث كانت الحركات الاجتماعية مؤطرة بإيديولوجيات وتوجهات معينة، مثل الإيديولوجية اللينينية والماوية، مشيرا إلى أن هناك اليوم واقعا افتراضيا يتمركز في مواقع التواصل الاجتماعي.
وتوقف المتدخل ذاته عند التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع المغربي، والتي أفضت إلى بروز مطالب جديدة، من قبيل الحريات الفردية، وبروز فئات احتجاجية جديدة، مثل الحركة النسائية والأطفال والشباب، لافتا إلى أن الحركات الاجتماعية، من الناحية النظرية، تنجم عن وجود مشاكل اجتماعية، لكن تفسيرها بشكل أعمق يقتضي استحضار البُعدين التاريخي والسوسيولوجي.

وفي رأي عبد الرحمان رشيق، أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فإن الحركات الاجتماعية ليست فعلا معزولا، بل مسارا تراكميا، لافتا إلى أن حضور المدافعين عن الجيل الجديد من حقوق الإنسان بدأ محتشما في أواسط ثمانينات القرن الماضي، ثم تطور تأثيرهم وحضورهم في الساحة.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن ما يميز الحركات الاجتماعية في المغرب هو طابعها السلمي وعدم نزوحها نحو العنف، رغم ما تواجه به من عنف، موردا أن هذه الميزة رافقت أيضا احتجاجات حركة 20 فبراير التي خرجت إلى الشارع سنة 2011 عقب اندلاع “الربيع العربي” للمطالبة بالكرامة والعدالة الاجتماعية.
وأوضح رشيق أن قيمة الكرامة تحضر بقوة في المطالب التي تحرك الحركات الاجتماعية بالمغرب، وكذلك احتجاجات الأفراد، مشيرا إلى واقعة الشاب الذي أقدم على حرق نفسه قبل أيام؛ إذ قال في مقطع فيديو بثه على مواقع التواصل الاجتماعي إن سبب حرقه لنفسه راجع إلى تعرضه لـ”الحگرة”.
إسماعيل حمودي، أستاذ التعليم العالي بتازة، تطرق في مداخلته إلى أسباب وتمفصلات احتجاجات الهوامش، متوقفا عند ثلاثة أمثلة من الاحتجاجات التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، هي احتجاجات الريف وجرادة وزاكورة.
وقال حمودي إن الجيل الجديد من الاحتجاجات في المغرب يتسم بتجاوز المطالب المادية نحو المطالب الرمزية التي تتعلق بالكرامة والانصاف والاعتراف، مبرزا أن هذه المطالب الرمزية تمتزج بالمطالب المادية لتشكل دافعا للناس نحو الاحتجاج.
واستعان المتحدث ذاته بمفهوم “التهميش المركب”، الذي وظفه بعض الباحثين، لتفسير أسباب الجيل الجديد من الاحتجاجات، قائلا إن التهميش المركب أفرز جملة من المشاكل، من قبيل غياب الاعتراف، والتعددية، والتوزيع العادل للثروة، إضافة إلى المشكل البيئي والتنمية المستدامة.
في هذا الإطار، أشار حمودي إلى أن الشرارة التي أوقدت الاحتجاجات التي شهدتها مدينة زاكورة نجمت عن بروز مشكل ندرة الماء، ابتداء من سنة 2017، بسبب استنزافه من طرف مزارعي البطيخ الأحمر، معتبرا أن هذا المشكل “يعكس إهمال الحكومة للبعد البيئي”.
وأوضح أن هناك 24 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالبطيخ الأحمر في زاكورة تستهلك ثلاثين مليون متر مكعب من الماء، علما أن المنطقة تعرف شحا كبيرا في الماء نظرا لقلة التساقطات المطرية، ومع ذلك تعرف حفرا مستمرا للآبار، معتبرا أن استمرار هذا المشكل “قد يشكل منبعا للاحتجاجات مستقبلا”.
وبخصوص احتجاجات مدينة جرادة، قال حمودي إنها كانت ذات صبغة اقتصادية بالأساس، حيث اندلعت مباشرة بعد إغلاق المنجم الذي كان مورد رزق لأهل المدينة دون توفير الحكومة لبديل اقتصادي لهم، قبل أن تتدارك الأمر بعد ذلك.
أما حراك الريف، يقول حمودي، “فلا يكفي استحضار التهميش الاجتماعي والاقتصادي وحده لفهمه”، موضحا أن الاحتجاجات التي اندلعت هناك كانت بمثابة “تفجُّر التاريخ من جديد، حيث أعادت الطريقة التي مات بها محسن فكري إلى الأذهان الشعور الدفين للإنسان الريفي بأنه إنسان مظلوم ومنبوذ”، مشيرا إلى أن الطريقة التي أدارت بها السلطات الوضع عقب تفجر الاحتجاجات أثبت وجود توجس بين الدولة وأهل الريف، وهو ما زكاه استعمال أحزاب الأغلبية الحكومية، آنذاك، مصطلحات من قبيل “الفتنة”، ونعت المحتجين بالانفصاليين.
وخلص حمودي إلى أن الاحتجاجات تشكل منبها للسلطات إلى النقائص الموجودة، لكنها عوض أن توسّع هامش الانفتاح تزيد من تقوية السلطوية، حيث تعود السلطة لتسيطر بشكل أقوى على المناطق التي تندلع فيها الاحتجاجات وتقوي قبضتها الأمنية عليها.
الجامعة مغيبة في القرار السياسي العربي عامة والمغربي خاصة
يجب انجاز بحوث ودراسات في مجال ظاهرة النصب والاحتيال
“نموذج دوار المزابيين بعمالة مقاطعة سيدي معروف