بذور عصر التنوير

بذور عصر التنوير
الخميس 7 أبريل 2016 - 13:40

قول الفيلسوف (ليسنغ) من فلاسفة التنوير الألمان؛ لو أخذ الله بيمناه الحقيقة المطلقة، وفي يسراه البحث عن الحقيقة، ومعها الخطأ لزام لي، ثم قال لي اختر: إذا لجثوت على ركبتي ضارعا وقلت يا رب: بل أعطني ما في يسراك لأن الحقيقة المطلقة لك وحدك. فهذا هو الفرق بين الحقيقة والبحث عن الحقيقة؟

وحسب آينشتاين في تصوره للحقيقة أنها تشبه تمثال الرخام في وسط صحراء هائجة تضربها الرمال في كل لحظة، ومن يبقي التمثال لامعا في وسط الفوضى هي تلك الأيدي النشيطة التي لاتكف عن مسح وجهه من الرمال العالقة.

فهذا هو الفرق بين النسبي والمطلق. والبشري والإلهي؛ فمن بحث عن الحقيقة تواضع وتسامح، ومن أدعى امتلاك الحقيقة تعصب فلم يراجع؛ فهذا هو مفتاح فك أقفال التعصب. في القرآن آية معبرة: أم على قلوب أقفالها؟

التعصب باب للشر؛ أوله فتنة وعداوة ، وآخره حرب ودماء.

لنفتح صفحة التاريخ ليس من عندنا فما عندنا فيه من الفضائح الكفاية، ومثلا ففي عام 1649 م طار رأس الملك تشارلز الأول، وولدت الجمهورية في بريطانيا على يد كرومويل، وكان أهم شيء فعله شق الطريق إلى الملكية الدستورية و(التسامح الديني)؛ فسمح لليهود بالعودة إلى بريطانيا، بعد أن طردوا منها ثلاثة قرون، وإذا كانت عظام كرومويل قد أصبحت في المزبلة؛ كما فعل برمته من جاء من بعده، فهو ليس مهما، والمهم هو ولادة الملكية الدستورية ونهاية الحكم المطلق، وهذا يعني أن العالم العربي في معظمه يعيش مرحلة القرون الوسطى إلا قليلا. وحين نقول عن العام الذي نعيشه أنه عام 1437 هجري فهو في الواقع ميلادي؟ أي أننا نعيش هذا العام في خط طنجة جاكرتا في أغلبه عام 1437 ميلادي قبل فترة الإصلاح الديني فضلا عن مرحلة الثورة الفرنسية وعصور التنوير. هذا إذا سلمنا واعترفنا بأن هناك عصر تنوير. لأن الكثير من مفاهيم الإسلاميين يعدون أن مانراه هو جاهلية جديدة؟

نعود إلى ما فعله كرومويل فالفضل في مافعله وتجرأ يعود إلى فيلسوف مشهور هو (جون لوك) الذي هرب إلى هولندا في جو (التعصب الديني)، ويقول عنه المؤرخ (ويل ديورانت) إنه عندما رجع في ولاية الملك وليم الثالث عام 1689م وكان الرجل في عمر الستين حين ضرب ضربته التاريخية؛ فأدخل اسمه في سجل الفلاسفة العظماء، وفي سنة واحدة تعتبر (عام العجائب) حين دفع للطباعة ما تخمر في رأسه عقودا ثلاث كتاب، جعلت منه أحد نجوم الفكر في التاريخ. يا ترى ما هي هذه الكتب ولماذا منحته كل تلك الشهرة؟

كان الأول بعنوان ( بحثان عن الحكومة) رفض فيه الحق الإلهي للملوك، وقال بنظرية فصل السلطات، وأرسى فيها قواعد الديمقراطية السياسية، وسمى هذه النظرية باسم (حكومة الحراسة الليلية للشعب)، ومنه اقتبس (توماس جيفرسون) من اباء المؤسسين الأمريكيين صياغة (إعلان الاستقلال الأمريكي ولذا يعتبر جان لوك”أبو الحرية والعقلانية والقائد الروحي للدستور الأمريكي”. وهو بهذا سبق الثورة الفرنسية بقرن.

كان جان لوك صديق الفيزيائي إسحاق نيوتن. وكما قام الأول بتحليل الضوء حين سلطه مائلا على موشور زجاجي، فقد قام لوك بتحليل النفس الإنسانية والعمل السياسي في كتابين في عامي 1689م و1690 م هما:(رسالة عن التسامح الديني) و(مقال في الفهم الإنساني).

يقول جان لوك عن التسامح الديني أنه يجب أن ينتقل من التسامح بين أبناء الدين الواحد، إلى التسامح بين أبناء الديانات المختلفة”يجب أن لا نستبعد إنساناً أيا كان عمله أو وظيفته لأنه وثني أو مسلم أو يهودي”، ومن الملفت للنظر أنه أخرج رسالته عن التسامح بدون توقيع اسمه، خوفا من جو التعصب الديني. ناقش فيها المسألة الدينية بصراحة وقال بأن الدولة يجب أن لا تتدخل في حرية العقيدة. وهو تكرار للآية القرآنية “لا إكراه في الدين”. ولكن بين المسلمين ومثل هذا الفهم مسافة سنة ضوئية.ّ

أثرت أفكار (جان لوك) في تفجير الثورة الفرنسية و”إعلان حقوق الإنسان”. بل وانتقل أثره إلى أمريكا الجنوبية فقد تأثر (سيمون بوليفار) بفكر لوك، وقام بأمر تعجز عنه الجبال الراسيات فحرر خمس دول من الاستعمار الأسباني هي (كولومبيا) و(فنزويلا) و(الإكوادور) و(بوليفيا) وبيرو بين عامي 1819 و1825 م، وما يحدث في الشرق الأوسط لن يخرج عن هذا القانون.

هنا يجب أن نشير إلى أن الرجل أي جان لوك كما تأثر بمن سبقه، فقد أثر فيمن جاء بعده، وهكذا ترك لوك آثاره على جو التنوير في أوربا، وانتقلت نسمات الحرية إلى كل القارة الأوربية، ومنها درس التسامح الكبير الذي شارك فيه كثيرون مثل (إيمانويل كانت) الألماني و(ايرازموس) من روتردام في هولندا.

في الحقيقة نحن حاليا بأمس الحاجة إلى درس التسامح والرحمة اليوم، مع مشاهد القسوة المفرطة التي نراها في عالم الديجتال من رؤوس تقطع وأناس يحرقون أو يدفنون أحياء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

13
  • الهعخع
    الخميس 7 أبريل 2016 - 14:23

    صدق الفيلسوف الألماني
    فرق كبير بين التفكير و النشاط الذهني

  • MOHA
    الخميس 7 أبريل 2016 - 14:25

    صدقت يا سيدي نفعنا الله بفهمكم وعلمكم.نورتمونا نوركم الله.

  • ملاحظ
    الخميس 7 أبريل 2016 - 16:45

    فكر متنور وسديد ما احوج البلاد الى عقول تستخدم المنطق والعقل بدل ثقافة الانغلاق و جهل العصور الوسطى التي اثرت على العقول ويعاني المجتمع من تداعياتها اليوم اكثر من اي وقت مضى

  • WARZAZAT
    الخميس 7 أبريل 2016 - 19:36

    الكتب و الأفكار ساهمت في تحرير أروبا من قيود الملوك و خزعبلات الكهنة.

    لكن ما ينسى أن الثمن الذي دفع كان باهضا حيث أن الحروب الدينية التي انطلقت من بلجيكا و هولندا ضد الفاتيكان و الامبرطورية الاسبانية الكثوليكية كلفت شعوب شمال و غرب أروبا أكثر من ثلث سكانها.

    و نفس الحركات التحررية التي نجحت في الشمال فشلت في الجنوب. فرنسا مثلا كان عليها أن تنتظر 300 سنة أخرى, إيطاليا 400 , بينما إسبانيا و البرتغال لم يفتحوا أعينهم حتى اواخر القرن العشرين.

  • الهعخع
    الخميس 7 أبريل 2016 - 20:57

    الفلاسفة الألمان يثيرون الإعجاب.

  • WARZAZAT
    الخميس 7 أبريل 2016 - 21:00

    الكتب و الأفكار ساهمت في تحرير أروبا من قيود الملوك و خزعبلات الكهنة و لكن ما ينسى أن الثمن الذي دفع كان باهضا حيث أن الحروب الدينية التي انطلقت من بلجيكا و هولندا ضد الفاتيكان و الامبرطورية الاسبانية الكثوليكية كلفت شعوب شمال و غرب أروبا أكثر من ثلث سكانها.

    نفس الحركات التحررية التي نجحت في الشمال فشلت في الجنوب. فرنسا مثلا كان عليها أن تنتظر 300 سنة أخرى, إيطاليا 400 , بينما إسبانيا و البرتغال لم يفتحوا أعينهم حتى اواخر القرن العشرين.

