بوجلود يثير الجدل

بوجلود يثير الجدل
الجمعة 29 ماي 2026 - 12:12

كل سنة، بعد أن تهدأ ضجة العيد بيوم أو يومين، يعود “بوجلود” إلى الشوارع. يظهر فجأة من زاوية ما، ملفوفاً في جلود الأضاحي، يركض ويصرخ، والأطفال يتفرقون ضاحكين مذعورين. ومعه، يعود معه دائماً ذلك النقاش القديم الذي لا يمل من نفسه.

أعرف أناساً يضحكون حين يرونه ويقولون “هذا جزء منّا”. وأعرف آخرين يكشّرون ويقولون “هذا يُخجل”. والغريب أن الطرفين يتحدثان بنفس الجِدِّية، وكأن القضية أعمق من مجرد رجل يرتدي جلد خروف في حي شعبي.

وربما هي كذلك، فعلاً.

لأن ما يحدث حين يظهر “بوجلود” ليس نقاشاً عن الاحتفال، بل نقاش عن صورتنا. نحن شعب يريد أن يبدو حديثاً، وفي نفس الوقت لا يعرف بالضبط ماذا يفعل بكل هذا الإرث الشعبي الصاخب الذي ورثه. نحب “الأصالة” حين تكون في إطار مرتَّب، داخل مهرجان بإضاءة جيدة وتصفيق مهذّب. لكن حين تنزل هذه الأصالة إلى الزقاق بعفويتها الحقيقية وبصخبها الحقيقي، نتوتر. تبدأ الهواتف تصوّر، والتعليقات تنهال، وكلمة “التخلف” تتردد بسرعة مثيرة للريبة.

أنا لا أقول إن كل ما يجري تحت اسم “بوجلود” مقبول. بعض ما يرافقه أحياناً من إيذاء أو تخويف حقيقي للناس أو فوضى بلا حدود، هذا رفضه مشروع تماماً، ولا يحتاج إلى دفاع. التراث لا يعني أن كل شيء مسموح به باسم الفرجة. لكن المشكلة أننا كثيراً ما نخلط بين انتقاد السلوك وإصدار حكم الإعدام على الطقس كله، وعلى كل من يجد فيه شيئاً يستحق أن يبقى.

ما يُضحك حقاً، أو ربما يُحزن، هو تلك الازدواجية التي نمارسها بكل راحة. الشخص الذي يكتب تعليقاً ساخراً عن “بوجلود” وعن “القرون الوسطى” قد يحتفل في الشهر نفسه بعيد آخر مستورد، بالأقنعة والتنكر والمسيرات الصاخبة في الشوارع. ولن يخطر له أن يسمّي ذلك تخلفاً. لأن ما يأتي من بعيد يبدو دائماً أكثر “أناقة”. أما ما يخرج من أحيائنا الشعبية، من ذاكرتنا الحميمة، فيصير مصدر خجل.

هذه ليست مشكلة مغربية وحدها. كل مجتمع مرّ بهذا الارتباك حين وجد نفسه بين ماضٍ يحبه وحاضر يريد أن يبدو لائقاً فيه. لكنها مشكلتنا نحن الآن، ونعيشها بشكل يومي.

في النهاية، “بوجلود” مجرد طقس. قديم، شعبي، ولد من الفرح الجماعي البسيط، من رغبة الناس في الضحك وكسر الرتابة وإدخال شيء غريب مختلف على أيام العيد. لا أكثر. لكننا جعلناه يحمل أكثر مما يستحق أن يحمل، لأننا في الحقيقة لا نتجادل حوله، بل نتجادل حول أنفسنا.

ويعود كل سنة، ليس لأنه انتصر في هذا النقاش، بل لأننا نحن لم نحسمه بعد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • مهاجر من ألمانيا
    السبت 30 ماي 2026 - 11:04

    الموروث الشعبي المغربي ثروة يجب تثمينها و تطويرها, بو جلود يفرح الأطفال و يخلق حركية متميزة. في ألمانيا, الكرنفالات المشابهة تم تقنينها و تأسيس جمعيات احترافية لتنظيمها و تطويرها حتى أصبحت مشهورة عالميا و فضاءا للجمال و الفن. نحن أيضا علينا بالهيكلة و التنظيم بدل إطلاق أحكام التوجس و الرفض, فالمحافظة على غنى موروثنا الشعبي تبدأ من تنظيمه و تثمينه.

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 3

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 9

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق