أنا ابن “أبي الجعد”، تلك الأم التي احتضنت طفولتي، والرحم الروحي الذي صاغ كياني من ترابها الطاهر ونسيمها العليل. أكتب هذه السطور كبوحٍ قلبي عميق، واعترافٍ بالفضل والجميل لهذه المدينة التي منحتني كل شيء، وغرست في أبنائها جذور الانتماء لتظل شامخةً في وجوه الرياح، حافظةً لهويتها عبر الدهور.
حين أستحضر ملامح مدينتي القديمة، تتراءى لي أزقتها الضيقة التي تتعانق فيها الجدران كأنها تهمس بأسرار الأجداد، وأقواسها البيضاء التي تظلّل المارة بوقارٍ وهيبة، ودكاكينها الخضراء التي تلوّن الذاكرة ببهجةٍ لا تفنى. وفي كل حي أو درب من دروبها، ينبض مسجد صغير، منارةً للهدى، يفتح أبوابه للمصلين بصدرٍ رحب، حافظاً لقدسية المكان وروحانيته التي تشعّ في كل ركن، هناك اكتشفنا الحرف وحفظنا آيات القران الكريم في سن مبكرة.
أما علاقة الجيران فهي نسيجٌ من نور لا يمزقه زمنٌ ولا تنال منه متغيرات الحياة. أبوابنا لم تعرف معنى الإغلاق، فهي مشرعةٌ دائماً على مصراعيها للرحمة والجيرة. كم من مرة، وأنا أتناول وجبة الإفطار أو الغداء، حتى يقف علينا طفل الجارة أو جارتنا نفسها، يدخل مباشرة إلى قلب المنزل، فيجلس بيننا وكأنه قطعة من هذا الجسد الواحد، يشاركنا لقمة العيش والضحكة الدافئة بلا استئذان، لأن الاستئذان هنا يُستبدل بالألفة والمحبة. ولا أنسى ذلك الخبز الذي كان يُحمل من الفرن الخارجي إلى الدار، كان يمرّ بين الأيادي الممتدة في الطريق، فلا يكاد يصل البيت حتى تنتزع منه أصابع الصغار والكبار قطعاً صغيرة، مدفوعةً برائحته الشهية وسخونته التي تذيب القلوب.
في ذاكرتي، أمشي بك في “درب السمونيين” فأشم عبق التاريخ، وكل ركن به يشهد على طفولة مرت من هنا بكل تجلياتها، وأمرّ على “درب السلاميين” حيث تسكن الطمأنينة، وأتجول في “درب لغزاونة” بين أيادي الحرفيين الماهرة حيث تنبض الحياة. وفي كل زاوية، تلاحقني روائح الطبخ التقليدي الأصيل، عبير المسمن الشهي، وفواح الحريرة الدافئة، وبخار الطاجين الذي يتصاعد من الأواني الفخارية، ممزوجاً برائحة الشاي بنعناع” تاشرافت” التي تملأ الأرجاء، وعطر البخور “الجاوي وصلبان” الذي يعلق في كل مكان.
وفي ليالي رمضان المباركة، وتحديداً ليلة القدر، تتحول المدينة إلى خلية نحل من الإيمان والإيثار، حيث يشارك كل بيت في إعداد كل ما لذّ وطاب للمصلين، لإحياء هذه الليلة العظيمة بروح الجماعة والتضامن، فتصير الموائد موائد رحمَة، والبيوت بيوت عبادة. وكذلك هي “عاشوراء”، التي لا تمرّ إلا لتؤكد أن التقاسم والمشاركة هنا ليسا مجرد عادات، بل فطرة تلقائية تنبض بالود والحب. في أبي الجعد، نتقاسم كل شيء: الفرح والألم، الأفراح والأتراح، فالجار هو الأخ، والبيت هو الامتداد، ولا يُترك أحدٌ ليواجه مصيره وحيداً.
ولم تهمل مدينتي عقولنا وأجسادنا، فالحديقة الكبيرة العمومية (جردة بيبليك) كانت متنفساً لأحلامنا البريئة ومرتعاً لضحكاتنا، والمكتبة الرائعة كانت منارةً تغذي عقولنا نحن “البجعديين” بالعلم والمعرفة، وتصقل أرواحنا بالكلمات لتجعلنا سفراء للثقافة. أما المسبح البلدي، ففيه تعلمنا السباحة، وكان كل شاب يمد يده ليعلم الأصغر منه، في مشهدٍ يجسد معاني الإخاء الحقيقي وتوارث القيم عبر الأجيال.
ومن أعماق ذاكرتي، يصدح صوت “الامداح والذكر” يرنم بخشوعٍ من داخل “الزاوية الشرقاوية”، ليزيد من قدسية المكان حيث يرقد العلامة الجليل سيدي “بوعبيد الشرقي”، فتسكن الروح وتطمئن القلوب. وفي الممر المؤدي إليها، المسمى بـ “زنقة الشيخ”، تتلألأ المحلات بعطورها الفواحة، وتذكارات الزيارة “الثمينة” التي يقتنيها زوار القبة الشرقاوية كذكرى روحية خالدة يحملونها معهم أينما حلّوا وارتحلوا.
ولا تكتمل الصورة الحسية لمدينتي دون أن أذكر الخزف الأصيل، ورائحة القطران الزكية التي تفوح من ورش الحرفيين، ودكاكين “الزياتة” حيث يباع زيت الزيتون والسمن البلدي الأصيل، ليضيفوا نكهة الزمن الجميل إلى موائدنا وحياتنا.
أنا ابن “أبي الجعد”، وهذه شهادتي أمام التاريخ والوجدان. لقد منحني هذا المكان أكثر من مجرد هوية، منحني روحاً، وقيماً، وحباً لا يشيخ. سأظل أحمل ماضيها بفخرٍ واعتزاز، وأعانق حاضرها بحبٍ لا ينضب، وأروي حكايتها بكل ما فيّ من شغف، فهي ليست مجرد مدينة على الخريطة، انما وطنٌ يسكن فيّ، وسأظل أبداً ابناً باراً لها، وفخراً من أبنائها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.