  • said
    الخميس 7 أبريل 2016 - 21:33

    أمتنا تعيش فترة انتقالية نحو تجديد فكرها و الانعتاق من جلباب الأجداد: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}.
    مع الثورة الرقمية و انهيار حاجز الجغرافيا و تجاوز الورق كحامل وحيد للمعرفة، نتمنى أن تكون مرحلة التطور أسرع من إخواننا في الإنسانية في الغرب! و أن نستفيد من آخر قيم الإنسان المستخلف في الأرض : حرية ، ديمقراطية ، كرامة إنسانية.
    المجددون يحاربون من حراس معابد التقليد لمجتهدي القرون الخالية. خصوصا أن المستفيدين من الخمول و الحجر الفكري على الناس، يتشبتون بمراكزهم و امتيازاتهم المعنوية و المادية خصوصا! فهم يستخفون وراء إخافة الناس عن دين الله في خطر! و لكنهم هم أول من حرف دين الله بموروثات و أساطير و أحكام ما أنزل الله بها من سلطان!

  • بن شداد
    الخميس 7 أبريل 2016 - 21:51

    شكرا استاذنا خالص جلبي على مقالاتك الممتعة والمفيدة .

    لابد لليل أن ينجلي و لابد للقيد أن ينكسر .

  • الجوهري
    الجمعة 8 أبريل 2016 - 00:00

    المسلمون عاشوا عصر التنوير قبل أوروبا وكما هو جاري به العمل كل حضارة لها مدة زمنية وتختفي وحضارة المسلمين لولا كتاب الله لاختفت و إننا نؤمن بعودتها خلافا للحضارات السابقة لهذا نحن نعيش صراع ومخاض كمن دفن حيا ويستعمل أظافره للخروج من قبره وشكرا

  • learner
    الجمعة 8 أبريل 2016 - 00:43

    الحقيقة حقائق مختلفة و متعددة, رغم انه لا توجد بالمرة حقيقة كاملة الاركان لم ينخر الشك المنهجي اغراءها اليقيني. كل الافكار المجردة التي ادعت عقلانيتها لكون مصدرها هو العقل; جاءت ال Neuroscience لتهدم ذلك الوهم الذهني الاكثر منه عقلي حتى لا اكتب عقلاني.
    السؤال : اذا كانت الحقيقة الالاهية هي الحقيقة المطلقة; الا يجذر بالانسان ان يبحث عن حقيقته هو بين قوسين? ماذا لو لم يدرك الحقيقة الالاهية, هل يمضي حياته زاحفا نحو اجله دون ادراك ان الحقيقة الاولى هي وجوده المادي? الا يوجد احتمال ان ادراك الحقيقة الالاهية من حيث هي حقيقة مطلقة يعد شيئا بعيد المنال و بالتالي فتحفيزهم العقل و تحريضهم له على التساؤل اجدى للمسلمين من ان يظلوا نائمين على وسائد اليقين?
    ملحوظة سبقني اليها غيري: المتطرفون منا يرفضون العقل الغربي, بينما يستهلكون انتاجاته! هل لانهم كائنات ذهنية اكثر منها عقلية? ربما.

  • مواطن
    الجمعة 8 أبريل 2016 - 12:42

    نحن العرب غارقون حتى الاعناق في الاوهام المتراكمة منذ ازمنة طويلة والمشكلة هي عدم بروز اناس يكنسون هذه الاوهام بقوة العلم والمنطق والتحليل وان تكون دعوتهم دعوة للرقي الانساني بعيدا عن الخلفيات و المصالح الضيقة…

  • بذور عصر الانحطاط
    الجمعة 8 أبريل 2016 - 22:55

    مازلنا سيدي الكاتب نعيش في القرن 14 الميلادي ,مازال حكامنا يلاحقون المفكرين وكل من يغرد خارج السرب .حتى البذور يدوسونها باحديتهم وهي فسائل طرية.ليس من حقنا أن يكون لنا شخصيات من حجم برونو جوردانو او مكيافيللي أو هوبس او روبيس بيير وغيرهم كثير.لكن أهم شخصيات ظهرت بيننا لا يكمن أن يتجاوزها التاريخ هما الاستثناء والخاصية التي بسببهما لن نخرج من القرون الوسطى.

  • ملاحظ
    السبت 9 أبريل 2016 - 10:45

    قلها للذين يقولون بان حكومتهم لا تريد فلاسفة ولا شعراء ولا قضاة
    الله يفيقنا بعيوبنا

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 2

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا